بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك موت يترك وراءه سؤالا. وهناك موت يجعل السؤال نفسه امتحانا للأخلاق. موت جيسون أرداي، الأستاذ السابق في جامعة كامبريدج، من النوع الثاني. فالرجل الذي دخل واحدة من أعرق جامعات العالم بوصفه أصغر أستاذ أسود فيها، ثم غادرها في الخامس من شهر غشت وسط عاصفة من الاتهامات والأسئلة، وجد نفسه بعد أيام قليلة ميتا، بينما بقيت الأسئلة حية، أكثر صخبا من الجنازة. الشرطة وصفت الوفاة بأنها غير متوقعة، لكنها لا تتعامل معها بوصفها مشبوهة، والتحقيق مستمر. ولذلك فإن أكثر ما ينبغي مقاومته الآن هو إغراء الجواب السريع: لا أحد يملك، حتى هذه اللحظة، حق القول إن الضغط أو العنصرية أو الاكتئاب كان سببا مباشرا للوفاة. لكن عدم امتلاك السبب لا يعني عدم امتلاك السؤال. والسؤال هنا أكبر من رجل. إنه سؤال عن الجامعة حين تتحول من مكان للمعرفة إلى مسرح للسمعة، وعن العنصرية حين تختبئ داخل لغة نقدية تبدو محايدة، وعن الضغط حين يصبح كثيفا إلى درجة أن الإنسان لا يعود يعرف: هل يحاكم على عمله أم على لونه؟ على أخطائه أم على قصته؟ على علمه أم على الصورة التي صنعتها المؤسسة حوله؟ وهنا تبدأ الحكاية التي لا تكفيها كلمة انتحار، ولا كلمة عنصرية، ولا كلمة انتحال، ولا حتى كلمة كامبريدج.
. كانت الجامعات القديمة في خيال البشر تشبه الأديرة. أبواب ثقيلة. ممرات طويلة. مكتبات لها رائحة القرون. كتب تتراكم فوق كتب، حتى يبدو أن المعرفة نفسها تحولت إلى حجر. وكامبريدج، بقدمها وهيبتها، ليست مجرد جامعة. إنها ذاكرة مؤسسة. اسمها وحده يملك قدرة غريبة على رفع قيمة من يدخلها، كما يملك قدرة أكثر قسوة على مضاعفة سقوطه إذا اهتزت صورته. كلما كانت المؤسسة أكثر لمعانا، كان الظل الذي تلقيه على الفرد أكثر ظلمة. فالأستاذ في جامعة عادية قد يخطئ. أما الأستاذ في كامبريدج فيخطئ تحت المجهر. والشخص الذي دخلها بوصفه رمزا للانفتاح والتنوع لا يصبح مجرد أستاذ. يصبح قصة. والقصة حين تصبح علنية تفقد شيئا من إنسانيتها.
جيسون أرداي لم يدخل كامبريدج كاسم فقط. دخلها محملا بسيرة استثنائية: تحديات تعليمية قاسية في طفولته، وصعوبات مرتبطة بالكلام والقراءة والكتابة، ثم صعود أكاديمي انتهى بتعيينه أستاذا في عام 2023. وهكذا لم يكن تعيينه حدثا أكاديميا محضا. كان حدثا رمزيا. رجل أسود يصل إلى إحدى أعرق مؤسسات النخبة البريطانية. وهذا في حد ذاته خبر جميل. لكن للمفارقة، قد يكون الرمز أحيانا أكثر هشاشة من الإنسان. فالإنسان يسمح لنفسه بالنقص. أما الرمز فلا يسمح له أحد بذلك. الرمز يجب أن يكون مثاليا. وإذا انكسر، لا يقال إنه إنسان. يقال إن القصة كانت خاطئة. وهنا قد يصبح الشخص محاصرا بين صورتين متناقضتين: صورة من يريد إثبات أنه وصل رغم كل شيء. وصورة من يريد إثبات أن وصوله لم يكن مستحقا. وفي الحالتين، يختفي الإنسان.

من الظلم أن نقول إن كل نقد لعمل أستاذ أسود هو عنصرية. ومن السذاجة، في الاتجاه المقابل، أن نفترض أن اللون لا يمكن أن يدخل إلى النقد. هاتان الحقيقتان يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه. الاتهامات المتعلقة بعمل أرداي الأكاديمي ليست وهما، وقد أثيرت بشأنها مسائل محددة تتعلق بأجزاء من أطروحته وأعماله، وقد فتحت كامبريدج تحقيقا مستقلا في تعيينه بعد تصاعد الجدل. أرداي نفى اتهامات الانتحال، وأقر بوجود أخطاء في عمله، بينما استمرت التحقيقات. لكن السؤال الذي يحق للمجتمع طرحه لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة شعبية. فبين المساءلة والتشهير مسافة. وبين التحقيق والافتراس الإعلامي مسافة أخرى. والجامعة التي تحترم العلم يجب أن تعرف كيف تقول في اللحظة نفسها: سنحقق. وسنحمي الإنسان من أن يتحول التحقيق إلى مطاردة. هذه ليست حماية للخطأ. هذه حماية للعدالة.
لو دخل الجاحظ قاعة من قاعات كامبريدج اليوم، ربما اندهش من كثرة الكتب. ثم اندهش أكثر من قلة الرحمة. فالجاحظ، الذي كان يعرف أن الإنسان لا يحمل عقلا فقط، بل يحمل معه طباعه ومخاوفه وهشاشته وطمعه وحسده وحبه للظهور، لم يكن ليصدق أن الجامعة الحديثة ما زالت تتصرف أحيانا كأن العالم الأكاديمي تسكنه عقول بلا أجساد. كان سيعرف أن العالم إذا وضع إنسانا تحت ضوء شديد، ثم ظل يراقبه أياما وأسابيع وشهورا، فإن الضوء نفسه قد يتحول إلى أداة تعذيب. وكان سيقول، ربما، إن للعلم بخلاء أيضا. بخلاء لا يبخلون بالمال. بل بالرحمة. يبخلون على العالم بإنسانية صغيرة في لحظة يحتاج فيها إليها أكثر من حاجته إلى حكم جديد.
المشكلة في الضغط ليست أنه شديد فقط. المشكلة أنه متراكم. نقد هنا. عنوان هناك. اتهام في مكان. تغريدة في مكان آخر. رسالة عنصرية. تشكيك في السيرة. تشكيك في الشهادة. تشكيك في القدرة. ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كنت تستحق كل ما وصلت إليه؟ حين يصبح هذا السؤال جزءا من الحياة اليومية، لا يعود الإنسان يعمل داخل مؤسسة. يصبح كأنه يعيش داخل امتحان دائم. والامتحان الدائم ليس تعليما. إنه استنزاف. وحتى لو كان بعض النقد مستحقا، فإن النقد لا يملك رخصة أخلاقية لتحويل الإنسان إلى فريسة. المجتمع الناضج لا يقيس عدالته بقدرته على اكتشاف الخطأ فقط. بل بقدرته على تصحيح الخطأ من دون سحق صاحبه.

وهنا ينبغي أيضا مقاومة محكمة أخرى. ليس من العدل أن نقول إن كامبريدج مذنبة بوفاة أرداي. ولا من الحكمة أن نقول إنها بريئة من كل مسؤولية مؤسسية. المؤسسة يجب أن تسأل نفسها أسئلة أصعب: كيف تم التعيين؟ كيف جرت عمليات التدقيق؟ متى ظهرت الشكوك؟ كيف تعاملت الجامعة معها؟ هل وفرت دعما كافيا؟ هل كان هناك نظام يستطيع أن يميز بين النقد العلمي والهجوم الشخصي؟ هل حماية التنوع كانت تعني أحيانا صناعة رمز ثم تركه وحيدا تحت النار؟ هذه الأسئلة ليست اتهاما. إنها واجب مؤسسي. وقد أعلنت كامبريدج بالفعل تحقيقا مستقلا في عملية تعيين أرداي، في خطوة قالت الجامعة إنها تهدف إلى مراجعة ما حدث وتعزيز إجراءاتها.
المشكلة ليست أن الرجل كان أسود…المشكلة الأعمق هي أن المجتمع الحديث لا يعرف كيف يتعامل مع الإنسان حين يصبح رمزا. الأسود الذي ينجح يتحول إلى رمز للتنوع. والمرأة التي تنجح تتحول إلى رمز للتمكين. والفقير الذي يصعد يتحول إلى رمز للإرادة. والمهاجر الذي ينجح يتحول إلى قصة اندماج. ثم ننسى جميعا أن وراء الرمز إنسانا قد يتعب. قد يخطئ. قد ينهار. قد يشعر بالخوف. قد يحتاج إلى أن يغلق هاتفه. قد يحتاج إلى يوم لا يكون فيه مثالا لأحد. وهذا هو الجانب المأساوي من صناعة القدوات: أنها ترفع الإنسان إلى مكان لا تسمح له فيه بالسقوط.
فلم الرحيل إذن؟ هذا هو السؤال الذي يبقى معلقا. لماذا يرحل الإنسان؟ هل يرحل حين يصبح المكان ضيقا؟ أم حين يصبح اسمه أكبر من جسده؟ أم حين يتحول كل صباح إلى جلسة محكمة؟ لا نعرف لماذا كانت النهاية في حالة أرداي، ولا ينبغي أن نخترع سببا لم تثبته التحقيقات. لكننا نعرف شيئا آخر. نعرف أن الضغط كان حاضرا في القصة. نعرف أن عائلته تحدثت عن حملة من المعلومات المضللة والمضايقة، ونعرف أن زملاء ومقربين تحدثوا عن وطأة التدقيق الإعلامي، فيما أكدت الشرطة أن الوفاة غير مشتبه فيها جنائيا. وهذا وحده كاف لكي نسأل: ما الحد الذي ينبغي أن تتوقف عنده المطالبة بالإجابة؟ ومتى يصبح السؤال، بدلا من أن يخدم الحقيقة، جزءا من الأذى؟
إنّ العلم يحتاج إلى الصرامة، والإنسان يحتاج إلى الهواء. فلا ينبغي أن تتحول الرحمة إلى إعفاء من المعايير. الانتحال، إن ثبت، قضية خطيرة. والشهادات العلمية ليست زينة. والجامعة لا تستطيع أن تكون عادلة إذا ساوت بين العمل الموثوق والعمل المعيب. لكن الصرامة العلمية لا تعني القسوة النفسية. بل ربما العكس. كلما كانت المؤسسة أكثر صرامة في العلم، كان عليها أن تكون أكثر رقيـا في التعامل الإنساني. لأن العلم الذي يحتاج إلى إهانة صاحبه لكي ينتصر ليس علما قويا. والحقيقة التي لا تستطيع العيش إلا وسط الصراخ ليست حقيقة مطمئنة.
قد تنتهي القضية بتحقيق. وقد تظهر حقائق جديدة. وقد يتبين أن بعض الاتهامات كان صحيحا وبعضها مبالغا فيه. وقد تحمل مؤسسات عدة جزءا من المسؤولية، أو لا تحمل. لكن هناك شيئا لا ينبغي أن ينتهي بالتحقيق. السؤال عن الثقافة التي تجعل النخب الحديثة قادرة على تحويل إنسان إلى عنوان. لقد أصبحنا نعيش في زمن يمكن فيه أن تنتقل سمعة رجل من المجد إلى الهاوية في ساعات. والجامعة، التي كان من المفترض أن تكون مكانا للتأمل البطيء، أصبحت أحيانا جزءا من اقتصاد السرعة نفسه: نشر. تعليق. اتهام. ردّ. تراجع. فضيحة. اعتذار. ثم إنسان يحاول أن يستوعب كل ذلك بعقل واحد. ربما نحن بحاجة إلى جامعة تعرف أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى السرعة. وأن التحقيق ليس مطاردة. وأن النقد ليس إعداما. وأن الاعتذار ليس هزيمة. وأن الإنسان ليس ملفا.
يبقى السؤال الأصعب لا ينبغي أن نكتب عن أرداي كما لو أننا نعرف سر موته. نحن لا نعرف. ولا ينبغي أن نحوله إلى شهيد للعنصرية، ولا إلى مذنب للانتحال، ولا إلى ضحية مكتملة التفسير. الميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وهذا وحده يجعل اللغة تجاهه بحاجة إلى قدر مضاعف من التواضع. لكن يمكننا أن نفعل شيئا آخر. يمكننا أن ننظر إلى المرآة التي تركها وراءه. مرآة جامعة عريقة. مرآة مجتمع يناقش العرق والجدارة والتنوع والسلطة. مرآة إعلام يستطيع أن يحقق، لكنه يستطيع أيضا أن يطارد. ومرآة إنسان قد يجد نفسه، في لحظة ما، تحت ضوء أقوى من قدرته على الاحتمال.إنّ أعظم الحكايات ليست تلك التي تنتهي بحكم. بل تلك التي تترك القارئ في حيرة أخلاقية. ، ولو نظرنا, قارئي الكريم, إلى كامبريدج من بعيد، ربما رأى في أبراجها شيئا يشبه الغابة: أشجارا من حجر، عالية جدا، حتى ينسى الواقفون في أعلاها أن لهم جذورا وجسدا وقلبا.
فعلينا أن نتعلم الدرس الأبسط والأصعب: إن المؤسسة التي تريد أن تكون عظيمة لا يكفي أن تكون صارمة. عليها أن تكون عادلة. وأن تكون عادلة لا يعني أن تتسامح مع الخطأ. بل يعني أن تمنح الحقيقة الوقت الكافي لكي تظهر، وأن تمنح الإنسان المساحة الكافية لكي يبقى إنسانا أثناء ظهورها. فما قيمة أن نحرس قداسة الجامعة، إذا نسينا قداسة الإنسان؟ وما قيمة أن نربح المعركة على ورقة، إذا خسرنا قدرتنا على رؤية من كان يمسك بها؟ لعل السؤال الأخير ليس: هل كان جيسون أرداي مذنبا أم بريئا؟ بل: كيف وصلنا إلى عالم يستطيع فيه إنسان أن يدخل أعرق قاعات المعرفة، ثم يجد نفسه خارجها، وحيدا، بينما تتقاتل حول اسمه الروايات؟ فلم الرحيل إذن؟ ربما لا نعرف. وهذه المرة، ربما يكون الاعتراف بعدم المعرفة أكثر إنسانية من أي جواب. لأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى محققين فقط. تحتاج إلى ضمير.
📲 Partager sur WhatsApp