الولايات المتحدة وإيران: لا «اتفاق تفاهم» — أزمة المصطلحات وفخّ البازاريين

بقلم د. عبدالرحمن مكاوي-باريس

في النزاعات الكبرى، لا تبدأ الكارثة دائما من اختلاف المصالح؛ أحيانا تبدأ من اختلاف معنى الكلمات.وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة التفاوض الأمريكي ـ الإيراني في ربيع 2025. فقد بدا الطرفان وكأنهما يتحركان نحو «تفاهم» نووي، بينما كان كل طرف يضع تحت الكلمة نفسها مضموناً مختلفا جذريا. هنا نشأ الفخ: واشنطن كانت تتحدث بلغة الصفقة، وطهران كانت تتحدث بلغة التفاوض المفتوح. ولم يكن الأمر مجرد خلاف على نسبة تخصيب اليورانيوم. كان خلافاً أعمق على السؤال السابق: ما الذي يعنيه أصلا أن يكون هناك اتفاق؟

1- فخّ الكلمة: عندما تعني «الصفقة» شيئا في واشنطن وشيئا آخر في طهران

دخلت الإدارة الأمريكية المفاوضات بمنطق واضح ومباشر: هناك مشكلة، وهناك ثمن، وهناك نتيجة نهائية يجب أن تُعلن. ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص، وضع السقف الأمريكي في صيغة شديدة الوضوح: «لا يمكننا السماح حتى بواحد في المائة من قدرة التخصيب»، مؤكداً أن الاتفاق لن يتم إلا إذا كان «اتفاق ترامب»، وأن على إيران أن توقف وتلغي تخصيب اليورانيوم. هذه ليست لغة «التفاهم» بالمعنى الدبلوماسي المرن؛ إنها لغة الشروط والنتيجة النهائية. لكن عباس عراقجي قرأ الرسالة من الضفة الأخرى. وكان رده حاسما: «التخصيب في إيران سيستمر، مع اتفاق أو من دونه»، مؤكدا أن جوهر مسألة التخصيب ليس موضوعاً قابلا للتفاوض. وهنا يظهر جوهر الفخ. واشنطن تقول: نفاوض لكي نتوصل إلى اتفاق ينهي قدرة إيران على التخصيب. وطهران تقول:نتفاوض لكي نجد صيغة تسمح باستمرار التخصيب مع ضمانات تحول دون امتلاك السلاح النووي. الكلمتان تبدوان متقاربتين: «تفاوض» و«اتفاق». لكن المضمونين متناقضان. وهذا هو الخطأ الذي يمكن وصفه مجازاً بـ «فخ البازاريين»: الخصم لا يرفض الصفقة، لكنه يرفض تعريفك أنت للصفقة؛ ولا يغلق باب التفاوض، لكنه يجعل التفاوض نفسه هو الغاية، لا مجرد الطريق إلى النتيجة التي تريدها.

2- منطق السمسار في مواجهة منطق البازار

هنا تصبح استعارة «سماسرة العقارات» مفيدة، لا بوصفها توصيفا مهنيا للوفد الأمريكي، وإنما بوصفها وصفا لأسلوب التفكير التفاوضي. منطق السمسار يقوم على شيء بسيط: سعر ـ شروط ـ توقيع ـ عمولة ـ إغلاق الصفقة. أما منطق البازار التاريخي فيقوم على شيء مختلف: فتح الحديث ـ اختبار الطرف الآخر ـ رفع السقف ـ خفضه ـ ترك أبواب خلفية ـ تأجيل الحسم ـ إعادة تعريف الممكن. في هذا النوع من التفاوض، ليس كل تفاهم عقدا، وليس كل تصريح التزاما، وليس كل «نعم» موافقة نهائية. ومن هنا فإن الخطأ الأمريكي لم يكن بالضرورة في الدخول في التفاوض، بل في الافتراض المبكر بأن الطرف الآخر يلعب اللعبة نفسها. لقد أرادت واشنطن أن تحول المفاوضات إلى صفقة نهائية؛ بينما أرادت طهران أن تستخدم المفاوضات لإدارة الصراع، واختبار حدود الخصم، وتحسين شروطها، من دون التخلي عن أصل استراتيجي تعتبره غير قابل للمساومة.

3- لحظة الانسداد: صفر سلاح لا يعني صفر تخصيب

أكثر الجمل دلالة في هذه المواجهة كانت تلك التي صاغ بها عراقجي الفارق: «صفر أسلحة نووية = لدينا اتفاق. صفر تخصيب = ليس لدينا اتفاق». هذه الجملة تختصر الأزمة كلها. فبالنسبة إلى إيران، يمكن أن يكون الهدف النهائي هو منع تصنيع السلاح النووي مع الاحتفاظ ببرنامج تخصيب مدني. أما بالنسبة إلى الموقف الأمريكي الذي عبّر عنه ويتكوف، فإن مجرد الاحتفاظ بقدرة التخصيب يمثل في حد ذاته مشكلة استراتيجية، لأن هذه القدرة يمكن أن تكون أساسا للانتقال إلى إنتاج السلاح. إذن لم يعد الخلاف على رقم: 3.67% أو 20% أو 60%. الخلاف أصبح على وجود القدرة نفسها. وهنا انهار ما يمكن تسميته «التفاهم قبل الاتفاق»: لم تعد هناك منطقة رمادية واسعة بما يكفي لحمل الطرفين معا.

4-من أزمة المصطلحات إلى أزمة الثقة

المشكلة الأخطر أن اختلاف اللغة لم يبقَ داخل غرف التفاوض. خرج إلى الإعلام، وتحول إلى رسائل متناقضة للأسواق والحلفاء والخصوم، ثم إلى أزمة مصداقية. عندما تقول واشنطن إن التخصيب صفر هو الخط الأحمر، ثم تتعامل مع استمرار التفاوض باعتباره مؤشرا على قرب الاتفاق، فإن السؤال يصبح: ما الذي تعنيه كلمة «قرب الاتفاق»؟ وعندما تقول طهران إن التخصيب غير قابل للتفاوض، ثم تستمر في الحديث عن إمكان التوصل إلى اتفاق، فإن السؤال المقابل يصبح: أي اتفاق؟ وهكذا تحولت الكلمة نفسها إلى ساحة صراع. لم تعد الدبلوماسية تبحث فقط عن صياغة مشتركة؛ أصبحت تحاول أولا اكتشاف قاموس مشترك. وهذه أخطر لحظة في أي تفاوض استراتيجي: عندما يعتقد كل طرف أنه حصل على موافقة الآخر، بينما يكون الآخر قد وافق فقط على الاستمرار في الحديث.

5- الحرب: عندما تفشل اللغة في أداء وظيفة الردع

الأخطر من كل ذلك أن سوء الفهم الدبلوماسي يمكن أن يتحول إلى سوء تقدير عسكري. إذا اعتقد الطرف الأول أن المفاوضات تتحرك نحو صفقة، بينما يعتقد الطرف الثاني أن المفاوضات مجرد وسيلة لإدارة الوقت وتحسين شروطه، فإن هامش سوء الحساب يتسع. وقد كان واضحاً في مايو 2025 أن واشنطن وطهران وصلتا إلى مواجهة مباشرة حول هذه النقطة: الإدارة الأمريكية لوّحت بأن استمرار التخصيب غير مقبول، بينما أعلنت إيران أن التخصيب سيستمر «مع الاتفاق أو من دونه». كما اقترنت المفاوضات آنذاك بتحذيرات أمريكية من احتمال اللجوء إلى القوة إذا فشلت الدبلوماسية. وهنا تتحول أزمة المصطلحات إلى أزمة أمنية. فالطرف الذي يعتقد أن الآخر يماطل، قد ينتقل من التفاوض إلى الضغط. والطرف الذي يعتقد أن الضغط مجرد أداة تفاوضية، قد يرد برفع سقف المواجهة. ثم يبدأ الطرفان في تفسير كل خطوة من خطوات الآخر باعتبارها دليلاً على سوء النية. وهكذا يصبح الفشل في تعريف كلمة «اتفاق» مقدمة لفشل أكبر في تعريف حدود الحرب والسلم.

6- هل كان هناك «فخ» فعلا؟

ينبغي هنا التمييز بين التحليل والاستنتاج القطعي. ليس لدينا، بمجرد هذه الوقائع، دليل يثبت أن مجموعة منظمة من «البازاريين» وضعت خطة واعية لخداع الوفد الأمريكي عبر كلمة «اتفاق». لكن يمكن استخدام «فخ البازار» كمفهوم تحليلي لوصف عدم التكافؤ في ثقافة التفاوض. القوة الإيرانية لم تكن بالضرورة في تقديم صفقة مغرية ثم سحبها. القوة كانت في شيء أدق: أن تجعل التفاوض نفسه إنجازا، بينما يعتقد الطرف المقابل أن الإنجاز هو النتيجة التي يجب أن ينتهي إليها التفاوض. وهذه لعبة مختلفة تماماً.ة في البازار، الوقت جزء من السعر. وفي الدبلوماسية الإيرانية، قد يكون الغموض جزءا من التفاوض. أما في السياسة الأمريكية، وخصوصاً تحت قيادة ترامب، فإن الإعلان السياسي عن «صفقة» يحمل قيمة مستقلة: نجاح شخصي، انتصار تفاوضي، ورسالة إلى الداخل والخارج. ومن هنا نشأ التناقض البنيوي: واشنطن تريد أن تغلق الصفقة. طهران تريد أن تبقي باب الصفقة مفتوحا. والفارق بين الاثنين هائل.

7- الثمن: انهيار المنطقة الرمادية

عندما لا يكون هناك اتفاق على معنى الاتفاق، يصبح التحقق مستحيلا. وعندما يصبح التحقق مستحيلا، تصبح النوايا هي البديل. وعندما تصبح النوايا هي البديل، يصبح أسوأ تفسير لسلوك الخصم أكثر جاذبية.وهنا تكمن الكلفة الاستراتيجية الحقيقية. فالـJCPOA كان، في جوهره، محاولة لتحويل النزاع النووي من صراع على النوايا إلى نظام من القيود والتحقق والمراقبة. أما العودة إلى معادلة «نثق أو لا نثق»، فهي تعيد الملف إلى نقطة أكثر خطورة. لقد كان الدرس الذي ينبغي استخلاصه من تجربة 2025 واضحا: الدبلوماسية لا تنجح عندما يتفق الطرفان على النص فقط؛ تنجح عندما يتفقان على معنى النص وآلية التحقق منه وعواقب خرقه.

الخلاصة: السلاح الحقيقي كان كلمة «اتفاق»

القراءة الأعمق للمواجهة الأمريكية ـ الإيرانية لا تكمن في سؤال: من ربح المفاوضات؟ بل في سؤال أكثر قسوة: هل كان الطرفان يتفاوضان على الشيء نفسه أصلا؟ هنا تظهر قيمة أطروحة «فخ البازاريين». لم تكن المشكلة أن الإيرانيين قالوا «نعم» ثم قالوا «لا» فحسب. المشكلة أن «نعم» الإيرانية لم تكن بالضرورة تعني «نعم» الأمريكية. واشنطن سمعت «تفاهم» باعتباره الطريق إلى عقد ملزم. طهران تعاملت مع «التفاهم» باعتباره مساحة لاستمرار التفاوض. وهكذا أصبح الاختلاف الدلالي نفسه أداة قوة. فمن يملك تعريف معنى «الاتفاق» يملك، إلى حد بعيد، تعريف معنى النجاح والفشل. وفي هذه الحالة، لم يكن الخطر أن الإيرانيين لم يوقعوا. الخطر الأكبر أن عدم التوقيع أمكن لفترة أن يبدو، في واشنطن، وكأنه اقتراب من التوقيع. وهنا تحديداً يقع فخ البازار: أن يبيعك الطرف الآخر ليس الصفقة، بل وهم أن الصفقة أصبحت قريبة. وحين تكتشف أن ما اشتريته لم يكن اتفاقا، بل وقتا، تكون كلفة الوهم قد انتقلت من غرفة التفاوض إلى ميدان القوة. في السياسة الدولية، الكلمات ليست غلافا للاتفاق؛ الكلمات هي الاتفاق. ومن لا يتفق على معنى الكلمة، لا يستطيع أن يتفق على مضمونها. وذلك هو الدرس الأكثر قسوة من الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية: لم يكن الخلاف على الصفقة فقط؛ كان الخلاف على تعريف الصفقة نفسها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *