بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في شبه الجزيرة الكورية، لا تحتاج الحرب إلى أن تبدأ كي تصبح حاضرة. يكفي أن تحرك واشنطن بعض وحداتها، وأن تفتح سيول خرائط المناورات، وأن تطلق بيونغ يانغ صاروخا في اتجاه البحر، حتى يعود شبح الحرب إلى مكانه القديم، جالسا بين الطاولات العسكرية مثل ضيف يعرف أنه لن يغادر. في 17 أغسطس، تبدأ الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مناورات «أولشي فريدوم شيلد»، في مشهد يتكرر كل عام، لكنه لا يتكرر بالمعنى نفسه. فالمناورات، التي تمتد أحد عشر يوما، وتشارك فيها قوات كورية جنوبية وأمريكية، لا تعني لواشنطن وسيول أكثر من رفع الجاهزية أمام تهديد قائم، بينما تقرأها بيونغ يانغ بوصفها بروفة مقنعة لحرب لم تبدأ بعد. وبين القراءتين تتشكل تلك المنطقة الرمادية التي كثيرا ما ولدت فيها الكوارث الكبرى: منطقة لا يعود فيها الدفاع دفاعا خالصا في عين الخصم، ولا يعود الردع منفصلا عن الاستفزاز.
لكن العبارة التي خرجت من بيونغ يانغ هذه المرة أكثر دلالة من الصاروخ نفسه. الحديث عن «مستوى جديد من الردع» ليس مجرد صياغة دعائية. إنه إعلان بأن كوريا الشمالية تريد إعادة تعريف المسافة التي تفصل التهديد عن الفعل، وإقناع خصومها بأن حدود ردها ليست ثابتة، وأن كل خطوة عسكرية يمكن أن تستدعي خطوة أخرى في سلم لا يعرف أحد أين ينتهي. في السياسة النووية، لا تكمن قوة السلاح في قدرته على التدمير فقط، بل في قدرته على احتلال خيال الخصم. الصاروخ الذي لا يسقط على مدينة قد يكون قد أدى مهمته السياسية كاملة إذا نجح في تغيير الحسابات داخل غرفة عمليات بعيدة. والتهديد الذي لا يتحول إلى حرب قد يكون، paradoxalement، أكثر فاعلية من الحرب نفسها، لأن الردع في جوهره ليس ممارسة القوة، بل جعل القوة حاضرة في ذهن الآخر قبل أن تضطر إلى الظهور على الأرض.
وهنا تبدو كوريا الشمالية أشبه بسرب من الزرازير، لا بطائر منفرد. فالزرزور، في ملاحظات القدماء عن عالم الطيور، كان جزءا من مشهد جماعي مذهل: سرب يتحرك كما لو أن له عقلا واحدا، يلتف فجأة، ينقسم، ثم يستعيد تماسكه دون قائد ظاهر. وفي الأدب اليوناني القديم، كان عالم الطيور مجالا واسعا لقراءة الخوف والحركة والفرار والجماعة. أما الجاحظ، فقد جعل من الحيوان مرآة للإنسان، ومن سلوكه مدخلا إلى فهم الحيلة والغريزة والتكيف والصراع من أجل البقاء. والزرزور، في هذه الصورة، لا يعلمنا كيف تطير الطيور فقط، بل كيف يمكن لجماعة كاملة أن تتصرف كأنها كائن واحد من دون أن تكون لها إرادة مركزية مرئية. وهذه إحدى نقاط القوة في السلوك الكوري الشمالي: ليس ضروريا أن يكون كل تهديد مقدمة لتنفيذه حتى يؤدي وظيفته. يكفي أن يجعل الطرف الآخر عاجزا عن معرفة أي تهديد يمكن تجاهله وأي تهديد يجب أخذه على محمل الجد. القوة هنا ليست في كثرة الكلمات، بل في إبقاء الخصم داخل منطقة من عدم اليقين. ذلك أن الردع الحقيقي لا يسكن الصاروخ. يسكن في المسافة النفسية التي يتركها الصاروخ خلفه.

من هنا يصبح المشهد أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة بين دولة نووية وتحالف عسكري. واشنطن وسيول تقولان: نحن نتدرب كي لا تقع الحرب. بيونغ يانغ تقول: أنتم تتدربون لأنكم تستعدون للحرب. وكل طرف يجد في سلوك الآخر الدليل الذي يحتاج إليه لتبرير سلوكه التالي. هذه هي المعضلة الأمنية في أكثر صورها نقاء: دولة تزيد قدراتها لأنها تخشى خصمها، فيقرأ الخصم هذه الزيادة باعتبارها دليلا على نية هجومية، فيزيد بدوره من قدراته، فتعود الدولة الأولى إلى النقطة التي بدأت منها ولكن بقلق أكبر وسلاح أكثر. وهكذا يتحول الأمن إلى آلة تنتج الخوف الذي يفترض أن تمنعه. الصاروخ الكوري الشمالي الذي يقطع مئات الكيلومترات فوق البحر لا ينتهي في البحر تماما. بعضه يبقى في غرف القيادة، وبعضه يستقر في تصريحات الوزراء، وبعضه يدخل إلى الصحف، وبعضه يستقر في الحسابات السرية للجنرالات. إنه برقية مكتوبة بالنار، لكنها لا تحمل عنوانا واحدا. قد تكون موجهة إلى سيول، أو واشنطن، أو طوكيو، أو حتى إلى الداخل الكوري الشمالي نفسه.
فالدولة التي تعيش منذ عقود تحت منطق الحصار تحتاج أيضا إلى أن تثبت لشعبها أنها ليست ضحية عاجزة، وأن العزلة لم تحولها إلى كائن ينتظر الضربة. لذلك يمتزج الردع الخارجي بالتعبئة الداخلية، ويتحول السلاح إلى لغة سياسية موجهة في اتجاهين: إلى العدو، وإلى الداخل. وهنا تظهر براعة أخرى في الحساب الكوري الشمالي. بيونغ يانغ لا تتعامل مع المناورات العسكرية بوصفها حدثا عسكريا فحسب، بل بوصفها مادة سياسية قابلة لإعادة التصنيع. التدريب الأمريكي الكوري يتحول إلى حجة، والحجة تتحول إلى تهديد، والتهديد يتحول إلى تجربة صاروخية، والتجربة تتحول إلى مبرر جديد للجاهزية لدى الطرف المقابل. إنها دائرة لا يحتاج أي طرف فيها إلى أن يريد الحرب كي تزداد احتمالاتها.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الدائرة لم تعد محصورة في شبه الجزيرة. الحرب في أوكرانيا غيرت معنى الخبرة العسكرية الحديثة، وكوريا الشمالية لم تعد تراقب ذلك التحول من مقعد المتفرج. علاقتها المتنامية بروسيا فتحت أمامها نافذة على حرب تكشف، يوما بعد يوم، أهمية المسيرات، والحرب الإلكترونية، والتشويش، والضربات بعيدة المدى، والقدرة على تعويض الخسائر، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد تحت الضغط. وفي الجهة الأخرى، تتعلم الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من الحرب نفسها. كأن الجميع في شرق آسيا يقرأ الكتاب ذاته، لكن كل دولة تضع إصبعها على صفحة مختلفة. وهنا لا تعود المناورات مجرد تمرين عسكري تقليدي. إنها اختبار لقدرة التحالفات على التكيف مع شكل جديد من الحرب، وفي الوقت نفسه رسالة إلى خصم يتعلم بدوره. ولذلك فإن ما يجري ليس سباقا بسيطا في عدد الصواريخ أو الجنود، بل سباق في سرعة التعلم.
وهذه ربما أخطر طبقات المشهد. فالخطر لا يأتي دائما من الطرف الأقوى، بل أحيانا من الطرف الذي يتعلم بسرعة. كما أن كوريا الشمالية لم تعد تتحرك في فراغ استراتيجي. اليابان تراقب المشهد بقلق متزايد، والعلاقة بين بيونغ يانغ وموسكو تضيف بعدا جديدا إلى الحسابات، فيما تبقى الصين عاملا لا يمكن تجاهله في أي معادلة أمنية تخص شرق آسيا. وهكذا تتحول شبه الجزيرة الكورية من جرح تاريخي إلى عقدة في نظام دولي يعاد تشكيله أمام أعيننا. كان الانقسام الكوري في الماضي مرآة للحرب الباردة. أما اليوم، فقد أصبح مرآة لعالم تتكاثر فيه مراكز القوة، وتتقاطع فيه النزاعات، وتتشابك فيه الجبهات البعيدة. ولهذا فإن حادثا صغيرا في شبه الجزيرة قد لا يبقى صغيرا إذا وقع في لحظة دولية سيئة. ليس ضروريا أن يبدأ أحد الحرب عمدا. يكفي أن يخطئ أحدهم في قراءة نية الآخر. وهنا تحديدا ينبغي مقاومة الإغراء الصحفي السهل الذي يحول كل تهديد كوري شمالي إلى مقدمة لحرب وشيكة. الدولة النووية التي تعرف حدود القوة التقليدية لخصومها، وتعرف في الوقت نفسه حدود قدرتها على تحمل حرب شاملة، قد تكون أكثر ميلا إلى استخدام الغموض من استخدامها الحرب نفسها. إنها تحتاج إلى أن تبدو خطرة كي لا تضطر إلى إثبات مدى خطورتها.
وهذه هي المفارقة المريرة للردع النووي: كلما نجح السلاح في منع الحرب، احتاج صاحبه إلى التذكير به أكثر. وكلما كرر التذكير، اعتاد الخصم على التهديد، فيرفع صاحبه السقف من جديد حتى يستعيد التهديد قدرته على إحداث الصدمة. في مكان ما بين هذه الدورات يختفي الخط الفاصل بين الردع والاستفزاز. وهذا هو المكان الذي يصبح فيه «المستوى الجديد من الردع» عبارة شديدة الخطورة. فهي لا تعلن الحرب، لكنها لا تطمئن أحدا أيضا. إنها تقول، في جوهرها: لا تفترضوا أنكم تعرفون الحد الذي لن نتجاوزه. إنها سياسة الغموض بوصفها سلاحا. لكن الغموض، حين يدخل المجال النووي، يحمل مشكلة جوهرية: قوته تأتي من عدم وضوحه، وخطره يأتي من الشيء نفسه. قد يكون الجميع عقلانيا. وهذا لا يعني أن النتيجة ستكون عقلانية. سيول تحتاج إلى أن تكون مستعدة. واشنطن تحتاج إلى طمأنة حليفها. بيونغ يانغ تحتاج إلى ردع خصومها. طوكيو تحتاج إلى التحوط. موسكو تحتاج إلى شركاء. وكل قرار، إذا عزلناه عن السياق، يمكن تفسيره باعتباره منطقيا. لكن القرارات العقلانية حين تتراكم فوق بعضها قد تنتج منظومة شديدة اللاعقلانية. وهنا تكمن المأساة الكورية الحقيقية: قد يكون الجميع محقا في الحساب الصغير، بينما يكون الجميع مخطئا في اتجاه الحركة الكبرى.
لهذا يعود الزرزور إلى المشهد. السرب لا يحتاج إلى قائد ظاهر كي يغير اتجاهه. يكفي أن يشعر كل طائر بحركة الطائر الأقرب إليه. حركة صغيرة تنتقل إلى الجسد التالي، ثم إلى التالي، وفي لحظات يصبح السماء كلها كائنا واحدا يتحرك بسرعة مذهلة. لكن لا أحد داخل السرب يملك، بالضرورة، صورة كاملة عن وجهته. وهذا هو أكثر ما يخيف في السياسة النووية. كل طرف يراقب جناح الطرف الآخر. كل طرف يفسر الحركة القريبة. كل طرف يعدل سرعته. ثم تتحرك السماء كلها. قد تبدو الحركة من بعيد عبقرية. لكن العبقرية الجماعية لا تعني دائما أن السرب يعرف إلى أين يذهب. والردع في شبه الجزيرة الكورية يشبه بابا ثقيلا بين قوتين تنظر كل منهما إلى الأخرى عبر شق ضيق. كل طرف يضرب الباب بين حين وآخر ليتأكد أنه ما زال مغلقا. وكل ضربة تبدو له ضرورية. لكن المشكلة أن كثرة الطرق على الباب قد تجعل الطرف الآخر يعتقد أن الباب على وشك أن ينهار. هنا لا تعود المسألة سؤالا عن من يريد الحرب. السؤال الأكثر رعبا هو: من سيخطئ أولا في تفسير الصوت؟ ففي عصر السلاح النووي، قد لا تحتاج الكارثة إلى مجنون. قد يكفيها محلل أخطأ في قراءة نية خصمه، أو قائد بالغ في الثقة، أو إنذار كاذب، أو لحظة خوف تحولت إلى قرار. وحينها لن يكون الزرزور الذي يغير اتجاهه في السماء استعارة للذكاء الجماعي فقط. سيصبح نذيرا بالسؤال الذي يطارد السياسة منذ اختراع السلاح النووي: هل تستطيع الكائنات العاقلة أن تظل عاقلة وهي تخاف؟
📲 Partager sur WhatsApp