التصويت حق مؤجل لمغاربة العالم
بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك
في النقاش المتجدد حول مشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية، لا ينبغي أن نتعامل مع موضوع التصويت بالوكالة باعتباره مجرد إجراء تقني أو حلا إداريا لتجاوز صعوبة فتح مكاتب التصويت خارج أرض الوطن. فالمسألة، في جوهرها، أكبر من ذلك بكثير؛ إنها تتعلق بصورة الديمقراطية المغربية، وبمدى احترام حق دستوري، وبالثقة التي ينبغي أن تجمع المواطن بالمؤسسات وبالمسلسل الانتخابي برمته. ومن هذا المنطلق، نطرح هذه الملاحظات، وبروح وطنية صادقة، بعيدا عن أي حسابات حزبية أو سياسية ضيقة. إننا لا نرى أن التصويت بالوكالة يمكن أن يكون بديلا حقيقيا عن التصويت الشخصي. فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما هي تعبير مباشر وفردي عن الإرادة السياسية للمواطن. وحين يتنازل الناخب عن ممارسة هذا الحق بنفسه لشخص آخر، مهما كانت درجة القرابة أو الثقة بينهما، فإننا نبتعد عن الأصل الذي تقوم عليه العملية الانتخابية: أن يصوت المواطن بنفسه، بعد إثبات هويته، وفي إطار إجراءات تضمن سرية اختياره واستقلال إرادته.
قد يكون التصويت بالوكالة حلا إجرائيا في بعض السياقات، لكنه في الحالة المغربية يظل، من وجهة نظري، حلا لا يرقى إلى مستوى تطلعات مغاربة العالم، ولا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن تمكينهم من ممارسة حقهم الانتخابي بصورة مباشرة. فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نمكن مغربي العالم من التصويت بالوكالة؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: لماذا لا نمكن مغربي العالم من التصويت بنفسه؟ إذا كانت الدولة حريصة فعلا على ضمان نزاهة الانتخابات ومصداقيتها، وإذا كانت التكنولوجيا والإدارة المغربية قادرتين على تدبير عمليات انتخابية معقدة داخل الوطن، فما الذي يمنع من فتح مكاتب اقتراع في السفارات والقنصليات المغربية، وتمكين المواطنين المقيمين بالخارج من ممارسة حقهم الانتخابي حضوريا؟ إن فتح صناديق الاقتراع أمام مغاربة العالم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره امتيازا، ولا منة من أحد، بل باعتباره ترجمة عملية لمبدأ المشاركة السياسية للمواطن المغربي أينما كان.
مغاربة العالم ليسوا مواطنين من درجة ثانية، وليسوا مجرد جالية تستدعى عند الحاجة إلى تحويل العملة أو الاستثمار أو الدفاع عن صورة الوطن في الخارج. إنهم جزء اصيل من الشعب المغربي، يحملون الجنسية المغربية، ويرتبطون بوطنهم وجدانيا وقانونيا، ومن حقهم أن يكون لهم حضور حقيقي في صناعة القرار وفي المؤسسات المنتخبة. لقد ظل مطلب المشاركة السياسية لمغاربة العالم مطروحا منذ سنوات، وظل النقاش حول تمثيليتهم ومشاركتهم في المؤسسات المنتخبة قائما دون أن يصل إلى الصيغة التي ينتظرها الكثيرون. ولذلك فإن العودة إلى التصويت بالوكالة، بدل معالجة جوهر المشكلة، قد تفهم لدى شريحة واسعة من مغاربة العالم باعتبارها استمرار لمنطق الحلول المؤقتة والترقيعية. والاخطر من ذلك أن مثل هذه الحلول لا تساعد على بناء الثقة. والديمقراطية بلا ثقة تصبح مجرد إجراءات، والانتخابات بلا ثقة تفقد جزءا أساسيا من معناها.
نحن لا نتهم أحدا بالتزوير، ولا نملك الحق في إصدار أحكام مسبقة على نيات المواطنين أو نزاهة الأشخاص الذين يمكن أن توكل إليهم عملية التصويت. لكننا نتحدث عن مخاطر نظام التصويت بالوكالة من حيث المبدأ، وعن الحاجة إلى تحصين العملية الانتخابية من كل ما يمكن أن يفتح باب الشك أو التأويل أو الضغط أو التأثير على إرادة الناخب. فحين يضع المواطن صوته بنفسه، بعد التحقق من هويته، يكون مسؤولا مباشرة عن اختياره. أما حين يفوض شخصا آخر للتصويت نيابة عنه، فإننا ندخل في مساحة أكثر تعقيدا: كيف نضمن استقلال القرار؟ كيف نضمن أن الاختيار الذي تم التعبير عنه هو فعلا اختيار صاحب الوكالة؟ وكيف نضمن عدم تعرض الوكيل لأي ضغط أو تأثير؟ هذه الاسئلة ليست تشكيكا في المواطنين، وإنما هي اسئلة مشروعة تفرضها طبيعة العملية الانتخابية نفسها. إن نزاهة الانتخابات لا تبنى فقط بالقوانين، وإنما أيضا بالإجراءات التي تمنع الشك وتغلق أبواب التأويل. ولهذا فإنّنا نعتقد أن التصويت الشخصي، بحضور الناخب وإثبات هويته، يظل أكثر انسجاما مع روح المشاركة الديمقراطية من التصويت بالنيابة.

إن مغاربة العالم لا يطالبون بالمستحيل. إنهم يطالبون بأن يعاملوا كمواطنين كاملي الحقوق، وأن تتاح لهم الوسائل التي تمكنهم من ممارسة حقوقهم السياسية بصورة مباشرة وشفافة. ومن المؤسف أن يبقى النقاش، بعد سنوات طويلة، محصورا في كيفية التصويت بالوكالة، بينما ينبغي أن يكون النقاش الحقيقي حول كيفية إدماج مغاربة العالم بصورة كاملة في الحياة السياسية والمؤسساتية للمغرب. لقد تغير العالم، وتغيرت وسائل التواصل والإدارة والتكنولوجيا. وأصبح من الممكن تنظيم عمليات انتخابية أكثر دقة وشفافية مما كان متاحا في السابق. لذلك فإن الاستمرار في تقديم الوكالة كحل نهائي لا يبدو، في نظري، جوابا مقنعا على مطلب سياسي وطني عمره سنوات.
إننا نرفض التصويت بالوكالة كمواقف شخصية، ليس رفضا للمشاركة، وإنما رفضا لأن تكون الوكالة هي السقف الذي تنتهي عنده مشاركة مغاربة العالم. نحن نريد المشاركة، ولكن نريدها مباشرة، واضحة، شفافة، متساوية، ومضمونة قانونيا. نريد صناديق اقتراع، لا حلولا مؤقتة. نريد ممارسة للحق، لا مجرد ترتيبات إدارية. نريد مواطنة كاملة، لا مشاركة بالنيابة. ولذلك فإننا نوجه دعوتنا إلى مغاربة العالم بأن يستمروا في الدفاع عن حقهم في المشاركة السياسية، ولكن باسلوب مسؤول وسلمي وديمقراطي، وبخطاب وطني يضع مصلحة المغرب فوق كل اعتبار. وفي المقابل، فإننا ندعو الحكومة والمؤسسات المعنية إلى فتح نقاش جدي وشفاف مع مغاربة العالم، لا يقتصر على كيفية تدبير التصويت، وإنما يتجاوز ذلك إلى السؤال الاكبر: كيف يمكن أن نجعل من مغاربة العالم شريكا كاملا في الحياة السياسية والمؤسساتية للمملكة؟
إن الوطن الذي نريده جميعا هو وطن يتسع لكل ابنائه، داخل المغرب وخارجه. والديمقراطية التي نطمح إليها هي ديمقراطية لا تكتفي بإحصاء الاصوات، وإنما تحرص قبل ذلك على أن يشعر كل مواطن بأن صوته له قيمة، وأن إرادته محترمة، وأن مشاركته ليست منحة من أحد، بل حق اصيل لا ينتقص منه البعد الجغرافي. إن مغاربة العالم لا يريدون أن يصوت أحد نيابة عنهم؛ يريدون أن يصوتوا بأنفسهم. وهذا، في تقديرينا، ليس مطلبا فئويا، ولا امتيازا خاصا، ولا مواجهة مع الدولة؛ بل هو مطلب وطني مشروع، ينسجم مع روح المواطنة، ومع تطلع المغرب إلى ترسيخ مؤسسات ديمقراطية أكثر قوة ومصداقية. إن احترام المواطن يبدأ من احترام صوته. وصوت المواطن لا ينبغي أن يستعار. إنه أمانة شخصية، وإرادة شخصية، وحق شخصي. ومن هنا، فإنني أقولها بكل وضوح، وبكل احترام لمؤسسات بلدي: التصويت بالوكالة، في نظري، لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل ينبغي أن يكون مناسبة لفتح الطريق نحو مشاركة سياسية مباشرة وحقيقية لمغاربة العالم. فالمغرب الذي نطمح إليه لا يحتاج إلى حلول ترقيعية بقدر ما يحتاج إلى قرارات شجاعة تليق بمواطنه، أينما كان.
📲 Partager sur WhatsApp