مضيق هرمز: الاقتصاد حصار بلا أسوار

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

. أحيانا, يكفي أن تتغير حركة سفينة في مضيق ضيق، أو أن ترتفع نبرة وزير في واشنطن، حتى يشعر العالم كله بأن شيئا ما انكسر في النظام الذي كان يبدو مستقرا قبل ساعات. ما أعلنته واشنطن هذه المرة لا يبدو مجرد جولة جديدة من العقوبات على إيران، بل محاولة لإعادة تعريف الحرب نفسها. فسكوت بيسنت لا يتحدث عن عقوبة مالية محدودة، وإنما عن عزل اقتصادي لم يشهد العالم مثيلا له، مقترنا باستمرار الحصار على مضيق هرمز. ومن هنا تكمن خطورة التحول: الولايات المتحدة لا تحاول فقط خنق الاقتصاد الإيراني، بل تسعى إلى الإمساك بالعقدة التي يمر عبرها جزء حاسم من الدورة النفطية العالمية. إن واشنطن التي كانت تتحدث قبل أيام عن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب لإعادة فتح المضيق، تبدو اليوم وكأنها انتقلت من منطق التفاوض على الباب إلى منطق الوقوف أمام الباب ومصادرة المفتاح. وهذه ليست مجرد قسوة في الخطاب. إنها إشارة إلى أن الحسابات تغيرت.

في الجغرافيا السياسية، هناك صحارى لا تعني شيئا، وجزر لا تكاد ترى على الخريطة، وممرات مائية تبدو كشقوق زرقاء ضئيلة، لكنها تستطيع أن تهز اقتصادات القارات. مضيق هرمز واحد من هذه الأمكنة. هو ليس مجرد ممر بحري بين إيران وسلطنة عمان، بل نقطة اختناق في الجهاز الدوري للطاقة العالمية. ولذلك فإن السيطرة الفعلية على حركة السفن فيه لا تعني امتلاك البحر فحسب، بل امتلاك القدرة على تحويل سعر البرميل إلى رسالة سياسية، والتأمين البحري إلى أداة ضغط، وسلاسل الإمداد إلى رهائن صامتة. ولهذا تبدو الأزمة الحالية كأنها لعبة شطرنج جرى نقلها من الرقعة إلى المحيط. كل قطعة تتحرك، لكن ثمن الحركة لا يدفعه اللاعبان وحدهما. حين يضيق المضيق، يتسع القلق. وحين يتوقف النفط عن الحركة الطبيعية، تبدأ الأسواق في اختراع الخوف قبل أن ينقصها البرميل فعليا.

والمثير في التصعيد الحالي أن واشنطن تبدو وكأنها تنقل مركز الثقل من القوة النارية إلى القوة المالية. الحرب الحديثة لا تحتاج دائما إلى تدمير مدينة كي تؤلم دولة. يكفي أحيانا أن تجعل البنوك تخاف، وشركات التأمين ترتجف، والسفن تتردد، والمشترين يعيدون حساباتهم، والمستثمرين يضعون أموالهم في مكان آخر. هنا تصبح العقوبة الاقتصادية أشبه بضباب لا يمكن الإمساك به. لا جبهة واضحة لها، ولا ساعة تبدأ فيها المعركة وتنتهي. إنها تتسلل إلى الموانئ والمصارف وشركات الشحن ومكاتب التأمين والعقود النفطية. وهذا هو جوهر القوة المالية الأمريكية: ليست في حجم العقوبة وحده، بل في قدرتها على جعل أطراف ثالثة تشارك في تنفيذها، حتى من دون أن تطلب منها واشنطن صراحة أن تصبح جزءا من الحرب.

الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مطاردة كل سفينة في العالم. يكفي أن تجعل مالك السفينة يتساءل: هل تستحق هذه الرحلة المخاطرة؟ وحين يصبح السؤال نفسه مكلفا، تبدأ التجارة في الاختناق. لكن التاريخ لا يحب الحصارات الطويلة. العقوبات تستطيع أن تخفض قدرة الخصم، لكنها لا تضمن بالضرورة انكساره السياسي. التاريخ مليء بالدول التي تحملت عقوبات طويلة، وطورت اقتصاديات ظل، وشبكات تهريب، وقنوات مالية بديلة، وتحالفات غير رسمية، وطرقا جديدة لتدوير تجارتها. بل إن الضغط الشديد قد ينتج أحيانا نتيجة عكسية: بدل أن يدفع المجتمع المحاصر إلى إسقاط قيادته، قد يدفعه إلى الالتفاف حولها، خصوصا عندما تنجح السلطة في تحويل الصراع من سؤال داخلي عن الحكم والاقتصاد إلى سؤال خارجي عن السيادة والبقاء. وهنا تكمن معضلة واشنطن الحقيقية. كيف تخنق إيران اقتصاديا من دون أن تحول الحصار نفسه إلى وقود قومي؟ كيف تمنع طهران من تصدير النفط من دون أن تجعل بقية العالم يشعر بأن الاقتصاد العالمي صار رهينة للصراع الأمريكي الإيراني؟ وكيف تفرض حصارا بحريا من دون أن يتحول المضيق إلى مسرح لمواجهة عسكرية أكبر من قدرة الطرفين على ضبطها؟ هذه ليست أسئلة عسكرية فقط. إنها أسئلة في هندسة القوة.

لكن من الخطأ قراءة المشهد باعتباره انتصارا إيرانيا لمجرد أن طهران تملك قدرة على التأثير في حركة هرمز. المضيق ورقة استراتيجية، لكنه ورقة قابلة للاستهلاك. كل يوم يبقى فيه مغلقا أو مضطربا يرفع كلفة الأزمة على الجميع، بما في ذلك إيران. وكلما طال الزمن، زادت الضغوط على الاقتصاد الإيراني، واتسعت الحاجة إلى بدائل للنقل والطاقة، وارتفعت مخاطر أن يتحول سلاح المضيق من ورقة تفاوضية إلى عبء استراتيجي. إنها مفارقة قاسية: من يملك المفتاح قد يملك الباب، لكنه لا يملك بالضرورة البيت. وفي الطرف الآخر من الطاولة، ليست الولايات المتحدة حرة تماما. الإدارة الأمريكية تواجه سؤالا داخليا شديد الحساسية: أسعار الوقود. وقد أشار نائب الرئيس جي دي فانس إلى أن خفض أسعار النفط والبنزين بالنسبة للمستهلك الأمريكي بات أولوية أساسية في الحسابات المتعلقة بالحرب، بينما تراجع الملف النووي في سلم الأولويات. وهذا التحول بالغ الدلالة. فالحروب لا تنتهي دائما عندما يحقق الجيش أهدافه، بل عندما تصبح كلفة استمرارها أكبر من كلفة التراجع عنها. قد تكون واشنطن قادرة عسكريا على مواصلة الضغط، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بشرح فاتورة البنزين للمواطن الأمريكي، وتهدئة الأسواق، ومنع التضخم، والحفاظ على ثقة المستثمرين.

إن القوة العظمى لا تعيش خارج الاقتصاد الذي تحاول إدارة العالم من خلاله. وهنا تكمن مفارقة العصر الأمريكي: الدولة التي تستطيع تجميد حسابات مصرفية في قارة بعيدة قد تجد نفسها عاجزة عن تجميد أثر ارتفاع سعر الوقود في عقل الناخب. وما يحدث حول هرمز يكشف شيئا أعمق من مجرد خلاف بين واشنطن وطهران. إنه يكشف أن الاقتصاد العالمي الحديث شديد الترابط إلى درجة تجعل الجغرافيا الصغيرة قادرة على صناعة أزمة كبرى. في القرن التاسع عشر كانت القوة تقاس بالأساطيل والمستعمرات. وفي القرن العشرين أضيفت إليها الطائرات والصواريخ والأسلحة النووية. أما في القرن الحادي والعشرين فقد ظهرت قوة أكثر هدوءا: القدرة على التحكم في حركة المال، والبيانات، والتأمين، والطاقة، وسلاسل الإمداد. الحصار المعاصر قد لا يشبه حصارات القرون الماضية. لا أسوار حول مدينة. لا جنود على كل طريق. هناك فقط شبكة عالمية من المصارف والخوادم والعقود والتراخيص وشركات الشحن، يمكن تحويلها في لحظة إلى متاهة لا يجد الخصم فيها مخرجا.

وهذا ما يجعل المعركة الحالية شديدة الحداثة وشديدة البدائية في الوقت نفسه: التكنولوجيا تغير الأدوات، لكن الهدف القديم باق، وهو جعل الخصم يشعر بأن العالم قد ضاق من حوله. والخطر الحقيقي ليس في الإغلاق وحده. الخطر الأكبر أن يصبح الإغلاق وضعا دائما. عندها لن نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن إعادة رسم للخريطة الاقتصادية للطاقة. ستبحث الدول عن خطوط أنابيب بديلة، وموانئ جديدة، ومخزونات أكبر، ومصادر طاقة مختلفة. وستتعلم الأسواق، كما تتعلم الكائنات تحت الضغط، كيف تعيد تشكيل نفسها. لكن هذا التكيف لن يكون مجانيا. كل بديل سيحمل ثمنا. وكل طريق جديد سيحتاج إلى سنوات واستثمارات وبنى تحتية وتحالفات جديدة. وهكذا يمكن لمضيق واحد أن يخلق إعادة ترتيب بطيئة في النظام الاقتصادي العالمي، تماما كما يمكن لحجر صغير أن يسقط في بحيرة ثم يظل يرسل دوائره إلى أطراف لا ترى الحجر أصلا. وربما تكون المفارقة الأكثر إثارة أن التصعيد الحالي، رغم قسوته، قد يعيد الدبلوماسية إلى الواجهة في لحظة لاحقة. فكلما ارتفعت كلفة الحصار، أصبح الاتفاق أكثر قيمة. وكلما اكتشفت واشنطن أن الخنق الكامل مكلف، واكتشفت طهران أن إغلاق المضيق ليس بلا ثمن، قد يبدأ البحث عن مخرج لا يشبه الاستسلام ولا يشبه الانتصار.

التاريخ لا يمنح الدول عادة انتصارات كاملة. إنه يمنحها مخارج. وقد يكون السؤال الحقيقي في الأزمة الحالية ليس: من سيربح؟ بل: من سيتمكن من اختراع رواية تجعل التراجع يبدو نصرا؟ هذه هي العبقرية الأخيرة في السياسة الدولية: ليس أن تجعل خصمك يركع، بل أن تمنحه سببا كي يقف من جديد من دون أن يعترف بأنه خسر. هرمز اليوم ليس مجرد مضيق. إنه مرآة تعكس نظاما دوليا يتغير تحت الضغط. أمريكا تختبر حدود العقوبات والحصار. إيران تختبر حدود قدرتها على استخدام الجغرافيا كسلاح. الأسواق تختبر قدرتها على امتصاص الصدمات. وحلفاء الطرفين يكتشفون أن الولاء الجيوسياسي شيء، والنجاة الاقتصادية شيء آخر. وفي عمق كل ذلك سؤال واحد يطل مثل شبح قديم من تحت أنقاض القرن العشرين: هل تستطيع القوة العظمى أن تخنق خصمها من دون أن تخنق جزءا من العالم معها؟ قد تستطيع واشنطن إغلاق أبواب كثيرة في وجه طهران. وقد تستطيع إيران أن تجعل أبواب الطاقة العالمية تضيق. لكن التاريخ أكثر تعقيدا من أن يسمح لطرف واحد بامتلاك الخاتمة. ففي السياسة الدولية، لا توجد يد تمسك بالخنجر من دون أن تشعر ببرودة نصله. ومضيق هرمز، ذلك الشريط المائي الضيق الذي يبدو على الخريطة كأنه مجرد خط بين ضفتين، قد يكون اليوم أكبر من حجمه الجغرافي بكثير: إنه المكان الذي يختبر فيه العالم، مرة أخرى، حدود القوة، وحدود الاقتصاد، وحدود الغطرسة، وحدود قدرة الدول على اللعب بالنار من دون أن تكتشف متأخرة أن الريح لا تعترف بمن أشعلها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *