بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست أخطر السرقات تلك التي تخرج من خزينة الدولة، بل تلك التي تخرج من خزائنها الرقمية وهي تحمل معها شيئا من حياة المواطنين. فالمال يمكن تجميده، والبطاقة يمكن إلغاؤها، والحساب يمكن إغلاقه، أما الهوية فلا يمكن استبدالها كما تستبدل بطاقة مصرفية. حين تتسرب بيانات المواطن، لا يخرج اللص من الباب وفي يده نقود، بل يخرج وفي جيبه ظل انسان كامل. الهجوم السيبراني الذي طال بيانات مرتبطة بالإدارة الضريبية الفرنسية، والذي تحدثت المعطيات المنشورة عن نحو 700 ألف شخص، ليس مجرد واقعة تقنية تنتظر محققي الشرطة والخبراء الرقميين. إنه امتحان سياسي للعلاقة بين الدولة والمواطن. فالذي يسلم الدولة بياناته الضريبية لا يفعل ذلك طوعا في سوق خاص، وإنما امتثالا للقانون. الدولة تطلب أن تعرف دخله وممتلكاته ووضعه الإداري لأنها تملك سلطة القانون. ولذلك فإن لها، في المقابل، واجبا لا يقل قوة: أن تحرس هذه المعرفة كما تحرس حدودها.
هنا ينبغي أن يتغير السؤال. لا يكفي أن نسأل: كيف اخترق القراصنة النظام؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: لماذا كانت البيانات قابلة لأن تصبح غنيمة؟ وهل جمعت الدولة ما تحتاجه فعلا، أم ما تستطيع التكنولوجيا جمعه؟ وهل فصلت الأنظمة بحيث لا يؤدي سقوط باب واحد إلى فتح القصر كله؟ وهل كانت صلاحيات الوصول محدودة؟ وهل كانت المراقبة والإنذار والاستجابة بالسرعة التي تليق بحجم الخطر؟ الأمن السيبراني لم يعد شأنا تقنيا خلف أبواب غرف الخوادم. لقد أصبح جزءا من الأمن القومي ومن صميم العقد الديمقراطي. الدولة الحديثة تعرف المواطن أكثر من أي دولة عرفها التاريخ: تعرف عنوانه، دخله، حساباته، ملكيته، معاملاته، ملفه الإداري، وأحيانا تفاصيل لا يعرفها عنه أقرب الناس إليه. وكلما اتسعت قدرة الدولة على المعرفة، اتسعت معها مسؤوليتها عن الحماية.

والخطأ السياسي الفادح هو أن يتحول المواطن، بعد الاختراق، إلى موظف أمن مجاني. يقال له: غيّر كلمة المرور، راقب حسابك، احذر الرسائل، لا تضغط على الروابط، فعّل المصادقة المتعددة. كل ذلك صحيح، لكنه لا يعفي المؤسسة التي جمعت البيانات من مسؤوليتها. لا يمكن مطالبة مواطن عادي بأن يعوض بجملة من الاحتياطات الفردية عن منظومة أمنية كان يفترض أن تحميه من الأصل. ثم إن البيانات المسروقة لا تبقى بيانات. إنها تتحول إلى مفاتيح. اسم وعنوان ومعلومة ضريبية قد تكفي لصناعة رسالة احتيالية شديدة الإقناع. يعرف المحتال عن الضحية ما يكفي لكي يتحدث إليها بلهجة رسمية، ثم يطلب منها المعلومة التي تنقصه. وهكذا ينتقل الهجوم من الخادم إلى النفس البشرية. القرصان لا يكسر الباب دائما؛ أحيانا يقنع صاحب البيت بأن يفتحه له.
لهذا فإن حقوق الضحايا يجب أن تكون في قلب الاستجابة، لا في هامش البيان الرسمي. للضحية الحق في أن تعرف ما الذي حدث، وما البيانات التي تأثرت، وما المخاطر الواقعية، وما الإجراءات التي اتخذتها الدولة، وكيف تحمي نفسها، وإلى أين تلجأ إذا تعرضت لمحاولة احتيال أو انتحال هوية. ولها أيضا الحق في ألا تتحول إلى متهم دائم يثبت أنه ليس الشخص الذي انتحل اسمه. كما أن الدولة مطالبة بالشفافية. فالسكوت في زمن الاختراق ليس دائما حماية للمؤسسة؛ قد يكون خدمة للقراصنة. إذا لم تخبر الدولة المواطن بما ينبغي أن يخشاه، فسوف يخبره المحتال، ولكن بنصف حقيقة تكفي لسرقة النصف الآخر من حياته. ولا ينبغي أن تنتهي المسؤولية عند فتح التحقيق. التحقيق ضرورة، وملاحقة الجناة واجب، لكنهما لا يمثلان خاتمة القصة. ينبغي أن يعقب الحادث تدقيق مستقل في البنية الأمنية، وتقييم حقيقي لسياسات جمع البيانات والاحتفاظ بها، ومراجعة لصلاحيات الوصول، واختبارات اختراق جادة، وخطط استجابة معلنة، وآليات واضحة لمساندة الضحايا وتعويضهم عندما يثبت أن تقصيرا مؤسسيا تسبب في أضرار فعلية.

لقد كانت الدولة القديمة تحرس الحدود بالجندي والسور. أما الدولة الرقمية فعليها أن تحرس الحدود الجديدة: بيانات الناس. فالحدود اليوم ليست فقط خطا على الخريطة؛ قد تكون رقما ضريبيا، أو حسابا، أو عنوانا، أو هوية رقمية. ومن يقتحمها لا يحتاج إلى دبابة. المواطن لم يمنح الدولة بياناته لكي تصبح الدولة مالكة لحياته، بل لكي تكون حارسة لها. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي: ليست الدولة العظيمة هي التي لا تتعرض للاختراق، فذلك وهم. الدولة الجديرة بالثقة هي التي تجعل اختراقها أصعب، واكتشافه أسرع، وأثره أقل، ومسؤوليتها أوضح، وحقوق ضحاياها محفوظة. فالمعركة ليست بين خادم وقرصان فقط. إنها معركة على الثقة. وحين تهتز الثقة، لا يكفي أن تعيد الدولة تشغيل الخوادم. عليها أن تعيد تشغيل الوعد الذي قطعته للمواطن: أن الأسرار، حين تسلم للدولة بحكم القانون، لن تتحول إلى فريسة.
📲 Partager sur WhatsApp