بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الهجرة أكبر قصة يرويها هذا العصر. إنّها المرآة التي ينظر فيها العالم إلى وجهه الحقيقي. فكلّ قارب يعبر البحر لا يحمل أجسادا فقط، بل يحمل سؤالا ثقيلا عن العدالة، وعن التاريخ، وعن الثروة، وعن الخوف، وعن الإنسان حين يصبح أضيق من الجغرافيا التي رسمها بيديه. في كل مرة تتدفق فيها الحشود نحو حدود أوروبا، ترتفع أصوات تتحدث عن الأمن، وأخرى تتحدث عن الحقوق، وثالثة تتحدث عن السيادة، ورابعة تتحدث عن الإنسانية. غير أن القليل فقط يتوقف عند السؤال الذي يسبق كل ذلك: كيف وصل العالم إلى لحظة أصبح فيها البحر أكبر مكتب للهجرة، وأخطر معبر حدود في التاريخ؟
إنّ الحدود، في ظاهرها، خطوط ترسمها الدول. أما في حقيقتها، فهي خطوط يرسمها تفاوت الأمل. حين يكون الأمل متساويا، تصبح الحدود مجرد خرائط. وحين يصبح الأمل موزعا بظلم، تتحول الحدود إلى سدود تحاول إيقاف نهر لا يتوقف. ولذلك فإن المهاجر لا يهرب من وطنه وحده، بل يهرب من معادلة كاملة يشعر أنها لم تعد تمنحه مكانا في المستقبل. إن الإنسان لا يغامر بحياته في البحر لأنه يعشق الموج. ولا يحمل أطفاله إلى قوارب مطاطية لأنه مولع بالمخاطرة. إنه يفعل ذلك حين يصبح اليابس أكثر رعبا من البحر. ومع ذلك، فإن اختزال أوروبا في صورة الجلاد، أو اختزالها في صورة الضحية، كلاهما ظلم للحقيقة. أوروبا ليست كتلة واحدة، كما أن إفريقيا ليست كتلة واحدة، ولا العالم العربي كتلة واحدة.

داخل أوروبا نفسها تتصارع رؤى متعددة. هناك من يرى أنّ حماية الحدود شرط لبقاء الدولة. وهناك من يرى أن حماية الإنسان تسبق كلّ اعتبار. وهناك من يحاول الجمع بين الأمرين، وهو أصعب المسارات جميعا. إن السؤال: هل ما زالت أوروبا مسؤولة عن الهجرة؟ لا يمكن أن يجيب عنه شعار. تاريخيا، لا يمكن إنكار أن قرونا من الاستعمار، وإعادة رسم الحدود، وأنماط التبادل الاقتصادي، تركت آثارا عميقة في أجزاء واسعة من إفريقيا وآسيا. كما لا يمكن تجاهل أن أسباب الهجرة اليوم تشمل أيضا الحروب الأهلية، والأنظمة السياسية، والفساد، وتغير المناخ، والنمو الديموغرافي، والفوارق الاقتصادية، وشبكات التهريب، وعوامل الجذب في الدول المقصودة. فالهجرة ليست نتيجة سبب واحد، بل التقاء أنهار كثيرة في مصب واحد. ومن يختزلها في مؤامرة، يظلم التاريخ. ومن يختزلها في الاقتصاد وحده، يظلم الإنسان. ومن يختزلها في الأمن وحده، يظلم المستقبل.
لقد أصبحت الحدود في القرن الحادي والعشرين كائنات غريبة. الأموال تعبرها في أقل من ثانية. البيانات تعبرها بسرعة الضوء. الفيروسات تعبرها من دون جواز سفر. الكربون يعبرها مع الرياح. الأفكار تعبرها مع شاشة هاتف. وحده الإنسان الفقير يكتشف أن الحدود ما زالت من إسمنت وحديد وأسلاك. أي مفارقة أكثر قسوة من هذه؟ لقد نجحت العولمة في تحرير البضائع أكثر مما نجحت في تحرير البشر. حتى صار العالم يشبه قصرا تفتح أبوابه لرؤوس الأموال، بينما يظل البشر ينتظرون خارج الأسوار. لكن هل أصبحت الحدود وهما؟

لا. الحدود ليست وهما. إنها إحدى أدوات تنظيم العلاقات بين الدول، وحماية السيادة، وإدارة الحركة. والدول، أيا كانت، من حقها أن تدير حدودها وفقا للقانون. غير أن الوهم الحقيقي هو الاعتقاد بأن الأسلاك وحدها تستطيع إيقاف حركة صنعتها الفوارق العميقة. فالجدار قد يمنع العبور في نقطة. لكنه لا يمحو الدافع إلى العبور. الجغرافيا تستطيع أن تؤخر الخطوات. أما اليأس، فإذا تحول إلى وقود، فإنه يبحث دائما عن منفذ آخر. ولذلك يبدو الخطاب العام في حاجة إلى قدر أكبر من الاتزان. ليس كل مهاجر بطلا. وليس كل مهاجر مجرما. وليس كل من يطالب بضبط الحدود عدوا للإنسانية. وليس كل من يدافع عن حقوق المهاجرين عدوا للدولة. حين تتحول القضية إلى معركة شعارات، يختفي الإنسان بين لافتتين. الهجرة ليست امتحانا للأمن وحده. ولا امتحانا للأخلاق وحدها. إنها امتحان لقدرة المجتمعات على التفكير خارج الانفعال.
إنّ أخطر ما يحدث اليوم أن السياسة أصبحت تتعامل مع الهجرة كما يتعامل الطبيب مع الحمى، فيحاول خفض الحرارة، بينما يبقى المرض ينمو في الداخل. كل اجتماع طارئ قد يخفف أزمة. لكن الأزمات ستعود ما دامت أسبابها الكبرى باقية. لا يمكن بناء سلام دائم عند الحدود إذا كان اليأس يتكاثر خلفها. ولا يمكن مطالبة الدول بالتخلي عن إدارة حدودها، كما لا يمكن تجاهل أن التنمية والاستقرار والحوكمة الرشيدة في بلدان المنشأ والعبور جزء أساسي من أي حل طويل الأمد. ربما كانت المأساة كلها تختبئ في مفارقة واحدة. لقد أصبح الإنسان قادرا على رؤية مجرات تبعد مليارات السنين الضوئية، لكنه ما زال عاجزا عن بناء عالم لا يضطر فيه أب إلى حمل طفله فوق أمواج لا تعرف الرحمة. إن البحر لا يكره أحدا. والحدود لا تحب أحدا. لكن الإنسان هو الذي يستطيع أن يجعل من القانون جسرا، لا متراسا.n ومن السياسة حلا، لا وقودا للخوف. ولعل أعظم حضارة ليست تلك التي تزيل الحدود، ولا تلك التي تضاعفها، بل تلك التي تجعل عبورها أقل اضطرارا، لأن الإنسان وجد في وطنه ما يغنيه عن تحويل البحر إلى آخر عنوان للأمل.
📲 Partager sur WhatsApp