سبتة بين الكاتب بنجلون والسياسي بنيس

بين ما رأيناه وما نعتقد أننا فهمناه

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك لحظات في حياة الأمم يصبح فيها السؤال أهم من الجواب، لأن الجواب السريع قد يغلق الباب الذي كان ينبغي أن يفتح على أسئلة أكثر اتساعا. وأزمة سبتة واحدة من هذه اللحظات. ليست المسألة هنا مجرد آلاف من الشباب اتجهوا نحو مدينة إسبانية، ولا مجرد شرطة مغربية قيل إنها لم تمنعهم، ولا مجرد حدود جغرافية تحولت، في لحظة ما، إلى خط تماس بين بلدين، ولا حتى مجرد خلاف قديم حول مدينتين ما زالتا تحملان في جسدهما آثار تاريخ لم ينته سياسيا، وإن كان قد انتهى في كتب التاريخ. المسألة أكبر من ذلك بكثير. إنها مرآة وضعت أمام المغرب وإسبانيا وأوروبا في آن واحد، وكل طرف رأى فيها الوجه الذي يريد أن يراه. وهنا تبدأ المشكلة.

ففي 9 أغسطس 2026 نشرت صحيفة El País مقابلة مع الطاهر بنجلون، تحدث فيها عن مشاهدته شبانا مغاربة يسيرون باتجاه سبتة، وتساءل بوضوح عن سبب عدم تدخل الشرطة المغربية، معتبرا أن المغرب يمتلك جهازا أمنيا قويا، وأن ما حدث يكشف، في رأيه، خللا في الذكاء السياسي. وفي المقابل، نشر سمير بنيس في 10 أغسطس مقالا في Morocco World News بعنوان ينتقد فيه القراءة التي قدمها بنجلون، معتبرا أنها جزئية، وأنها تمنح الرواية الإسبانية المريحة مساحة أكبر مما ينبغي، لأنها تضع المسؤولية في المقام الأول على المغرب ولا تمنح الاقتصاد والسياسة الأوروبية والتاريخ الاستعماري لسبتة ومليلية ما يكفي من الاهتمام. بين المقالين مسافة قصيرة في الزمن، لكنها واسعة في الدلالة. الأول صادر عن كاتب كبير رأى المشهد بعين المثقف الذي صدمته صورة شباب بلده يسيرون نحو المجهول. والثاني صادر عن كاتب سياسي يرى أن المشهد لا يجوز فصله عن بنية العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية. لكن السؤال الذي ينقص الإثنين، ربما، هو: هل تكفي عين الكاتب لفهم الاقتصاد؟ وهل يجوز أن يتحول الانطباع إلى تفسير، والتفسير إلى حكم، والحكم إلى حقيقة؟ الحبر ليس له عظم. ولهذا يمكنه أن يقفز فوق الحدود التي لا يستطيع الخبير الاقتصادي القفز فوقها، وأن يعبر فوق خرائط الجيوسياسي الذي يعرف أن حركة شاب واحدة قد تكون نتيجة عشرات المتغيرات التي لا تظهر في الصورة. لكن هذه الحرية نفسها قد تصبح خطرا حين ينسى صاحب القلم أن لكل علم أدواته.

أقوى ما في كلام بنجلون أنه شاهد شيئا لا يمكن إنكاره: شباب يسيرون نحو سبتة، فيما لم يكن التدخل الأمني، بحسب شهادته، بالمستوى الذي يتوقعه من دولة تمتلك جهازا أمنيا قويا. وهذا سؤال مشروع. بل إنه سؤال ضروري. لكن السؤال ليس هو الجواب. فكون الشرطة لم تمنع الناس في لحظة معينة لا يثبت وحده أن الدولة اتخذت قرارا سياسيا بفتح الطريق. وقد يكون ذلك صحيحا، وقد يكون خطأ في التقدير، وقد يكون ارتباكا عملياتيا، وقد يكون عجزا عن السيطرة على ظاهرة جماهيرية مفاجئة، وقد يكون نتيجة قرار سياسي، وقد يكون خليطا من كل ذلك. فأين تنتهي الملاحظة وأين يبدأ الاستنتاج؟ هذه ليست مسألة لغوية. إنها جوهر المسألة كلها. وإذا كان من حق الكاتب أن يسأل: لماذا لم تتدخل الشرطة؟ فمن حقنا أن نسأل بدورنا: ما الدليل الذي يسمح بالانتقال من سؤال “لماذا لم تتدخل؟” إلى نتيجة “لقد تركت الدولة الناس يعبرون عمدا؟” ثم سؤال أكثر صعوبة: إذا كان ما حدث قرارا سياسيا متعمدا، فما الهدف السياسي المحدد منه؟ ومن صاحب القرار؟ وما المكسب المتوقع؟ وما الكلفة المقبولة؟ ولماذا في ذلك التوقيت بالذات؟ هنا تبدأ الجيوسياسة. وهنا أيضا تنتهي صلاحية الانطباع الأدبي وحده. فليس كل من يرى الخريطة يفهم الجغرافيا السياسية

من السهل أن نقول إن المغرب استخدم الهجرة للضغط على إسبانيا. ومن السهل أيضا أن نقول العكس: إن إسبانيا تستغل الهجرة لتبرير سياساتها تجاه المغرب. لكن السياسة الدولية لا تعمل بهذه البساطة. الدولة التي تستخدم ورقة ما يجب أن تكون قادرة على التحكم فيها، وأن تعرف متى تفتحها ومتى تغلقها، وأن تقدر رد فعل الطرف المقابل، وأن تملك مخرجا من الأزمة إذا تجاوزت الورقة حدودها. وهنا سؤال لا ينبغي أن يغيب: إذا كان المغرب قد استخدم الهجرة كسلاح، فهل كان يملك فعلا السيطرة على مسار السلاح بعد إطلاقه؟ فالمهاجر ليس قطعة شطرنج. الشاب الذي يقرر السباحة نحو سبتة يمتلك إرادته، والشبكات الاجتماعية تصنع موجات لا يمكن لأي جهاز أمني أن يضبطها بسهولة، والصورة الواحدة التي تنتشر على الهاتف يمكن أن تنتج تأثيرا يفوق قدرة أجهزة كاملة على الاحتواء. وقد أشارت تغطية El País إلى أن الوصولات إلى سبتة شهدت بالفعل تكرارا موسميا في الصيف، وأن خبراء في مجال الهجرة لا يرون بالضرورة أن الحكم القضائي الإسباني وحده يفسر الموجة الأخيرة. كما أن الصليب الأحمر الإسباني استبعد، في حديث نقلته الصحيفة، أن يكون الارتفاع مجرد نتيجة مباشرة لما يسمى تأثير الجذب. وهنا يجب أن نتعلم شيئا من علم السياسة: التزامن ليس سببية. وجود قرار قضائي قبل موجة الهجرة لا يعني أن القرار هو سببها الوحيد. ووجود تقارب مغربي إسباني في ملف، وتوتر في ملف آخر، لا يعني أن كل حدث حدودي هو رسالة مشفرة من وزارة الخارجية. الدول أكثر تعقيدا من ذلك.

إذا كان من حقنا مساءلة بنجلون، فإن من حقنا أيضا مساءلة سمير بنيس. فهو محق في رفض الرواية الأحادية، ومحق في التذكير بأن الهجرة لا تولد في فراغ، وأن الاقتصاد الأوروبي والمغربي والعلاقات التجارية بين ضفتي المتوسط جزء من القصة. لكن هل تكفي الإشارة إلى التهريب التاريخي من سبتة ومليلية لتفسير أزمة 2026؟ هنا ينبغي التمهل. الاقتصاد المغربي اليوم ليس اقتصاد2006. ومعادلات التجارة والاستثمار والموانئ وسلاسل الإمداد تغيرت. طنجة المتوسط ليست مجرد ميناء؛ إنها جزء من إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية لشمال المغرب. وناظور غرب المتوسط مشروع آخر في عملية إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية في المنطقة. كما أن المغرب لم يعد مجرد سوق تتدفق إليه السلع الأوروبية، بل أصبح أيضا قاعدة صناعية واستثمارية مرتبطة بأوروبا وإفريقيا، خصوصا في السيارات والطيران والأسمدة والطاقة والصناعات المرتبطة بها. لذلك فإن استدعاء تجارة التهريب القديمة مهم لفهم التاريخ، لكنه لا يكفي وحده لتفسير حركة اجتماعية وسياسية في 2026. والأرقام القديمة لا تصبح جديدة لمجرد أن الأزمة جديدة. هذه نقطة ينبغي أن ينتبه إليها المقال السياسي أيضا. وثمة سؤال اقتصادي لا يطرحه الطرفان بما يكفي: إذا كان الشباب المغربي يهرب من الفقر أو البطالة أو انسداد الأفق، فلماذا لا نتحدث عن نوعية النمو بدلا من الحديث فقط عن حجم النمو؟ هذه مسألة اقتصادية أكثر عمقا. قد ينمو الناتج المحلي، وقد تتوسع البنية التحتية، وقد تدخل استثمارات ضخمة، لكن يبقى السؤال: هل ينتج الاقتصاد ما يكفي من الوظائف المنتجة للشباب المتعلم؟ ثم: هل المشكلة في عدد الوظائف أم في نوعيتها؟ و: هل يخلق الاقتصاد المغربي وظائف في المدن والجهات التي يأتي منها المهاجرون المحتملون، أم أن النمو يظل متركزا في مراكز محددة؟ ثم السؤال الأشد حساسية: ماذا يحدث عندما يحصل شاب على شهادة جامعية، ثم يكتشف أن العائد المتوقع من سنوات التعليم أقل بكثير من العائد المتخيل للهجرة؟

هنا لا تعود الهجرة مجرد بحث عن خبز. إنها تصبح مقارنة بين مستقبلين. المستقبل الأول: وظيفة ضعيفة الأجر، انتظار، سكن، ضغط اجتماعي، سنوات من الصعود البطيء. والمستقبل الثاني: مخاطرة هائلة، لكنها في المخيلة قد تفتح بابا إلى دخل أعلى وشبكة اجتماعية جديدة ومكانة مختلفة. وهذا هو ما يسميه الاقتصاديون أحيانا “فارق العائد المتوقع”، لا مجرد فارق الدخل الحالي. الشاب لا يقارن راتبه المغربي براتب الإسباني فقط. إنه يقارن احتمال حياته هنا باحتمال حياته هناك. وهذه مسألة لا يحلها الحارس على الحدود. فإذن ماذا ينبغي أن تفعل إسبانيا؟ هنا يصبح النقاش أكثر جدية من مجرد تبادل الاتهامات. إذا كانت إسبانيا تريد فعلا تخفيض الهجرة غير النظامية، فهناك ثلاثة مستويات ينبغي العمل عليها. الأول أمني. الثاني اقتصادي. الثالث سياسي. أمنيا، لا يمكن مطالبة المغرب بأن يتحول إلى حارس دائم للحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي من دون تمويل وتقاسم حقيقي للكلفة، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يتحول التعاون الأمني إلى شيك مفتوح على حساب الحقوق والقانون. اقتصاديا، ينبغي الانتقال من منطق “تمويل الحراسة” إلى منطق “تمويل القدرة على الاستقرار”. أي أن جزءا أكبر من الأموال الأوروبية ينبغي أن يذهب إلى قطاعات تولد وظائف حقيقية، لا إلى منظومات أمنية فقط. لماذا لا تكون هناك مثلا حزمة مغربية إسبانية أوروبية خاصة بشمال المغرب، تستهدف:

– الصناعات المرتبطة بميناء طنجة المتوسط

– صناعة السيارات ومكوناتها

– الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر

– الاقتصاد الرقمي والخدمات العابرة للحدود

– السياحة ذات القيمة المضافة

– الصناعات الغذائية

– الاقتصاد البحري

– التدريب المهني المرتبط مباشرة بحاجات الشركات

– تمويل الشركات الصغيرة التي تستطيع خلق وظائف للشباب.

لماذا لا يتحول شمال المغرب من منطقة يراقب منها الشباب أضواء سبتة إلى منطقة تتجه إليها الاستثمارات؟ هذه، في رأينا، هي الجملة التي ينبغي أن يسمعها السياسي الإسباني أكثر من أي حديث عن “ابتزاز”.و بالمقابل ماذا ينبغي أن يفعل المغرب؟ وهنا لا يجوز أن نتهرب من المسؤولية. إذا كان الشباب يندفعون نحو البحر، فهناك سؤال داخلي لا تستطيع بروكسل ولا مدريد الإجابة عنه نيابة عن الرباط: لماذا لم يستطع الاقتصاد الوطني أن يجعل البقاء خيارا أكثر جاذبية؟ وهذا يقود إلى إصلاحات أكثر عمقا: إصلاح العلاقة بين الجامعة وسوق العمل. تقليص الاقتصاد الريعي. تحسين مناخ المنافسة. محاربة الاحتكار. تقوية المقاولات الصغيرة والمتوسطة. توجيه الاستثمار نحو الجهات الأقل استفادة من النمو. رفع إنتاجية التعليم والتكوين المهني. وإعطاء الشباب ليس فقط وظيفة، بل إحساسا بأن المستقبل قابل للبناء داخل الوطن. فالدولة لا تخسر شابا عندما يغادر حدودها فقط. قد تخسره قبل ذلك بسنوات، عندما يفقد الثقة بأن جهده سيكافأ.

أما أوروبا، فهناك سؤال أكبر هل تريد أوروبا أن تمنع الهجرة أم أن تمنع أسباب الهجرة؟ لأن الأمرين مختلفان. الأول يمكن أن تفعله الأسلاك والجدران والدوريات والاتفاقيات الأمنية. أما الثاني فيحتاج إلى سياسة تجارية واستثمارية وتنموية طويلة الأجل. وهنا يمكن أن نفتح ملفا أكثر تعقيدا: الدعم الزراعي الأوروبي. لكن ينبغي ألا نسقط في المبالغة أيضا. ليس كل فقر في إفريقيا سببه السياسة الزراعية الأوروبية، وليس كل شاب مغربي يريد الهجرة ضحية مباشرة للسياسة التجارية الأوروبية. العالم أكثر تعقيدا من ذلك. لكن يمكن القول إن العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة قد تؤثر في قدرة الاقتصادات النامية على بناء قطاعات تنافسية، ولذلك فإن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تكون مجرد مساعدات مالية تعود بعد ذلك إلى الشركات الأوروبية في صورة عقود واستثمارات. السؤال الذكي هنا هو: هل تريد أوروبا جيرانا أغنى، أم جيرانا أكثر قدرة على ضبط حدودها؟ إذا كان الجواب الثاني، فستبقى المشكلة. أما إذا كان الجواب الأول، فسنبدأ في الحديث عن شراكة مختلفة تماما. لكن أين سبتة من كل هذا؟ هنا ينبغي, قارئي العزيز, أن نكون أكثر هدوءا. سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على الخريطة. هما تاريخ، وهوية، وسيادة، وذاكرة، ومصالح اقتصادية، وأمن، ومشاعر وطنية. ولهذا فإن تحويلهما إلى عنوان للمواجهة اليومية لن يقرب الحل. لكن تجاهل السؤال التاريخي لن يجعله يختفي أيضا. إذا كانت إسبانيا ترى أن وضع المدينتين غير قابل للنقاش، فعليها أن تشرح لماذا، وكيف ترى مستقبل العلاقة مع محيطهما المغربي. وإذا كان المغرب يرى أن المدينتين بقايا استعمارية ينبغي أن تعودا إلى السيادة المغربية، فعليه أيضا أن يطرح تصورا واقعيا لما بعد المطالبة: كيف ستكون العلاقة الاقتصادية؟ ماذا عن السكان؟ ماذا عن الجنسية؟ ماذا عن الإدارة؟ ماذا عن الاتحاد الأوروبي؟ ماذا عن الحدود؟ ماذا عن النموذج القانوني والاقتصادي؟

المطالبة بالسيادة ليست خطة سياسية. والتمسك بالوضع القائم ليس خطة تاريخية. عندما نجيب عن السؤال التالي: لماذا لا نحتاج إلى كاتب واحد بنجلون ليعرف كل شيء؟ هنا ربما يقع الخلل الأكبر في النقاش كلّه. نريد من الروائي أن يكون اقتصاديا. ومن الاقتصادي أن يكون جيوسياسيا. ومن الدبلوماسي أن يكون مؤرخا. ومن المؤرخ أن يكون خبيرا في الهجرة. ثم نطلب من الصحفي أن يجمع الجميع في فقرة واحدة. وهذا غير ممكن. لا يمكن أن نولد أينشتاين وبيكاسو وأبا السياسة والاقتصاد في شخص واحد. لكل واحد مجاله. الروائي يستطيع أن يرى الإنسان في الأرقام. والاقتصادي يستطيع أن يرى الحوافز خلف السلوك. والجيوسياسي يستطيع أن يرى توازن القوى خلف التصريحات. والمؤرخ يستطيع أن يرى الماضي الذي يتسلل إلى الحاضر. وعالم الاجتماع يستطيع أن يرى ما لا تقوله الدولة ولا تقوله الشرطة ولا تقوله البيانات. أما السياسي، فعليه أن يحول هذه المعرفة المتفرقة إلى قرار. كل واحد أسد في ميدانه. لكن المشكلة تبدأ عندما يدخل الأسد ملعبا آخر ويصر على أنه يعرف قوانينه أيضا. لذلك: ماذا لو جمعناهم؟ بدلا من أن يتقاتل بنجلون وبنيس على تفسير واحد، لماذا لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يجلس كاتب مع اقتصادي مغربي وإسباني، وجيوسياسي من البلدين، وخبير في الهجرة، ومؤرخ للعلاقات المغربية الإسبانية، ومسؤول سابق عن الحدود، وممثل عن الشباب في شمال المغرب، ثم نطلب منهم أن يجيبوا عن الأسئلة نفسها؟ عندها فقط يمكن أن نعرف شيئا. نسألهم: هل كانت موجة سبتة نتيجة قرار سياسي؟ أم نتيجة فشل أمني؟ أم نتيجة تغير قانوني في إسبانيا؟ أم نتيجة ظروف موسمية؟ أم نتيجة شبكات التواصل؟ أم نتيجة تراكم اقتصادي واجتماعي؟ أم خليط من كل ذلك؟ ثم نسأل: ما الدليل على كل فرضية؟ لا ما الانطباع عنها. هذه هي النقطة التي ينبغي أن تنتقل إليها الصحافة الجادة. من سؤال “من نصدق؟” إلى سؤال: “ما الذي نستطيع إثباته؟” وما الذي ينبغي أن يتغير بعد سبتة؟

إذا كانت الأزمة قد كشفت شيئا، فهي كشفت أن سياسة الهجرة القائمة على الحدود وحدها وصلت إلى حدودها. لا المغرب يستطيع أن يكون شرطيا دائما لأوروبا. ولا إسبانيا تستطيع أن تجعل سبتة جزيرة أمنية معزولة عن جغرافية شمال المغرب. ولا أوروبا تستطيع أن تتعامل مع جنوب المتوسط باعتباره حزاما أمنيا ثم تتساءل بعد ذلك لماذا يريد الناس عبوره. ولا المغرب يستطيع أن يطالب أوروبا بالتنمية بينما يتهرب من مسؤولياته الداخلية. المعادلة تحتاج إلى إعادة بناء. يمكن تصور اتفاق جديد بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي يقوم على أربعة محاور: أمن الحدود، وتنمية الشمال، ومسارات هجرة قانونية، وشراكة اقتصادية طويلة الأجل. وفي المقابل، ينبغي أن تكون هناك مؤشرات قابلة للقياس: عدد الوظائف الجديدة. حجم الاستثمار المنتج. عدد الشباب المستفيدين من التدريب. نسبة انخفاض الهجرة غير النظامية. عدد التأشيرات القانونية للعمل والدراسة. حجم الدعم الأوروبي الذي يذهب إلى الاقتصاد الحقيقي لا إلى الأمن وحده. عندها تصبح السياسة قابلة للمحاسبة. وأخيرا، السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجا من كل الأسئلة ربما لا ينبغي أن نسأل فقط: من فتح الطريق إلى سبتة؟ بل: لماذا كان هناك هذا العدد من الناس المستعدين للمخاطرة بحياتهم كي يسلكوا الطريق أصلا؟ فإذا أجبنا عن السؤال الأول فقط، سنعرف من أخطأ في إدارة الحدود. أما إذا أجبنا عن الثاني، فقد نعرف لماذا أصبح البحر أكثر جاذبية من الوطن في مخيلة بعض شبابه. وهذا أخطر بكثير.

إن بنجلون رأى المشهد من جهة الإنسان المصدوم. وبنيس رآه من جهة التاريخ والسياسة والاقتصاد. وكلاهما قدم شيئا مهما، وكلاهما ترك شيئا ناقصا. أما الحقيقة، كالعادة، فلم تكن جالسة في مقعد أحدهما. كانت تمشي بينهما. ربما كانت شابا يحمل هاتفا في يده، يرى أضواء سبتة من بعيد. وربما كانت شرطيا لا يعرف هل أمامه مهاجر أم موجة بشرية أم أزمة سياسية. وربما كانت وزيرا في مدريد يحسب تكلفة الحدود. وربما كانت مسؤولا في الرباط يحاول أن يوازن بين الأمن والسيادة والعلاقة مع أوروبا. وربما كانت اقتصاديا ينظر إلى جدول البطالة ولا يرى فيه الوجوه. وربما كانت أما مغربية لا تريد من أوروبا شيئا ولا من المغرب شيئا سوى أن يعود ابنها. لهذا فإن الكتابة عن سبتة تحتاج إلى شيء أكبر من الانحياز إلى بنجلون أو بنيس. تحتاج إلى تواضع معرفي. أن نعرف أين تنتهي شهادتنا. وأين يبدأ تخصص غيرنا. وأن ندرك أن الحبر يستطيع أن يضيء الطريق، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني الطريق. ففي نهاية المطاف، ليست المشكلة أن يكون لدينا كتاب كثيرون. المشكلة أن نطلب من الكاتب أن يكون عالما بكل شيء، ثم نغضب حين لا تكون روايته كاملة. الأجدى أن نضع الكاتب إلى جانب الاقتصادي، والاقتصادي إلى جانب الجيوسياسي، والجيوسياسي إلى جانب المؤرخ، والمؤرخ إلى جانب عالم الاجتماع، ثم نترك بينهم مساحة واسعة للسؤال. لأن الأمم لا تتقدم حين تجد الإجابة الأسرع. تتقدم حين تتعلم كيف تسأل السؤال الصحيح. وسبتة، في النهاية، ليست سؤالا عن شرطي غاب. إنها سؤال عن دولة، واقتصاد، وحدود، وذاكرة، وأوروبا، وشباب، ومستقبل. ومن يختصر كل ذلك في رواية واحدة، أيا كان اسمه وموقعه، يكون قد ربح المقال… وخسر الحقيقة.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “سبتة بين الكاتب بنجلون والسياسي بنيس

  1. لحد الساعة، الروايات كثيرة والأسئلة عديدة، غير أن الصورة ما تزال غامصة. الأمور لم تتضح بعد وما حدث ليس أمرا عاديا.

  2. تعدد السرديات ، و في غياب نتاءج لقاء رسمي بين الدولتين من أجل تحديد المسؤوليات وتفسير ما وقع، تظل زجاجة الواقع ” مشخشخة” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *