بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان – المغرب
في بعض الثقافات الشعبية، ومنها الثقافة المغربية، توجد لحظات لا تحتاج إلى شرح طويل. لحظة ينتهي فيها الإنسان من سرد أوجاعه، ثمّ يطلق تنهيدة عميقة بين قوسين من الصمت. تلك التنهيدة ليست مجرد زفير، بل رسالة خفية تحمل ما عجزت الكلمات عن حمله. إنها لغة القلب حين يتعب اللسان. ففي علم النفس، قد تكون التنهدات المتكررة علامة على ضغط داخلي كبير، وعلى مشاعر مكبوتة يبحث الإنسان عن منفذ لها. أمّا في الوجدان الديني، فإنّها قد تكون لحظة انتقال من شكوى البشر إلى شكوى الخالق، لأنّ الإنسان مهما طال احتماله يبقى كائنا محدود الطاقة، يحمل فوق كتفيه أعباء لا يراها الآخرون. ولذلك كان من أجمل ما يردده المؤمن في لحظات الانكسار: الشكوى لله. ليس هروبا من مواجهة الحياة، بل إقرارا بأن هناك عدلا أعلى من أحكام البشر، وأن هناك عينا لا تغفل عن شيء.
الحياة مدرسة قاسية، لكنّها أعظم معلم. فيها يتعلم الإنسان أنّ العلاقات البشرية ليست كلّها سواء، وأنّ القرب لا يعني دائما الوفاء، وأنّ المعروف الذي يقدمه الإنسان قد يقابله بعض الناس بالجحود والنّكران. ومن هنا انتشرت مقولة قديمة على ألسنة الناس: “اتق شر من أحسنت إليه”. وهي مقولة تحمل جزءا من تجارب البشر، لكنّها ليست قاعدة تحكم الجميع. فليس كل من أحسن إليه الإنسان يرد الإساءة، وليس كل من تلقى المعروف ينقلب على صاحبه. ففي كل زمان يوجد من يخون العهد، ويوجد أيضا من يحفظ الجميل حتى آخر العمر. أمّا المؤمن الحقيقي، فإنّه لا يجعل أفعاله رهينة ردود أفعال الآخرين. هو يحسن لأن الإحسان قيمة، ولأنّ الله أمر به، لا لأنّ البشر سيصفقون له أو سيكافئونه. فالعمل الصالح الذي ينتظر مدح الناس يتحول إلى صفقة، أما العمل الذي يبتغى به وجه الله فيبقى عبادة.
أجمل لحظات الإنسان ليست تلك التي يراه فيها الناس سعيدا، بل تلك التي يضع فيها رأسه على وسادته في آخر الليل، فيشعر بالطمأنينة. أن ينام وقلبه خفيف. أن لا يحمل حقدا. أن لا يخشى مواجهة ضميره. أن يعرف أن ما فعله كان خالصا لله، وأنه لم يظلم أحدا، ولم يسع إلى خراب بيت، أو كسر قلب، أو إشعال فتنة. فراحة الضمير نعمة لا تساويها كنوز الدنيا. ومن أكثر الجراح التي تؤلم المجتمعات أن يتحول بعض الناس إلى أدوات لهدم ما بناه آخرون عبر سنوات طويلة. فكم من علاقة بدأت بالمودة والرحمة، ثم دخلت بينها ألسنة لا تعرف الرحمة. وكم من أسرة عاشت أعواما من الاستقرار، ثم جاء تدخل خارجي يحمل الشكوك، ويزرع الفتن، ويحوّل الاختلافات الصغيرة إلى جدران عالية بين الزوجين. إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يختلف مع غيره، بل أن يسعى إلى تخريب علاقة لم يكن طرفا فيها، وأن يهدم بيتا لم يعرف حجم الألم الذي سيتركه خلفه. فالأسرة ليست مجرد اجتماع أشخاص. إنها ذاكرة، وأبناء، وأعمار، وأحلام بنيت بصبر طويل. ومن يزرع الفتنة في بيت آمن، لا يؤذي شخصين فقط، بل يؤذي كيانا كاملا.
إن القيم لا تسقط فجأة. إنها تتآكل بصمت. حين يصبح الجحود ذكاء. وحين يصبح الاعتذار ضعفا. وحين يصبح الوفاء سذاجة. وحين ينسى الإنسان أن الأخلاق ليست زينة اجتماعية، بل هي جوهر الدين والإنسانية. والمجتمع المغربي، مثل غيره من المجتمعات، يعيش تحولات عميقة جعلت كثيرا من الناس يتساءلون عن مكانة القيم الدينية والأخلاقية في العلاقات اليومية. فالمشكلة ليست في الشعارات التي نرفعها، بل في المسافة بين ما نقوله وما نفعله.الإيمان الحقيقي لا يظهر فقط في الكلمات، بل في الرحمة، وفي حفظ العهود، وفي احترام الآخر، وفي الخوف من ظلم إنسان لا يملك إلا أن يرفع شكواه إلى الله. قال الله تعالى: “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون”. إنها آية تمنح المظلوم قوة الصبر، وتذكر الظالم بأن هناك ميزانا لا يختل. قد ينجح الإنسان في خداع البشر. وقد يستطيع أن يغير الروايات. وقد ينسج حول الأحداث قصصا تبرر أفعاله. لكن هناك حقيقة لا تتغير: الله يعلم. والضمير يعلم. والأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين يبقى شاهدا عليه.
ومع ذلك، يبقى باب الرحمة مفتوحا. فليس المطلوب من الإنسان أن يعيش أسير الألم، ولا أن يحمل في قلبه نار الانتقام. إن القوة الحقيقية أن يترك الأمر لله، وأن يواصل طريقه بقلب لا يملؤه الحقد. فالذي ظلم أساء أولا إلى نفسه قبل أن يسيء إلى غيره. والذي أحسن ثم تعرض للأذى، يكفيه أنه لم يخسر قيمه. اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا. واحفظ القلوب من القسوة. واحفظ الأسر من الفتن. واجعل الرحمة لغة بين عبادك. فما أحوج الإنسان في هذا الزمن إلى أن يتذكر أنه ليس خالدا، وأن كل كلمة يقولها، وكل دمعة يسببها، وكل قلب يكسره، ستقف يوما أمام ميزان لا يظلم فيه أحد. وفي النهاية، لا يبقى للإنسان إلا ما قدم. ويبقى أجمل ما يحمله معه إلى لقاء ربه: قلب لم يظلم. ويد لم تؤذ. وروح اختارت الرحمة حين كان القسوة أسهل.
📲 Partager sur WhatsApp