بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أحلام صغيرة يولد منها الإنسان. وهناك أحلام ضخمة تولد من خوفه. بين الحلم والخوف مسافة قصيرة، لكنها أحيانا تكشف أعمق أسرار النفس البشرية. فالإنسان منذ أن عرف أنه فان، وهو يحاول أن يفاوض الموت. بنى القصور. ونحت التماثيل. وكتب اسمه على الجبال. أرسل صوته إلى الفضاء. وخزن ذكرياته في آلات لا تنام. لكنه اكتشف في النهاية أن جسده يحمل السؤال الأكثر قسوة: كيف يبقى الإنسان حين يغادر؟ وهنا ظهرت الحيلة القديمة المتجددة: الأبناء. في الأزمنة الأولى كان الإنسان يترك أثرا عبر الحكمة والعمل والمعرفة. كان يعتقد أن الخلود ليس في استمرار الدم، بل في استمرار المعنى. لكن بعض أثرياء العصر الحديث أعادوا فتح باب قديم، باب كانت الإمبراطوريات تعرفه جيدا: أن يحاول القوي أن يجعل نسله امتدادا لسلطته. أن يتحول الطفل من كائن حر إلى مشروع استمرار. ومن روح جديدة إلى نسخة مؤجلة من الأب. وهنا تبدأ المأساة. لأن الطفل لا يولد لكي يكون نصبا تذكاريا لشخص آخر. إنه لا يأتي إلى العالم ليحمل خوف أحد من الموت. إنه يأتي ليحمل احتمالاته الخاصة.
الظاهرة التي تسمى اليوم بالنزعة الإنجابية المتطرفة، أو “تعظيم الإنجاب”، تكشف عن تناقض عميق في عصر التكنولوجيا. ففي الوقت الذي أصبح فيه الإنسان أكثر قدرة على التحكم في الطبيعة، أصبح أكثر خوفا من عجزه أمام الزمن. لقد صنع الذكاء الاصطناعي. وغزا الفضاء. وطور أدوات تغير الحياة. لكنه بقي يحمل داخله ذلك الطفل القديم الذي يسأل: هل سأختفي يوما؟ ولهذا يبحث بعض أصحاب الثروة والنفوذ عن شكل جديد من الخلود. ليس خلود الروح. ولا خلود الفكرة. بل خلود الجينات. كأن الحمض النووي أصبح تمثالا جديدا يريدون نصبه في معبد الزمن. المشكلة ليست في كثرة الأبناء بحد ذاتها. فالأسر الكبيرة كانت عبر التاريخ جزءا من ثقافات كثيرة. المشكلة تبدأ حين يتحول الإنجاب من علاقة إنسانية إلى مشروع سيطرة. حين يصبح جسد المرأة مساحة للاستثمار. وحين يصبح الطفل رقما في إحصاء شخصي. وحين تختزل الحياة في سؤال واحد: كم نسخة مني ستبقى بعد رحيلي؟ هنا لا يعود الإنجاب احتفاء بالحياة. بل يصبح محاولة للهروب من الموت.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس العدد. بل الفكرة التي تقف خلف العدد. فكرة أن بعض البشر يعتقدون أن امتلاك المال يمنحهم حق إعادة تصميم الحياة كما يعاد تصميم برنامج أو آلة. كأن الطبيعة أصبحت شركة قابلة للاستحواذ. وكأن الإنسان أصبح مهندسا مطلقا للوجود. لكن الطبيعة، تلك القوة الصامتة التي رافقت البشر منذ البداية، تملك دائما مفاجأة صغيرة: الإنسان يستطيع تعديل الجينات، لكنه لا يستطيع صناعة الروح. يمكنه اختيار بعض الصفات البيولوجية، لكنه لا يستطيع اختيار قلب طفل أو ضميره أو أحلامه.
لقد عرفت البشرية في القرن العشرين الوجه المظلم لفكرة تحسين النسل. حين تحولت أوهام التفوق العرقي إلى قوانين عنصرية ومجازر. وحين اعتقد بعض البشر أنهم يستطيعون تقسيم الإنسانية إلى درجات. واليوم يعود شبح قديم في ثوب جديد. لم يعد يتحدث دائما بلغة العرق. بل بلغة التكنولوجيا. لم يعد يحمل شعارات قديمة. بل يستخدم كلمات أكثر نعومة: التحسين. الاختيار. التطوير. لكن السؤال الأخلاقي يبقى نفسه: من يملك حق تحديد أي حياة تستحق أن توجد؟ إن المرأة في هذا المشهد ليست مجرد طرف بيولوجي. إنها ليست وعاء لاستقبال مشاريع الآخرين. إن جسدها ليس أرضا مباحة لحروب الرجال مع الزمن. فالمرأة ليست بوابة يعبر منها طموح رجل يريد أن يهزم الموت. إنها إنسان كامل. لها إرادتها. وصوتها. وحريتها. وكرامتها التي لا تقاس بعدد الأطفال الذين تنجبهم.
المفارقة الكبرى أن بعض الذين يطالبون بملايين الأبناء لا يتحدثون كثيرا عن ملايين الأطفال الذين يعيشون بلا رعاية أو تعليم أو أمان. كأن القضية ليست دائما حب الأطفال. بل حب فكرة الامتداد. هناك فرق هائل بين أن تنجب طفلا لأنك تريد أن تمنحه العالم، وأن تنجبه لأنك تريد منه أن يمنحك الخلود. في الحالة الأولى يولد الإنسان. وفي الثانية يولد مشروع. لقد كان الفلاسفة دائما يحذرون من اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه أصبح إلها صغيرا. فالسلطة حين تلتقي بالعلم دون حكمة قد تتحول إلى غرور. والتكنولوجيا حين تنفصل عن الأخلاق قد تصبح مرآة ضخمة تضخم أسوأ مخاوف الإنسان. إن أخطر ما في عصرنا ليس أننا أصبحنا قادرين على تغيير الطبيعة. بل أننا أحيانا ننسى أن الطبيعة ليست ملكية خاصة لنا.
ربما يحتاج العالم اليوم إلى إعادة تعريف معنى الإرث. فالإرث الحقيقي ليس عدد الأبناء الذين يحملون اسمك. بل عدد الأرواح التي جعلت حياتها أفضل. ليس المهم كم مرة يتكرر دمك. بل كم مرة يتكرر أثرك الجميل. فالإنسان لا يعيش فقط في ذريته. يعيش في الأفكار التي زرعها. وفي الرحمة التي منحها. وفي العدالة التي دافع عنها. في النهاية، يبقى الموت هو المعلم الأكبر الذي لا يستطيع أغنى الأغنياء شراء الصمت أمامه. يمكن للمال أن يفتح أبوابا كثيرة. لكنه لا يفتح باب الخلود. ويمكن للتكنولوجيا أن تؤجل بعض حدود الجسد. لكنها لا تلغي السؤال الأبدي: ماذا فعل الإنسان بالحياة التي منحت له؟ فربما يكون أعظم انتصار على الموت ليس أن تترك خلفك جيشا من الأبناء. بل أن تترك خلفك عالما أكثر إنسانية مما وجدته. لأن الإنسان لا يخلد بعدد الذين يحملون اسمه. بل بعدد القلوب التي حملت معنى وجوده.
📲 Partager sur WhatsApp