بقلم: د. عبدالرحمن مكاوي-باريس
لم يعد الشرق الأوسط يعيش ضمن معادلات الأمن التقليدية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة، بل دخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فاعلية التحالفات الجامدة لصالح شبكات مرنة من الشراكات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يبرز التقارب المتسارع بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية باعتباره أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في العالم الإسلامي، ليس بوصفه تحالفًا عسكريا رسميا، وإنما باعتباره نموذجا ناشئا لإعادة توزيع القوة وبناء منظومة ردع إقليمية متعددة الأدوات. هذا التقارب لا يستند إلى أيديولوجيا مشتركة أو إلى معاهدة دفاع جماعي، بل يقوم على منطق المصالح الاستراتيجية. فالدول الثلاث تدرك أن البيئة الأمنية المحيطة بها أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن التهديدات لم تعد تقتصر على الجيوش النظامية، بل تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والجماعات المسلحة، إضافة إلى اضطراب الممرات البحرية التي تمثل شرايين الاقتصاد العالمي.
وفي مواجهة هذه البيئة، تتشكل معادلة تكاملية لافتة. تمتلك السعودية الثقل الاقتصادي والمالي والقدرة على تمويل مشاريع التحديث الدفاعي، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها محورًا لأمن الخليج والبحر الأحمر. وتمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة أثبتت قدرتها على إنتاج أنظمة قتالية تنافس عالميا، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والأنظمة البحرية. أما باكستان، فتملك إحدى أكبر المؤسسات العسكرية في العالم الإسلامي، وخبرة عملياتية واسعة، إضافة إلى قدرات نووية توفر لها عنصر ردع استراتيجي، مع عدم وجود أي التزام معلن بتمديد تلك القدرات إلى دول أخرى. إن اجتماع هذه العناصر لا يعني قيام محور هجومي، بل يخلق ما يمكن وصفه بـ”منظومة ردع موزعة”، حيث تتكامل الموارد الاقتصادية مع التكنولوجيا العسكرية والقدرات البشرية والعملياتية، بما يزيد من تكلفة أي محاولة لزعزعة استقرار الدول الثلاث أو تهديد مصالحها الحيوية.
ومن الناحية الجيوسياسية، يمتد المجال الحيوي لهذا التقارب عبر ثلاثة فضاءات مترابطة. الأول هو الخليج العربي، حيث تتصدر حماية البنية التحتية للطاقة وأمن الملاحة الأولويات الأمنية. والثاني هو البحر الأحمر وباب المندب، اللذان يمثلان أحد أهم الممرات التجارية العالمية، ويؤثر أي اضطراب فيهما بصورة مباشرة على الاقتصاد الدولي. أما الفضاء الثالث فهو جنوب آسيا والمحيط الهندي، حيث تتقاطع مصالح الأمن البحري مع المنافسة بين القوى الكبرى. ويكتسب هذا الامتداد أهمية مضاعفة في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية، وتحولها إلى ساحات رئيسية للصراع الجيوسياسي. ومن ثم، فإن أي تعاون بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد في مجالات الأمن البحري، أو تبادل المعلومات، أو تطوير الصناعات الدفاعية، ينعكس على ميزان الاستقرار الإقليمي، حتى في غياب إطار تحالفي رسمي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في التعاون العسكري بين الدول الثلاث، سواء عبر المناورات المشتركة، أو تنامي العلاقات الدفاعية، أو الشراكات في الصناعات العسكرية، وهو ما يعكس إرادة سياسية لتعزيز الاعتماد المتبادل في المجالات الأمنية. إلا أن هذا التعاون لا يزال يخضع لضوابط واضحة؛ فلا توجد قيادة عسكرية موحدة، ولا قوات مشتركة دائمة، ولا معاهدة تلزم أي طرف بالتدخل العسكري التلقائي دفاعا عن الآخر. وهنا تكمن خصوصية هذا النموذج؛ فهو يختلف عن التحالفات العسكرية الكلاسيكية التي سادت القرن العشرين. إنه نموذج أكثر مرونة، يسمح لكل دولة بالحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، مع الاستفادة في الوقت ذاته من مزايا التنسيق والتكامل. ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن تفسير هذا التقارب باعتباره صورة من صور “توازن القوى” و”الردع بالحرمان”. فبدلا من السعي إلى التفوق المطلق، تعمل الدول الثلاث على رفع كلفة أي عمل عدائي محتمل، عبر تعزيز الدفاعات الجوية، وتطوير القدرات التكنولوجية، وتوسيع التعاون الأمني. والغاية ليست خوض الحروب، بل تقليل احتمالات وقوعها من خلال بناء قدرة ردعية ذات مصداقية.
وفي المقابل، يواجه هذا المسار تحديات لا يمكن تجاهلها. فلكل دولة أولوياتها الوطنية وعلاقاتها الدولية المختلفة، كما أن طبيعة التوازنات الإقليمية تفرض قدرا من الحذر في إدارة الشراكات الأمنية. ويضاف إلى ذلك اختلاف التقديرات السياسية تجاه بعض ملفات المنطقة، وهو ما يجعل هذا التقارب عرضة للتأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن التعاون بين السعودية وتركيا وباكستان مرشح للتوسع في مجالات التصنيع العسكري، والأمن البحري، والتدريب، والتقنيات الدفاعية، أكثر من اتجاهه إلى التحول إلى حلف عسكري مغلق. وهذا يمنحه مرونة استراتيجية قد تكون، في بعض الأحيان، أكثر فاعلية من التحالفات التقليدية. إن العالم يشهد انتقالا تدريجيا من مرحلة الأحلاف الجامدة إلى مرحلة الشراكات الشبكية، حيث تتوزع القوة بين عدة أطراف وتتداخل المصالح بصورة غير مسبوقة. وفي هذا الإطار، يبدو محور السعودية–تركيا–باكستان أقرب إلى منصة للتوازن الإقليمي منه إلى مشروع للمواجهة. فهو يسعى، في جوهره، إلى إنتاج الاستقرار عبر الردع، وإلى حماية المصالح المشتركة دون الانزلاق إلى منطق الاستقطاب الحاد. إن نجاح هذا النموذج سيقاس بقدرته على منع الصراعات لا بإشعالها، وعلى تعزيز الأمن الجماعي دون تحويل المنطقة إلى ساحة سباق تحالفات متقابلة. وفي عالم يتسم بازدياد الضبابية الاستراتيجية، قد تكون المرونة، لا الصلابة، هي مصدر القوة الحقيقي.
📲 Partager sur WhatsApp