بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك حدود تفصل بين دولتين، وحدود أخرى تفصل بين واقعين.وفي مضيق جبل طارق، حيث لا تبدو المسافة بين إفريقيا وأوروبا سوى شريط مائي يلمع تحت الشمس، تتكاثف اليوم طبقة جديدة من الحدود: حدود لا ترسمها الأسلاك ولا أبراج المراقبة، بل ترسمها الشاشات. ما جرى في سبتة في أواخر يوليو لم يكن مجرد حركة بشرية هائلة باتجاه جيب إسباني. كانت هناك، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، إشاعة رقمية واسعة ساهمت في دفع عشرات الآلاف إلى محاولة العبور، ثم عاد نداء جديد للانتشار بشأن 15 أغسطس، محملا بعلامات تثير الشك حول وجود حسابات زائفة وحملات تضليل منظمة. وهنا يظهر مصطلح يبدو للوهلة الأولى غريبا على قاموس الهجرة: الاستروترفنغ. لكن المصطلح الغريب يخفي وراءه فكرة بالغة القدم: أن تجعل صوتا مصنوعا يبدو كأنه صوت الناس. أن تصنع جمهورا قبل أن يوجد الجمهور. أن تزرع في الأرض البلاستيكية زهرا، ثم تقنع العابرين بأن الربيع قد وصل. هذا هو جوهر الاستروترفنغ. إنه ليس مجرد نشر معلومة كاذبة. إنه صناعة انطباع بأن هناك “حركة شعبية” قائمة بذاتها، بينما تكون بعض الأصوات التي تصنع هذا الانطباع وهمية أو منسقة أو مدفوعة من جهة لا تظهر في الصورة.
في السياسة، يشبه الأمر بناء واجهة من البشر المصطنعين أمام مرآة كبيرة، ثم مطالبة العالم بالنظر إلى المرآة والتصديق بأن ما يراه هو الشارع. والأخطر أن الهجرة ليست موضوعا عاديا يمكن اللعب به دون عواقب. الهجرة جسم بشري. إنها جوع وخوف وأمل وذاكرة وحدود. حين تنتشر شائعة عن عبور قريب، فإنها لا تبقى داخل الشاشة. يمكن أن تتحول إلى حركة أقدام، ثم إلى تدافع، ثم إلى مواجهة، ثم إلى أزمة دبلوماسية. وهنا تتغير طبيعة التضليل. لم تعد المسألة “معلومات خاطئة” بالمعنى البسيط. إنها معلومات تستطيع أن تحرك أجسادا. وهذا هو الفارق بين الشائعة القديمة والشائعة الجيوسياسية الجديدة. الشائعة القديمة كانت تنتقل بين الناس. أما الشائعة الرقمية، فقد تستطيع أن تدفع الناس. تضغط على الشاشة، فيتحرك الشارع. تكتب جملة، فيرتفع البحر. وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في عصر الشبكات: أصبح من الممكن أحيانا أن يصنع شخص غير مرئي حركة مرئية للغاية.

من هنا، فإن الحسابات التي تظهر فجأة، بأسماء مجهولة، وملامح غامضة، وحضور رقمي كثيف، ليست مجرد تفصيل تقني. إذا ثبت أنها جزء من حملة منظمة، فإنها تمثل شكلا من أشكال الحرب الناعمة التي تستهدف نقطة شديدة الحساسية: قدرة المجتمع على اتخاذ قرار بناء على واقع حقيقي. فالاستروترفنغ لا يقول للناس دائما: “افعلوا هذا”. إنه أكثر ذكاء من ذلك. يقول لهم: “انظروا، الجميع يفعل ذلك.” والفرق هائل. في الأولى،يتلقى الشخص أمرا. في الثانية، يتلقى وهما عن رأي جماعي. وهذا الوهم قد يكون أكثر قوة من الأمر نفسه، لأن الإنسان يميل إلى اللحاق بالجماعة حين يعتقد أن الجماعة قد تحركت. هكذا يصبح الحساب المزيف مثل مرآة كاذبة. لا يخبرنا بما ينبغي أن تفعله. بل يخبرنا بما يفعله الآخرون. وهنا تكمن قوة التقنية. إنها تستثمر في غريزة قديمة قدم القبيلة: إذا ركض الجميع، فهناك شيء يستحق الهرب أو المطاردة. لكن العالم الرقمي يستطيع الآن أن يصنع “الجميع” من لا شيء. يمكن أن ينشئ عشرات الحسابات، ويجعلها تتبادل المحتوى، وتضع الأعلام، وتنشر الادعاءات، وتحيل إلى مجموعات، ثم تترك للمستخدم الحقيقي مهمة إكمال الوهم. وهكذا يصبح الإنسان الحقيقي جزءا من مسرح لم يدرك أنه بني من أجله.
إن أخطر شيء في الاستروترفنغ ليس الحساب المزيف. إنه الحساب الحقيقي الذي يصدقه. عند هذه النقطة تنتقل الحيلة من عالم الآلة إلى عالم البشر. الآلة تصنع الشرارة. الناس يصنعون الحريق. وفي حالة سبتة، تزداد حساسية المشهد بسبب الجغرافيا نفسها. سبتة ليست مدينة حدودية عادية. إنها عقدة جيوسياسية معلقة بين قارتين، ومجال شديد الحساسية في العلاقة بين المغرب وإسبانيا، وممر رمزي تتقاطع فيه قضايا الهجرة والأمن والسيادة والاتحاد الأوروبي والحدود المتوسطية. كل موجة بشرية عند هذا السياج تحمل معها أكثر من قصة فردية. إنها تدخل، ولو رغما عنها، في حسابات الدول. وهذا ما يجعل التضليل حول الهجرة مختلفا عن التضليل حول موضوعات أخرى. حين ينجح أحدهم في تضخيم توقعات عبور جماعي، فهو لا يتلاعب بالرأي العام فقط. قد يكون يتلاعب بتوقيت الدولة. يجبر الشرطة على الاستعداد. يرفع حالة التأهب. يخلق صورا يمكن أن تنتشر عالميا. يضغط على الحكومة. ويمنح السردية السياسية مادة جاهزة. وهنا يصبح المهاجر، من حيث لا يدري، قطعة شطرنج في لعبة لا يرى رقعتها.
وهذه ربما هي أكثر مفارقات الجغرافيا السياسية قسوة: أن الإنسان الذي يهرب من الفقر أو الخوف أو اليأس قد يجد نفسه فجأة داخل معركة معلوماتية لم يخترها. إنه يظن أنه يتجه نحو أوروبا. لكن قد يكون هناك من يدفعه نحو صورة عن أوروبا. وقد يظن أنه يتبع موعدا. بينما هو في الحقيقة يتبع خوارزمية. والخوارزمية لا تهتم إن كان البحر هادئا أو مضطربا. لا تهتم إن كان السياج آمنا أو خطيرا. ولا تعرف اسم الأم التي تنتظر ابنها. إنها تعرف شيئا واحدا: ما الذي يجعل الناس ينقرون. وهذا هو التحول الخطير في هندسة التأثير. في الماضي، كانت الدولة تحتاج إلى إذاعة، وصحيفة، وميكروفون، وميزانية. اليوم، قد يكفي هاتف وعدة حسابات وبعض الصبر. لم يعد من الضروري أن تصرخ فوق الجماهير. يكفي أن تجعل الجماهير تصرخ نيابة عنك. هذه هي الحرب الجديدة: حرب لا تضع جنودها في الواجهة. إنها تضعهم في خوارزمية. ولا يعني ذلك أن كل حساب مجهول مؤامرة، ولا أن كل دعوة رقمية يقف خلفها جهاز استخبارات أو حكومة. هذا الاستنتاج سيكون هو نفسه شكلا من أشكال التضليل. لكن حين تتكرر مؤشرات الحسابات الاصطناعية، وحين تظهر في وقت واحد، وحين تنقل روايات متشابهة، وحين تقود المستخدمين نحو قنوات تنظم سلوكا في العالم الحقيقي، فإن من الحكمة التعامل معها بوصفها ظاهرة تستحق التحقيق، لا مجرد ضجيج عابر. فالتحليل الجيوسياسي الناضج لا يبدأ باليقين. يبدأ بالشك المنهجي.
ومن هنا يجب أن نقرأ أزمة سبتة لا بوصفها قصة عن “المهاجرين” فقط، ولا بوصفها قصة عن “حسابات مزيفة” فقط. بل بوصفها قصة عن انهيار المسافة بين المعلومة والفعل. حين تصبح المعلومة قادرة على تحريك عشرة آلاف شخص، تصبح المعلومة نفسها جزءا من البنية المادية للحدود. وهنا ندخل مرحلة جديدة من السياسة الدولية. الحدود لم تعد فقط خطوطا على الأرض. إنها أيضا خوارزميات. والموانئ لم تعد فقط بوابات حديدية. إنها غرف معلومات. والهجرة لم تعد فقط حركة بشرية. إنها أيضا حركة سرديات. قد تبدأ الحكاية بصورة. ثم تصبح منشورا. ثم تصبح مجموعة. ثم تصبح موعدا. ثم تصبح حشدا. ثم تتحول إلى أزمة. وبين المرحلة الأولى والأخيرة قد لا يكون هناك سوى هاتف في يد شخص مجهول. لهذا، فإن الدفاع عن الحدود في القرن الحادي والعشرين لن يكون دفاعا عن الأسلاك وحدها. سيكون دفاعا عن الحقيقة أيضا. لأن الحدود يمكن أن تخترق قبل أن يصل إليها أي شخص.يمكن اختراقها في الخيال. في التوقع. في الشائعة. في الصورة. وفي تلك الجملة الصغيرة التي تقول: “الجميع سيذهبون غدا.” ربما يكون السؤال الأكثر أهمية، في نهاية هذه القصة، ليس: من صنع الحسابات؟ بل: لماذا أصبح الناس مستعدين لتصديقها؟
فالاستروترفنغ لا ينجح في مجتمع واثق من مصادره، ومعتاد على التحقق، ومحصن بالتعليم الإعلامي. إنه ينجح حيث توجد أرض رخوة من القلق. وحيث تصبح الحاجة إلى الأمل أسرع من القدرة على التحقق. وحيث يكون الإنسان مستعدا لتصديق أي نافذة تبدو وكأنها تؤدي إلى عالم آخر. وهنا تصبح المأساة مزدوجة. هناك من قد يصنع الوهم. وهناك من يركض نحوه. وبينهما يقف البحر. البحر الذي لا يقرأ المنشورات. ولا يعرف الخوارزميات. ولا يفهم معنى “الترند”. البحر يعرف فقط قانونا قديما لا يتغير: من يدخله دون معرفة، قد لا يعود. لهذا فإن أخطر ما في الحرب المعلوماتية الحديثة ليس أنها تستطيع أن تكذب علينا. بل أنها تستطيع أن تجعل الكذبة تتحول إلى حركة بشرية. وحين تتحول الكذبة إلى أقدام، تصبح السياسة جسدا. وحين تصبح السياسة جسدا، قد يصبح الخطأ مأساة. سبتة ليست فقط سياجا بين إفريقيا وأوروبا. إنها، في هذه اللحظة، مختبر صغير للمستقبل. مختبر نرى فيه كيف يمكن لحسابات بلا وجوه أن تصنع جمهورا بوجوه حقيقية. وهذا هو الوجه الأكثر غرابة لعصرنا: قد لا تحتاج الجيوسياسة القادمة إلى جيوش كثيرة. قد تحتاج فقط إلى جمهور يعتقد أنه جاء بمحض إرادته.
📲 Partager sur WhatsApp