بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أشياء صغيرة في هذا العالم تبدو كأنّها لا تستحق التأمل. حبة قمح. قطرة ماء. ورقة شجر. وبيضة. لكن العجيب في الأشياء الصغيرة أنها كثيرا ما تخفي داخلها أسرارا أكبر من حجمها. فالبيضة ليست مجرد غذاء موضوع في زاوية المطبخ. إنها عالم مغلق يحمل في داخله وعد الحياة. قشرة صامتة تشبه جدار مدينة قديمة، وراءها مملكة كاملة تنتظر لحظة الانفتاح. ولذلك، حين ترتفع حرارة الأرض ويصبح الصيف كائنا هائجا ينفث أنفاسه فوق المدن، تعود البيضة لتذكر الإنسان بحقيقة قديمة: أن الحياة لا تحتاج دائما إلى تعقيد، بل تحتاج إلى فهم.
في زمننا الحديث، أصبح الإنسان يملك أجهزة تقيس الحرارة والرطوبة، وثلاجات تتحدث بالأرقام، وتطبيقات تخبره بما يجب أن يفعله. ومع ذلك، يبقى هناك شيء محير: كيف كانت الجدات تعرف؟ كيف كانت أمهاتنا تحفظ الطعام دون مختبرات ولا أجهزة إنذار؟ كيف كانت تعرف أن الشمس عدو بعض الأشياء، وأن الهواء صديق بعضها الآخر؟ كانت تملك علما آخر. علما لم يكتب في الكتب، لكنّه كتب في الذاكرة. كانت تقرأ رائحة الطعام. وتفهم لغة الأواني. وتعرف أنّ بعض الأشياء إذا تغيرت حرارتها فجأة فقدت شيئا من أمانها. لقد كانت تمتلك ما يمكن تسميته “حكمة الحواس”.
البيضة في الحقيقة كائن بين عالمين. ليست حية بالمعنى الكامل، وليست ميتة. هي مشروع حياة محفوظ داخل قشرة. ولهذا كانت الحرارة دائما جزءا من مصيرها. فالبيض يحتاج إلى استقرار. لا يحب الانتقال المتكرر بين عالمين متناقضين. مثل الإنسان تماما. فالإنسان أيضا يفسده الانتقال المستمر بين الخوف والأمان، بين الفوضى والطمأنينة. والبيضة، رغم صمتها، تعلمنا درسا فلسفيا: أن الاستقرار ليس رفاهية. بل شرط للبقاء. في أيام القيظ، حين تتحول المطابخ إلى أفران صغيرة، يصبح السؤال عن مكان البيض سؤالا عن علاقة الإنسان بالطبيعة. هل نضعه في الثلاجة؟ أم نتركه خارجها؟ الجواب ليس في عادة واحدة جامدة، بل في فهم المناخ.فحين تكون الحرارة معتدلة ومستقرة يمكن للبيض أن يبقى في مكان بارد وجاف. أما حين تأتي موجات الحر التي تجعل الجدران نفسها تبدو كأنها تتنفس النار، يصبح التبريد أكثر أمانا. لكن السر الأكبر ليس البرودة وحدها. السر هو الثبات. فالبيضة لا تخاف البرد فقط. إنها تخاف التردد بين البرد والحرارة. لأن هذا الانتقال قد يصنع قطرات صغيرة من الرطوبة على قشرتها، فتتحول الحماية الطبيعية إلى باب مفتوح أمام ما لا يرى.
ولعل الجاحظ، ذلك العقل الذي كان يرى العالم كأنّه مسرح واسع للحيوانات والبشر والأطعمة والأفكار، كان سيجد في قصة البيض مادة جديدة للسخرية والتأمل. ففي كتابه “البخلاء” كان يحول الأشياء اليومية إلى مرايا تكشف طباع البشر. كان البخيل لا يرى الطعام طعاما فقط، بل يرى فيه معركة بين الرغبة والخوف. وربما لو عاش الجاحظ عصر الثلاجات لكتب فصلا ساخرا عن رجل يحرس بيضاته من الحر أكثر مما يحرس ماله، ويقيس حرارة البيضة كأنها خزينة من الذهب. فالجاحظ كان يعرف أن الإنسان كثيرا ما يكشف نفسه من خلال الأشياء الصغيرة التي يملكها. أما ابن سينا، الذي نظر إلى الغذاء بوصفه جزءا من توازن الجسد، فقد رأى في الطعام علاقة بين الطبيعة والإنسان. فالطعام ليس مادة فقط. إنه حوار بين ما يدخل الجسد وما يحتاجه الجسد. والبيضة عبر التاريخ كانت رمزا لهذا التوازن. غذاء بسيط لكنه غني.ة مخلوق صغير لكنه يحمل معنى كبيرا. أما ابن حزم، الذي كان شديد النظر في طبائع البشر وعلاقاتهم، فربما كان سيجد في البيضة صورة رمزية للإنسان: قشرة خارجية تحمي سرا داخليا. فالإنسان أيضا له قشرة من الكلام والعادات، وفي داخله عالم لا يراه أحد.
لكنّ العصر الحديث يحمل مفارقة غريبة. كلّما زادت معرفتنا العلمية، ازداد ابتعادنا أحيانا عن الحكمة البسيطة. نحن نعرف أسماء البكتيريا. ونفهم التفاعلات الكيميائية. ونملك أجهزة دقيقة. لكنّنا ننسى أحيانا ما كانت تعرفه الأمهات بالفطرة: لا تترك شيئا حساسا تحت الشمس. لا تعبث بدرجات الحرارة. لا تستهين بما يبدو صغيرا. فالكوارث الكبرى تبدأ أحيانا من إهمال الأشياء الصغيرة. البيضة تعلّمنا أيضا شيئا عن الحضارة: أنّ الإنسان مهما تقدم لا يستطيع إلغاء قوانين الطبيعة. يمكنه أن يصنع آلات تبرد الهواء. لكنّه لا يستطيع أن يأمر الزمن بالتوقف. يمكنه أن يخزن الطعام. لكنه لا يستطيع أن يجعل الفساد مستحيلا. لذلك يبقى التواضع أمام الطبيعة هو أول أشكال الذكاء. في النهاية، ليست قصة البيض في أيام الحر قصة غذاء فقط. إنها قصة الإنسان نفسه. كائن هش يحاول أن يحفظ ما لديه وسط عالم متغير.ى مثل البيضة، يحمل الإنسان داخله حياة كاملة، ويحتمي بقشرة رقيقة اسمها الجسد. ويحتاج إلى التّوازن كي يبقى. وربّما لهذا السبب بقيت حكمة الأمهات حية رغم مرور القرون. لأنّها لم تكن مجرد نصائح منزلية. كانت فلسفة صغيرة ترتدي ثوب البساطة. كانت تقول لنا: احفظوا الأشياء قبل أن تضيع. فبعض الأسرار العظيمة تسكن في أكثر الأشياء تواضعا.
📲 Partager sur WhatsApp