المتوسط يكشف اختلالات العالم

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج فيها الخرائط إلى حروب لتتغير، يكفي أن تتحرك آلاف الأقدام في اتجاه واحد حتى تبدأ الجغرافيا في إعادة كتابة نفسها. الهجرة واحدة من تلك اللحظات. فهي ليست مجرد انتقال أجساد من ضفة إلى أخرى، وليست رقما في تقرير أمني، وليست ملفا إداريا يوضع فوق مكاتب الوزارات ثم يغلق بعد انتهاء الاجتماع. الهجرة هي ارتجاج عميق في قلب النظام العالمي. إنها الصوت الخفي لأولئك الذين لم يجدوا مكانا لهم في عالم يتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان، لكنه يترك ملايين البشر واقفين أمام أبواب المستقبل المغلقة. وعندما يقف شاب عند حدود سبتة أو على شاطئ جزائري ينظر إلى جزر البليار، فهو لا يرى فقط المسافة الجغرافية بين ضفتين. إنه يرى المسافة بين عالمين. يرى أوروبا بوصفها حلما. ويرى واقعه بوصفه سؤالا بلا جواب. وهنا تبدأ المأساة.

إن ما يحدث اليوم في محيط البحر الأبيض المتوسط ليس أزمة هجرة بالمعنى التقليدي فقط. إنه نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية صنعتها عقود من الاختلال بين شمال يملك فائض القوة والموارد، وجنوب يعيش تحت ضغط البطالة والهشاشة والصراعات والتحولات المناخية. البحر المتوسط، الذي كان يوما بحرا للحضارات والتجارة وتبادل الأفكار، تحول تدريجيا إلى مرآة ضخمة تعكس تناقضات العصر. فهو في النهار طريق للسياحة والاستثمار والسفن التجارية. وفي الليل يصبح شاهدا صامتا على رحلات لا تعرف هل ستصل إلى الشاطئ الآخر أم ستنتهي في قاع الماء. إن البحر لا يميز بين سفينة فاخرة وقارب مهاجرين. لكن الإنسان هو الذي صنع هذه الهوة الهائلة بين من يعبر البحر بحثا عن المتعة ومن يعبره بحثا عن النجاة.

إن الضغط المتزايد على حدود سبتة، وارتفاع أعداد القادمين عبر الطريق الجزائري نحو جزر البليار، يكشفان حقيقة جيوسياسية أساسية: الهجرة لم تعد ظاهرة مرتبطة بدولة واحدة. لقد أصبحت شبكة متحركة تتغير مساراتها كما تغير الأنهار مجاريها. حين تغلق دولة طريقا، يظهر طريق آخر. حين ترتفع الرقابة في منطقة، تنتقل الحركة إلى منطقة أخرى. لأن الإنسان الذي تدفعه الضرورة لا يتوقف بسهولة أمام الحواجز. إنه يبحث دائما عن ثغرة في الجدار. ليس لأنه يحب المخاطرة، بل لأن اليأس أحيانا يصبح أقوى من الخوف. لكن الخطأ الأكبر هو النظر إلى الهجرة من زاوية أمنية فقط. فالأجهزة الأمنية ترى الحدود. أما علم الاجتماع فيرى الأسباب. والاقتصاد يرى الفوارق. والفلسفة ترى السؤال الأكبر: لماذا يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها المجهول أكثر احتمالا من واقعه؟ هذه هي العقدة الحقيقية. فالإنسان لا يترك أرضه بسهولة. الأرض ليست ترابا فقط. إنها ذاكرة وطفولة ولغة وعائلة وقبور أجداد. ومن يتركها لا يفعل ذلك لأنه فقد الانتماء، بل لأنه يشعر أحيانا أن الانتماء لم يعد قادرا على إطعامه أو حمايته.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها الصورة أقوى من الواقع. في الماضي كان المهاجر يعتمد على حكاية عائد من الخارج. أما اليوم فالهاتف الذكي يفتح أمامه نافذة يومية على عالم آخر. يرى المدن المضيئة. يرى السيارات الفاخرة. يرى فرص العمل. لكنه لا يرى دائما الوحدة والعزلة والصعوبات التي تنتظر خلف تلك الصور. وهنا تلعب الشبكات الاجتماعية دورا مزدوجا. فهي أداة تواصل. لكنها أيضا أصبحت أداة تعبئة وتنظيم ونشر للأوهام. نداء واحد على منصة رقمية قد يتحول إلى موجة بشرية. وشائعة واحدة قد تدفع المئات إلى مواجهة حدود أو بحر. لقد أصبح الهاتف المحمول نوعا جديدا من السفن. سفينة لا تحمل الجسد فقط، بل تحمل الخيال أيضا.

في هذه المعادلة المعقدة، يجد المغرب نفسه في موقع استثنائي. فالجغرافيا جعلته حارسا على واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. فهو قريب من أوروبا، لكنه أيضا جزء من فضاء إفريقي يعيش تحولات عميقة. وهذا الموقع يمنحه دورا يتجاوز مفهوم الدولة التي تمنع العبور. إنه أصبح فاعلا في إدارة واحدة من أكبر أزمات العصر. لكن هذه المسؤولية ليست سهلة. فالمغرب لا يواجه فقط محاولات عبور. بل يواجه شبكات منظمة، وتدفقات متعددة الجنسيات، وضغوطا اجتماعية وإنسانية. إنه يقف عند نقطة تلتقي فيها مصالح دولية كبرى مع مآسي بشرية صغيرة. وهذه من أصعب المواقع التي يمكن أن توجد فيها دولة. أما أوروبا، فهي تواجه بدورها سؤالا تاريخيا. فالقارة التي بنت جزءا من هويتها الحديثة على قيم الحرية وحقوق الإنسان تجد نفسها أمام اختبار صعب: كيف تحمي حدودها دون أن تفقد روحها؟ كيف تواجه شبكات التهريب دون أن تحول المهاجر إلى عدو؟ كيف تفرض القانون دون أن تنسى الإنسان؟

هذه ليست أسئلة إدارية. إنها أسئلة حضارية. لأن طريقة تعامل المجتمعات مع الضعفاء تكشف حقيقتها أكثر من طريقة تعاملها مع الأقوياء. إن شبكات الاتجار بالبشر هي أحد أخطر وجوه هذه المأساة. فهذه الشبكات لا تبيع رحلة فقط. إنها تبيع وهما. تأخذ من الإنسان آخر ما يملك: الأمل. ثم تحوله إلى مصدر للربح.ة إنها تجارة غريبة في تاريخ البشرية: تجارة تستثمر في أحلام الفقراء. تبيع لهم طريقا إلى المستقبل، وقد يكون الثمن هو حياتهم. ولهذا فإن مواجهة هذه الشبكات ليست قضية أمنية فقط، بل قضية أخلاقية وإنسانية. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل يمكن بناء جدار أقوى من أسباب الهجرة؟ التاريخ يقول إن الجدران قد تؤخر الحركة، لكنها لا تلغي أسبابها. فالإمبراطوريات القديمة بنت الأسوار. والحدود تغيرت. والشعوب استمرت في التحرك. لأن الإنسان منذ بداية التاريخ كان كائنا مهاجرا. تحرك بحثا عن الماء. والأمان. والفرصة. والكرامة. الهجرة ليست مرضا في البشرية. لكن تحويل الإنسان إلى مهاجر دائم بلا أفق هو المرض الحقيقي.

إن العالم يحتاج إلى رؤية مختلفة. رؤية لا ترى البحر مجرد خط دفاع. ولا ترى المهاجر مجرد رقم. ولا ترى الحدود مجرد أسلاك. المشكلة ليست في حركة البشر فقط. المشكلة في عالم أصبح فيه مكان الولادة يحدد إلى حد كبير حجم الفرص التي يحصل عليها الإنسان. لقد أصبح جواز السفر أحيانا أقوى من الموهبة. وأصبح الحظ الجغرافي أقوى من الاجتهاد. وهذا هو أحد أكبر تناقضات القرن الحادي والعشرين. في النهاية، فإن القوارب الصغيرة التي تظهر في المتوسط ليست سوى رسائل عائمة. كل قارب يحمل سؤالا. كل مهاجر يحمل قصة. وكل حدود تحمل اعترافا بأن العالم لم يجد بعد صيغة عادلة لتوزيع الأمل. فالمعركة الحقيقية ليست بين الذين يعبرون والذين يمنعون العبور. المعركة الحقيقية هي بين عالم ينتج أسباب الهجرة وعالم يحاول فقط إيقاف نتائجها. والتاريخ لا يرحم المجتمعات التي تعالج الظلال وتترك النار مشتعلة في مكان آخر. لأن البحر قد يبتلع القوارب. لكن الأسئلة التي تحملها القوارب تبقى فوق سطح الماء.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *