حسب رؤية مغاربة العالم
بقلم د. عبدالرحمن مشراوي, باحث ومختص بأمراض القلب- ألمانيا
هناك دول تقيس ثروتها بما تحت الأرض، وأخرى بما فوقها من مصانع وموانئ وطرق. أمّا الدول التي تفكر في المستقبل، فتقيس ثروتها بما يوجد داخل عقول أبنائها. لهذا فإن السؤال الحقيقي حول التعليم في المغرب ليس: كم مدرسة لدينا؟ وكم جامعة؟ وكم مليارا ننفق؟ السؤال الأكثر إلحاحا هو: أيّ إنسان نريد أن نصنع؟ ذلك أن العالم دخل مرحلة لم تعد فيها الثروة الطبيعية وحدها مصدرا للقوة، ولا رأس المال وحده ضمانة للتنافسية. المعرفة أصبحت موردا استراتيجيا، والمهارة أصبحت أصلاً اقتصادياً، والبحث العلمي أصبح جزءا من الأمن الوطني، والقدرة على الابتكار أصبحت أحد معايير استقلال الدول. ومن هنا، فإنّ إصلاح التعليم المغربي لا ينبغي أن يعامل كملف اجتماعي أو قطاع حكومي كباقي القطاعات. إنّه في جوهره مشروع لإعادة بناء الدولة من بوابة الإنسان.
المشكلة ليست أننا لم نصلح التعليم
منذ الاستقلال، عرف المغرب إصلاحات تعليمية متتالية، تغيرت معها البرامج والمناهج والتصورات، وتعددت المخططات والمرجعيات. لكن المفارقة أن كثرة الإصلاحات لم تنتج دائما التراكم المطلوب. وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة: المشكلة ليست في غياب الإرادة، وإنما في صعوبة تحويل الإصلاح إلى سياسة طويلة النفس، مستقرة الأهداف، قابلة للقياس والمساءلة. التعليم لا يحتمل المزاجية المؤسساتية. التلميذ الذي يدخل المدرسة اليوم سيحتاج إلى نظام تعليمي متماسك طوال أكثر من عقد من الزمن. لذلك لا يمكن أن تتغير فلسفة التعليم كلما تغيرت الحكومة أو المسؤول أو البرنامج. الدول الناجحة لم تبن مدارسها بمنطق «الموسم السياسي»، وإنما بمنطق الأجيال. وهذا هو أول درس ينبغي استخلاصه: المغرب يحتاج إلى سياسة تعليمية تتجاوز الحكومات، لا إلى إصلاح جديد يبدأ من الصفر.
المدرسة التي تحفظ كثيرا وتفكر قليلا
المعضلة الأكثر عمقا ليست في الكتاب المدرسي وحده، وإنما في فلسفة التعلم نفسها. ما زال الحفظ يحتل مساحة واسعة من العملية التعليمية، في الوقت الذي أصبح فيه العالم يحتاج إلى مهارات مختلفة جذريا: التفكير النقدي، التحليل، الابتكار، التواصل، العمل الجماعي، حل المشكلات، والقدرة على التعلم المستمر. في الماضي، كانت المعلومة سلعة نادرة. اليوم، المعلومة متاحة في هاتف صغير. لكن القدرة على تمييز المعلومة الصحيحة، وفهمها، وربطها بغيرها، وتحويلها إلى قرار أو ابتكار أصبحت هي الثروة الحقيقية. لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا تعلم الطفل؟ بل علينا أن نسأل: هل أصبح قادرا على التفكير؟ إذا خرج التلميذ من المدرسة وهو يعرف الإجابات، لكنه لا يعرف كيف يطرح السؤال، فإننا نكون قد أنتجنا حافظا جيدا للمعلومات، لا مواطنا قادرا على صناعة المستقبل.

العدالة ليست أن نعطي الجميع الشيء نفسه
لا يمكن بناء منظومة تعليمية عادلة بالمنطق الحسابي وحده. فالطفل الذي يعيش في قرية نائية، ويواجه صعوبة في الوصول إلى المدرسة، ويعيش داخل أسرة محدودة الموارد، لا ينطلق من النقطة نفسها التي ينطلق منها طفل يعيش في مدينة كبرى، محاطا بمصادر المعرفة والتجهيزات والدعم الأسري. ومن ثم فإن المساواة الشكلية قد تنتج ظلما فعليا. العدالة التعليمية تعني أن يحصل كل طفل على الشروط التي تمكنه من النجاح، بحسب حاجاته ووضعه ومجاله الجغرافي والاجتماعي. وهذا يجعل محاربة الفوارق بين الحضر والريف، وبين الجهات، وبين الفئات الاجتماعية، جزءا من مشروع الدولة، لا مجرد ملف اجتماعي. فالدولة التي تسمح بأن يصبح الفقر عاملا محددا لمستقبل الطفل، تساهم من حيث لا تريد في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.
اللغة ليست معركة هوية… إنها أيضا معركة قدرة
لقد استنزف النقاش حول لغات التدريس قدرا كبيرا من الطاقة السياسية والثقافية. لكن العالم من حولنا لم ينتظر حسم هذا الجدل. الإنجليزية أصبحت لغة مركزية في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي. والسؤال البراغماتي الذي ينبغي أن يحكم السياسة اللغوية هو: كيف يستطيع المغربي أن يتقن لغات هويته، وفي الوقت نفسه يمتلك أدوات الوصول إلى المعرفة العالمية؟ ليست القضية في إلغاء لغة لصالح أخرى، وإنما في بناء كفاءة لغوية حقيقية. المغرب يحتاج إلى سياسة لغوية مستقرة، لا تجعل المتعلم ضحية لتقلب الاختيارات، ولا تحوّل اللغة إلى ساحة للصراع الإ ديولوجي. فاللغة في النهاية ليست فقط هوية. إنها أيضا أداة قوة.
الجامعة ليست مستودعا للشهادات
ثم نصل إلى التعليم العالي. وهنا تظهر أزمة أخرى: هل الجامعة المغربية تنتج المعرفة، أم تنتج الشهادات؟ الفرق بين الاثنين هائل. الجامعة الحديثة يجب أن تكون مؤسسة للبحث والابتكار، ومختبرا للأفكار، وشريكا في التنمية الاقتصادية، لا مجرد محطة للحصول على شهادة ثم البحث عن وظيفة. وإذا كانت الدولة تريد الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، فلا يمكن أن تظل الجامعة منفصلة عن الصناعة والتكنولوجيا وريادة الأعمال. الاقتصاد الذي لا يتصل بالجامعة يخسر المعرفة. والجامعة التي لا تتصل بالاقتصاد تخسر جزءا من وظيفتها الاجتماعية. ولهذا ينبغي إعادة بناء العلاقة بين الجامعة والقطاع الإنتاجي على قاعدة جديدة: المعرفة يجب أن تجد طريقها إلى السوق، والسوق يجب أن يطرح أسئلته على المختبر.

التعليم المهني ليس «الخيار الثاني»
ومن الأخطاء التي ينبغي التخلص منها ثقافيا ومؤسساتيا النظر إلى التعليم المهني والتقني باعتباره ملاذا لمن لم ينجح في التعليم العام. هذه النظرة لم تعد مقبولة في اقتصاد حديث. المصانع تحتاج إلى تقنيين متخصصين. المستشفيات تحتاج إلى كفاءات تقنية وتمريضية. قطاع البناء يحتاج إلى مهارات دقيقة. السياحة تحتاج إلى تكوين مهني متقدم. والاقتصاد الرقمي يحتاج إلى تقنيين ومبرمجين ومتخصصين في البيانات والشبكات والأمن السيبراني. المشكلة إذن ليست في نقص الوظائف فقط، بل في الفجوة بين المهارات التي ينتجها التعليم والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد. وهذه الفجوة تفسر مفارقة البطالة ونقص الكفاءات في الوقت نفسه. لذلك يجب أن يتحول التعليم المهني إلى مسار مرموق، انتقائي، متطور، ومرتبط مباشرة بحاجات الاقتصاد.
المدرس هو الاستثمار الأكثر حساسية
يمكن بناء مدرسة حديثة، وشراء حواسيب، وإنشاء منصات رقمية، وتغيير المناهج. لكن لا شيء من ذلك يستطيع أن يعوض مدرسا جيدا. المدرس هو نقطة التماس بين السياسة التعليمية والطفل. ولهذا فإن أي إصلاح يتجاهل المدرس محكوم عليه بأن يبقى ناقصا. المطلوب هو رفع معايير الولوج إلى المهنة، وتحسين التكوين الأساسي والمستمر، وإعادة الاعتبار للمسار المهني، وربط الترقية بالتطوير والكفاءة، واستعادة المكانة الاجتماعية التي فقدتها المهنة في كثير من السياقات. مدرس ضعيف لا يمكن أن يصنع مدرسة قوية، ومدرس قوي لا ينبغي أن يعمل داخل منظومة تقتل حافزه.
الذكاء الاصطناعي لن يصنع المعجزة
يتحدث العالم اليوم عن الذكاء الاصطناعي باعتباره ثورة ستغير التعليم. وهذا صحيح جزئيا. فالذكاء الاصطناعي سيغير طريقة الوصول إلى المعرفة، وأساليب التقييم، والتعلم الشخصي، وإنتاج المحتوى. لكنه لن يعالج تلقائيا مشكلات المدرسة. بل إن إدخال التكنولوجيا في منظومة ضعيفة قد يجعل الضعف أكثر سرعة وانتشارا. لذلك ينبغي أن يكون السؤال ليس: كيف ندخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة؟ بل: كيف نعيد تصميم المدرسة لكي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد وظيفتها الإنسانية؟ فالآلة تستطيع أن تقدم إجابة، لكنها لا تستطيع أن تعلم الطفل معنى المسؤولية، أو المواطنة، أو الحوار، أو احترام الآخر. وهذه وظائف لا تزال إنسانية بامتياز.
البحث العلمي هو الاختبار الحقيقي
إذا كان التعليم يصنع الكفاءات، فإن البحث العلمي يحول هذه الكفاءات إلى قوة وطنية. وهنا لا يكفي رفع الإنفاق. يجب أن نسأل عن المردودية. ما حجم المعرفة التي ينتجها المغرب؟ كم من براءة اختراع تتحول إلى منتج؟ كم شركة تنشأ من المختبرات؟ كم من مشكلة صناعية أو فلاحية أو بيئية أو صحية تُحل داخل الجامعات ومراكز البحث؟ الدولة التي تمول البحث العلمي دون أن تبني الجسور بين الجامعة والاقتصاد تخسر جزءاً كبيراً من قيمة استثمارها. ولهذا ينبغي أن يصبح ربط البحث العلمي بالاقتصاد الوطني إحدى الأولويات الاستراتيجية.
من إصلاح التعليم إلى بناء السيادة المعرفية
السيادة لم تعد تقاس فقط بامتلاك الأرض والسلاح والطاقة. هناك سيادة جديدة تتشكل بهدوء: السيادة على المعرفة والتكنولوجيا والكفاءات. الدولة التي تستورد تقنياتها الأساسية، وتستورد خبراتها، وتستورد حلولها التكنولوجية، تظل في موقع هش مهما بلغت قوتها الاقتصادية. أما الدولة التي تستطيع إنتاج جزء متزايد من معرفتها وتقنياتها وكفاءاتها، فإنها توسع هامش استقلال قرارها. وهنا يصبح إصلاح التعليم قضية سيادية. إنه ليس فقط إعداداً لسوق العمل. إنه إعداد للدولة نفسها.
المغرب يحتاج إلى عقد وطني حول الإنسان
لهذا كله، لا يبدو الحل في إطلاق إصلاح آخر يحمل اسما جديدا وشعارا جديدا. المغرب يحتاج إلى عقد وطني طويل المدى حول التعليم، تشترك فيه الدولة والمدرسة والأسرة والجامعة والقطاع الاقتصادي والجماعات الترابية والمجتمع المدني. عقد يقوم على خمسة مبادئ واضحة: الجودة، والإنصاف، والاستمرارية، والمساءلة، والارتباط بحاجات المستقبل. وما عدا ذلك تفاصيل قابلة للتطوير.
المعركة ليست مع المدرسة… بل مع الزمن
العالم لا ينتظر. التكنولوجيا تتقدم، والاقتصادات تتغير، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل، ودورة إنتاج المعرفة تصبح أقصر وأكثر سرعة. وفي هذا العالم، لا يمكن للمغرب أن يكتفي بإنتاج خريجين يعرفون ما تعلموه؛ بل يحتاج إلى مواطنين قادرين على التعلم من جديد عندما يتغير العالم. هذه هي الكفاءة الحقيقية. أن يتعلم الإنسان كيف يتعلم. أن يعرف كيف يفكر. أن يمتلك القدرة على التكيف. أن يحول المعرفة إلى إنتاج. وأن يجعل من العلم أداة لبناء مجتمعه وتعزيز استقلال وطنه. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس: كيف نُصلح المدرسة؟ بل: كيف نبني الإنسان الذي يستطيع أن يحمل المغرب إلى المستقبل؟ ذلك أن الدولة قد تمتلك الأرض والثروة والبنية التحتية، لكنها لا تستطيع أن تشتري مستقبلا جاهزا. المستقبل يدرَّس، ويُبحث، ويُبتكر، ثم يُبنى. ولهذا فإن أعظم مشروع سيادي يمكن للمغرب أن ينجزه ليس بناء مدرسة جديدة فحسب، وإنما بناء جيل جديد لا يخاف المستقبل لأنّه يمتلك أدوات صناعته.
📲 Partager sur WhatsApp