في قرار نيس، لا يتعلق الأمر بالحيوانات وحدها، بل بحدود الإنسانية حين تتدخل الدولة لحماية من لا يملك صوتا
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة قوانين تولد من الكتب. وثمة قوانين تولد من الدم. وهناك قوانين تولد من مشهد صغير، صامت، قد لا يتجاوز سيارة متوقفة تحت شمس عمودية، خلف زجاجها كائن حي يلهث، بينما صاحب السيارة يمشي مطمئنا، مقتنعا أن غيابه لن يستغرق سوى دقائق. لكن الدقائق، في بعض الأحيان، تكون أطول من العمر. وفي السيارة المغلقة، تحت شمس الصيف، لا يتحول الزمن إلى ساعات. يتحول إلى فرن. تتحول المقصورة إلى صندوق حراري. ويصبح الهواء نفسه شيئا يشبه العدو. من هنا يمكن فهم القرار الذي اتخذته مدينة نيس بمنع ترك الحيوان وحيدا داخل مركبة في ظروف الحرارة أو اليقظة المرتبطة بموجات الحر والجفاف، مع السماح للجهات المختصة بالتدخل، بل وفتح السيارة بالقوة عند الضرورة لإنقاذ الحيوان. في الظاهر، يبدو القرار تفصيلا من تفاصيل شرطة المدن. لكن في عمقه، هو سؤال فلسفي كامل: متى يصبح إهمال الإنسان لكائن آخر شأنا عاما؟ ومتى يحق للدولة أن تكسر زجاج السيارة كي تنقذ حياة لا تستطيع أن تطلب النجدة؟
الديمقراطية الحديثة بنيت حول الإنسان. الإنسان هو الناخب. الإنسان هو المواطن. الإنسان هو صاحب الحقوق. لكن هناك كائنات تعيش داخل مدننا، وتشاركنا البيوت والطرقات والحدائق، وتخضع بالكامل لقراراتنا، دون أن يكون لها صوت في أي صندوق اقتراع. الحيوان لا يستطيع أن يكتب شكوى. لا يستطيع الاتصال بالشرطة. لا يستطيع أن يشرح للقاضي أنه كان يختنق. لا يستطيع أن يقول لصاحبه: أخرجني من هنا. وهنا تظهر إحدى أرقى وظائف القانون: أن يتحدث باسم من لا يستطيع الكلام. حين تحمي الدولة طفلا لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لا تقول إن الطفل أصبح مواطنا كاملا في المعنى السياسي. وحين تتدخل لحماية حيوان محبوس في سيارة ساخنة، فهي لا تمنحه حق التصويت. إنها تعترف بشيء أبسط وأكثر بدائية: الحياة لا تحتاج إلى لغة كي تكون جديرة بالحماية.

هناك وهم قديم يقول إن ما يحدث داخل الملكية الخاصة لا يعني الدولة. بيتي لي. سيارتي لي. حيواني لي. إذن أفعل ما أشاء. لكن الدولة الحديثة اكتشفت منذ زمن أن الملكية الخاصة ليست جزيرة عائمة خارج المحيط الأخلاقي. حين يتحول ما هو خاص إلى خطر على حياة كائن حي، يصبح للفضاء العام حق الدخول. وهنا تأتي المفارقة: السيارة ملك خاص. لكن الاختناق ليس ملكا خاصا. الألم ليس ملكا خاصا. والموت ليس ملكا خاصا. لهذا يصبح الزجاج الذي يفصل الحيوان عن الشارع فاصلا قانونيا وأخلاقيا في آن واحد. من جهة، هناك ملكية. ومن جهة أخرى، هناك حياة. وعندما تتعارض الملكية مع إنقاذ حياة مهددة بصورة فورية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: «هل يحق لك امتلاك السيارة؟» بل: هل يحق لك أن تستخدم ملكيتك كمكان لترك كائن حي يواجه الخطر؟
قد يبدو السماح للشرطة بفتح سيارة بالقوة أمرا بسيطا. لكنه في الحقيقة يحمل فلسفة كاملة للسلطة. الدولة التي تكسر زجاج سيارة لإنقاذ حيوان تقول إن القانون ليس حارسا للملكية فقط. إنه حارس للحياة أيضا. وهذه النقطة مهمة في زمن تتسع فيه فكرة الحقوق الفردية حتى تكاد أحيانا تبتلع فكرة المسؤولية. فالحرية ليست أن أفعل ما أشاء داخل حدود ممتلكاتي. الحرية الحديثة أكثر تعقيدا. هي أن أفعل ما أريد دون أن أحول ضعفي إلى قوة على من لا يستطيع المقاومة. حين تترك حيوانا في سيارة مغلقة وسط الحرارة، فأنت لا تمارس حرية. أنت تستخدم تفوقك البشري على كائن عاجز. والقانون يأتي هنا ليقول: هناك لحظة تصبح فيها القوة الخاصة مسؤولة أمام الضعف الذي أنتجته.
الحرارة ليست جريمة. الشمس ليست مجرمة. الصيف لا يملك نية. الجفاف لا يحمل ضغينة. الطبيعة لا تعرف الرحمة ولا القسوة بالمعنى الأخلاقي. لكن الإنسان يعرف. وهنا تقع المسؤولية. حين ترتفع الحرارة، يمكن للطبيعة أن تفعل ما تفعله الطبيعة. أما الإنسان، فعليه أن يعرف أن يتوقع. أن يمنع. أن يتصرف. وهذه واحدة من العلامات الفاصلة بين الحضارة والوحشية: الحضارة ليست أن نمنع الموت كله، فهذا مستحيل، بل أن نمنع الموت الذي نستطيع منعه.وحيوان يموت بسبب عاصفة طبيعية مأساة. لكن حيوان يموت لأنه ترك عمدا في صندوق معدني تحت الشمس، بينما كان الإنسان يستطيع فتح الباب في ثوان، فهذه ليست مأساة طبيعية. إنها مسؤولية بشرية.
قد يسأل البعض: في عالم يموت فيه البشر من الفقر والحروب والجوع، لماذا كل هذا الاهتمام بحيوان داخل سيارة؟ السؤال يبدو قويا، لكنه يخفي مغالطة الرحمة ليست ميزانية مغلقة. ليس علينا أن نختار بين حماية الإنسان وحماية الحيوان كما لو أن القلب لا يتسع إلا لرحمة واحدة. المجتمع الذي يتعلم ألا يعذب الحيوان ليس بالضرورة مجتمعا أهمل الإنسان. بل قد يكون تعلم شيئا أكثر عمقا: أن الضعف، أيا كان صاحبه، لا يمنح الأقوياء رخصة للاستغلال. والتاريخ يعلمنا أن الطريقة التي يعامل بها المجتمع أضعف الكائنات فيه تكشف كثيرا عن المستوى الأخلاقي لذلك المجتمع. الحضارة تظهر في التفاصيل التي لا تصنع لها الاحتفالات. في غرفة انتظار. في مستشفى. في سجن. في دار مسنين. وفي سيارة متوقفة تحت الشمس.
قد يبدو غريبا أن نتحدث عن السياسة في قضية حيوان. لكن السياسة في معناها الأعمق ليست فقط انتخابات وبرلمانات وأحزابا. السياسة هي تنظيم القوة. ومن يملك القوة؟ ومن لا يملكها؟ ومن يحمي الضعيف عندما يسيء القوي استعمال قوته؟ هذه هي السياسة في أصلها الفلسفي. الإنسان أقوى من الحيوان. والإنسان هو الذي يقرر أين يعيش الحيوان، وماذا يأكل، ومتى يخرج، ومتى يبقى، وأحيانا متى يموت. لذلك فإن العلاقة بين الإنسان والحيوان هي أيضا علاقة سلطة. وحين يتدخل القانون لحماية الحيوان، فإنه لا يكتب قانونا عن الحيوانات فقط. إنه يرسم خطا أخلاقيا حول استخدام القوة. يقول للإنسان: ليست كل قوة مباحة لمجرد أنك تملكها. قرار نيس يحمل دلالة تتجاوز حدود المدينة. ففي زمن أصبحت فيه موجات الحر والجفاف أكثر حضورا في الحياة العامة، لم يعد التعامل مع الحرارة مجرد نصيحة موسمية. لقد بدأت الحرارة تدخل في السياسة. في قوانين العمل. في التخطيط العمراني. في الصحة العامة. في حماية كبار السن. في إدارة المدن. وفي حماية الحيوانات. وهنا يحدث تحول صامت في مفهوم الأمن. كان الأمن يعني في الماضي حماية الإنسان من العدو. أما اليوم، فأصبح الأمن يعني أيضا حماية الإنسان والحيوان والبنية التحتية من مخاطر المناخ لم تعد السماء مجرد خلفية زرقاء. أصبحت فاعلا سياسيا. الشمس نفسها بدأت تدخل إلى جدول أعمال البلديات
قدمت رئاسة بلدية نيس تحذيرا شديد اللهجة بشأن الارتفاع الكبير في حرارة المقصورة، مع الإشارة إلى إمكان بلوغ درجات شديدة الخطورة في ظروف معينة. لكن في قضايا كهذه، يجب ألا تسمح لنا البلاغة بأن تسبق العلم. الأرقام المتعلقة بدرجة حرارة السيارة تختلف باختلاف الحرارة الخارجية، ومدة التعرض، والتهوية، ولون المركبة، وموقعها، وأشعة الشمس المباشرة وغيرها من العوامل. لكننا لا نحتاج إلى رقم أسطوري كي نفهم الحقيقة الأساسية: السيارة المغلقة في الحر قد تتحول بسرعة إلى بيئة قاتلة للحيوان. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتبرير اليقظة. تخيل, قارئي العزيز, المشهد. سيارة متوقفة. شمس لا تتحرك. كل شيء هادئ. في الداخل، حيوان يلهث. في الخارج، مدينة تواصل سيرها. المفارقة أن الموت قد يحدث في أكثر الأماكن ازدحاما. لا يحتاج إلى غابة. لا يحتاج إلى حرب. لا يحتاج إلى وحش. أحيانا يحتاج فقط إلى غياب إنسان يلتفت. وهنا تصبح مسؤولية المارة جزءا من القصة. لأن المجتمع لا يحمي الضعيف فقط بالقوانين. يحميه أيضا بانتباه أفراده. قد تكون ثانية من الملاحظة أهم من صفحة كاملة من التشريع.
قد يعترض البعض: أليست هذه دولة تتدخل في حياة الناس حتى في أدق تفاصيلها؟ السؤال مشروع. لكن الدولة التي تحمي الحيوان لا تحتاج بالضرورة إلى أن تتحول إلى دولة أبوية. المعيار هو التناسب. هل يوجد خطر حقيقي؟ هل هو وشيك؟ هل توجد وسيلة أقل تدخلا؟ هل يستطيع صاحب الحيوان إزالة الخطر بسهولة؟ هل يحتاج تدخل الشرطة إلى كسر السيارة؟ هنا تظهر الحكمة القانونية. ليست قوة الدولة في أن تتدخل دائما. بل في أن تعرف متى يصبح عدم التدخل تخليا عن المسؤولية. ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي تختصر فيه القضية كلها. من يحمي الحيوان؟ المالك، أولا. والوعي، ثانيا. والقانون، ثالثا. لكن عندما يفشل الثلاثة، يبقى المجتمع. وهنا تصبح المدينة أكثر من مجموعة مبان وشوارع. تصبح كائنا أخلاقيا. مدينة تعرف أن تحت أشعتها حياة أخرى. مدينة لا تعتبر الضعف مشكلة خاصة. مدينة تفهم أن التحضر لا يقاس بعدد الأبراج التي ترتفع في سمائها، بل بعدد الكائنات التي تستطيع أن تعيش بأمان تحتها.
صغير يفتح بابا كبيرا. بابا على سؤال قديم قدم الإنسان: ما الذي يجعلنا بشرا؟ هل هي اللغة؟ العقل؟ القدرة على بناء المدن؟ اختراع القوانين؟ ربما. لكن هناك شيئا آخر. قدرتنا على أن نرى ضعفا ليس ضعفا لنا، ومع ذلك نشعر بمسؤوليته. الحيوان لا يصوت. لا يدفع الضرائب. لا يكتب المقالات. لا يملك محاميا. ولا يستطيع أن يطرق نافذة السيارة ويقول: أنا أختنق. لكن الإنسان يستطيع أن يسمع الصمت. وهنا تبدأ الأخلاق. حين نقرر أن الصمت ليس إذنا. وأن الملكية ليست رخصة للقسوة. وأن الحرية لا تعني امتلاك حق إيذاء من لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وأن الدولة، في لحظة معينة، لا تكون متسلطة حين تكسر الزجاج. بل تكون قد وصلت متأخرة إلى المكان الذي كان يجب أن تصل إليه الرحمة قبل القانون. ربما تكون تلك هي الفكرة الأعمق في القرار كله: الحضارة ليست في أن نملك القوة، بل في أن نضع القوة في خدمة الأضعف. وقد لا يدخل هذا المبدأ كتب التاريخ. لكن ربما يكفي أن ينقذ حياة واحدة. ففي عالم يكثر فيه الكلام عن حقوق الإنسان، قد تكون إحدى علامات إنسانيتنا الحقيقية هي أن نتعلم أيضا كيف نحمي كائنا ا يستطيع حتى أن ينطق باسم حقه.
📲 Partager sur WhatsApp