الصخرة التي انحنى عندها الزمن

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست كلّ الحجارة صامتة. بعض الحجارة تصمت لأنّها لا تملك ما تقوله، وبعضها يصمت لأنّها تحمل أكثر مما تستطيع الكلمات أن تحتمل. وصخرة المعراج من النوع الثاني. فهي لم تكن يوما مجرد قطعة من الأرض بقيت مصادفة بين طبقات التراب، بل أصبحت في ذاكرة البشر موضعا تتقاطع عنده الأسئلة الكبرى: سؤال النبوة، وسؤال التاريخ، وسؤال الإنسان حين يقف أمام مكان يشعر أنه أقدم من عمره وأوسع من فهمه. هناك أماكن لا يعيش فيها التاريخ، بل يعيش التاريخ داخلها. أماكن لا تمر عليها القرون، بل تدخل القرون في جوفها ثم تبقى هناك مثل طبقات الضوء في حجر قديم. والصخرة المشرفة واحدة من تلك الأماكن. كانت هناك قبل القباب. وقبل المآذن. وقبل أن تتغير أسماء المدن وتتعاقب الدول وتتحول خرائط البشر من يد إلى يد. كانت هناك حين كان الإنسان لا يزال يرفع عينيه إلى السماء باحثا عن الطريق. وكانت الأرض يومها أكثر صمتا. فالإنسان يكثر الكلام كلما ابتعد عن الحقيقة، أما الأشياء العظيمة فتحتاج إلى قليل من الصوت وكثير من الحضور.

لا أحد يعرف كيف تنظر الصخرة إلى الزمن. ربما تراه مثل نهر صغير يمر عند قدميها. وربما تراه مثل غيمة تعبر وجه السماء ثم تختفي. فالزمن بالنسبة للإنسان عمر. أما بالنسبة للحجر فهو مجرد ظل طويل. كم من ملك وقف قريبا منها وهو يظن أن اسمه سيبقى إلى الأبد؟ كم من جيش مر من جوارها وهو يعتقد أن الحديد أطول عمرا من الصخر؟ كم من راية ارتفعت ثم سقطت؟ أما الصخرة فبقيت. لا لأنها انتصرت على أحد. بل لأنها لم تدخل في صراع أحد. الحجر لا يحارب. ولا ينتقم. ولا يطالب. إنه فقط يشهد. والشهادة أحيانا أقوى من الكلام.

منذ أقدم العصور ارتبط هذا الموضع بتاريخ القدس وبذاكرة النبوات. وفي الذاكرة اليهودية اكتسبت الصخرة مكانة خاصة، وعرفت في التقليد اليهودي باسم حجر الأساس، وارتبطت بقدس الأقداس في الهيكل، وبالروايات التي تحيط بهذا المكان وبأسراره. لكن التاريخ، حين يقف أمام الأسئلة الكبرى، يجب أن يحمل مصباح الدليل. فليس كل ما روته الذاكرة يمكن إثباته بالأثر، وليس كل ما حفظته الروايات يصبح حقيقة تاريخية. ولهذا بقيت بعض الأسرار معلقة بين الإيمان والتاريخ، ومنها ما يتصل بتابوت العهد الذي لا يعرف الباحثون مصيره على وجه اليقين. فالإنسان يحب أن يملأ الفراغات. حين يغيب الدليل يصنع الخيال جسورا. وبعض الجسور تكون جميلة، لكنها تبقى جسورا من الحكاية لا من الحجر.

أما موسى عليه السلام، فحضوره في تاريخ الأرض المقدسة حضور نبي لا حضور مالك مكان. لم يجعل الصخرة قبلة لبني إسرائيل، ولم يثبت أن عبادتهم كانت متجهة إلى هذا الحجر بعينه. فالقبلة عبادة، والعبادة لا تقوم إلا على أمر ثابت. لكن موسى ارتبط بهذه الأرض المباركة ارتباط الشوق والنبوة. كان يحمل رسالة ثقيلة في قلبه. يحمل شعبا خرج من العبودية، ويحمل ألواحا تحمل كلمات لا تشبه كلمات البشر. كان يمشي في الصحراء، لكن الصحراء كانت تمشي معه. كل خطوة له كانت سؤالا. وكل سؤال كان يبحث عن أرض تستقبل المعنى. ولعل أعظم ما في قصة موسى ليس أنه وصل إلى الأرض المقدسة فقط. بل أنه علم البشر أن بعض الطرق لا تقاس بالوصول. هناك طرق تغير صاحبها قبل أن توصله. فالأنبياء لا تعبر بهم الطرق. الطرق هي التي تتغير حين يعبر بها الأنبياء. ولهذا بقي اسم موسى في ذاكرة القدس، لا لأن الحجر احتاج إلى اسم، بل لأن أسماء الأنبياء حين تمر على مكان ما تترك فيه شيئا من نورها.

ثم جاءت الليلة التي لم تكن مثل الليالي. ليلة لم ينحن فيها الحجر. بل انحنى الزمن نفسه. فالزمن الذي نظنه سيدا على الأشياء، ظهر في تلك اللحظة كأنه صفحة في كتاب أوسع منه. ليلة الإسراء. الليلة التي ارتبط فيها المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، حين أسرى الله بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. لم تكن رحلة مكان فقط. كانت رحلة معنى. كانت لحظة انفتح فيها باب لا يشبه أبواب الأرض. فالإنسان يظن أن العالم هو ما تراه عيناه. ثم تأتي لحظة من الله تذكره بأن ما لا يراه قد يكون أوسع مما يرى. في تلك الليلة صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء. وكان المشهد كأن التاريخ كله وقف لحظة واحدة. الأزمنة التي كانت متباعدة اقتربت. والأصوات التي كانت تأتي من قرون مختلفة اجتمعت في صلاة واحدة. كأن الرسالات كلها قالت للإنسان: لا تنظر إلى اختلاف الطرق وتنسى وحدة المصدر.

ومن هنا دخلت الصخرة في ذاكرة المسلمين بوصفها جزءا من هذا المكان العظيم، وارتبطت في الوجدان الشعبي والروحي بقصة المعراج. لكن الحكمة تقتضي أن نفرق بين ما ثبت في النصوص الصحيحة وما أضافته المخيلة عبر القرون. فلم يثبت حديث صحيح صريح أن الصخرة نفسها كانت موضع ابتداء المعراج. ولم يثبت أن الحجر ارتفع أو تعلق بالسماء. لكن هذا لا ينقص من جلال المكان. فالمعجزة لا تحتاج إلى حجر كي تثبت نفسها. والسماء لا تحتاج إلى سلم من صخر كي تفتح أبوابها. إذا شاء الله، صار البعيد قريبا، وصار المستحيل مفهوما أمام قدرة لا تحدها قوانين البشر. ثم عادت الليلة إلى نهايتها. وعادت مكة إلى سكونها. وعادت القدس إلى صمتها. لكن شيئا واحدا تغير. دخل المسجد الأقصى في قلب الأمة الإسلامية بوصفه أرضا مباركة، ودخلت تلك الرحلة في ذاكرة المسلمين بوصفها واحدة من أعظم آيات التكريم الإلهي لنبيهم. وبقيت الصخرة. كما كانت. هادئة. راسخة. تستقبل العصور كما تستقبل الجبال الريح.

جاءت الإمبراطوريات. ورحلت الإمبراطوريات. جاء من ظن أن القوة هي البقاء. ثم اكتشف أن القوة نفسها عابرة. فالإنسان يرسم الحدود بالقلم. والزمن يمحوها بالإصبع. أما الحجر فيبقى شاهدا على الإثنين. ولهذا ربما كانت الصخرة أعظم من كل الذين اختلفوا حولها. ليس لأنّها فوق البشر. بل لأنّها تذكرهم بحقيقة ينساها البشر كثيرا: أنّ الأماكن المقدسة ليست جوائز يتسلمها أحد. وليست غنائم في معركة. إنّها مرايا. ومن يقف أمامها يرى نفسه. يرى مقدار النور الذي يحمله. ويرى مقدار الظل الذي يحمله أيضا. الصخرة لا تقول لمن ينظر إليها: أنا لك. ولا تقول له: أنا لغيرك. هي لا تملك لغة الملكية. لأنّ الأشياء التي عاشت آلاف السنين تعرف أنّ البشر يمرون. وأن الأسماء مهما ارتفعت، تنخفض يوما أمام صمت الأرض. وهكذا بقيت الصخرة في قلب القدس. حجرا من الأرض. وسؤالا من التاريخ. وظلا من السماء. بقيت كأنها نافذة صغيرة فتحتها الأرض لكي ينظر الإنسان منها إلى شيء أكبر من نفسه. فليست عظمتها أنها اقتربت من السماء. بل أن السماء اقتربت من معناها عندها. وليست قصتها أنها حملت حجرا. بل أنها حملت ذاكرة الإنسان وهو يبحث، منذ أول خطوة له على الأرض، عن الطريق الذي يقوده إلى النور.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *