بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
كان الجاحظ يعرف، قبل أن تتعلم المدن الحديثة لغة الاقتصاد في الماء، أن قطرة الماء يمكن أن تكون مسألة فلسفة. في عالمه، لم تكن البئر مجرد حفرة في الأرض، ولا السقاء مجرد رجل يحمل قربة، ولا الاغتسال فعلا بين حدثين. كان الماء مملكة صغيرة لها اقتصادها، وحساباتها، وبخلاؤها، وحيلها، وأساطيرها اليومية. وكان يمكن للرجل أن يبني سهريجا لا لكي يزين فناءه، بل لكي يقتصد في قطرة، ويسقي النخيل، ويشرب الحيوان، ثم يغتسل بما بقي، كأن القطرة موظف قديم في بيت فقير، تؤدي عشر وظائف قبل أن يسمح لها بالموت. واليوم، بعد أكثر من ألف عام، يبدو أن فرنسا التي بنت السدود ومحطات المعالجة وشبكات المياه الحديثة تعود، من باب آخر، إلى حكمة السهريج. فالحنفية التي بدت للإنسان الحديث كأنها نبع لا ينضب، بدأت تستعيد طبيعتها الأولى: صنبور لا يضمن شيئا.
في منتصف شهر غشت، لا تبدو فرنسا أمام صيف حار فحسب. تبدو أمام امتحان في تعريفها للحضارة. عشرات الملايين يعيشون تحت قيود مائية، ومئات القرى تواجه صعوبات في التزويد، ومياه الأنهار تهبط، ونسب كبيرة من المياه الجوفية تنزلق تحت المعدلات المعتادة. وعندما يصل الأمر إلى انقطاع الماء عن الصنبور، فإن الجفاف يتوقف عن كونه خبرا بيئيا. يصبح خبرا منزليا. يدخل المطبخ. يدخل الحمام. يدخل المدرسة. يدخل المستشفى. يدخل في السؤال الذي لا يحب المواطن الحديث أن يسأله: ماذا لو فتحت الصنبور ولم يخرج شيء؟ هنا تتغير علاقة الإنسان بالماء بالكامل. فالماء لم يعد شيئا نستهلكه. بل شيئا ننتظره.

المدن الحديثة صنعت لنا وهما مذهلا , , والحضارة الحديثة نسيت أنها مبنية على قطرة. أن الماء موجود لأننا نفتح الصنبور. كما أن الكهرباء موجودة لأننا نضغط على المفتاح. لكن الصنبور ليس مصدرا. إنه نهاية رحلة طويلة. وراء كل كوب ماء سد أو نهر أو بحيرة أو طبقة جوفية، وخلف كل طبقة جوفية موسم مطر، وخلف المطر دورة مناخية، وخلف الدورة توازن بالغ التعقيد بين الحرارة والتبخر والتربة والنبات والثلج. حين ننسى هذه السلسلة، تصبح الحنفية ساحرا. نفتحها. فيخرج الماء. فنظن أن الماء خلق خصيصا للحظة التي نحتاجه فيها. لكن السحر ينتهي عندما تجف الأرض. عندها تكتشف المدينة أن الحنفية ليست إلا فم البئر. وإذا صمت البئر، صمت الفم.
في حكايات البخلاء، قد يبدو الاقتصاد في الماء للوهلة الأولى صورة من صور الطرافة. لكن وراء الطرافة منطق شديد القسوة والذكاء. كل مورد محدود يفرض على صاحبه فنا في الترتيب. ماء للشرب أولا. ثم لما لا يمكن الاستغناء عنه. ثم لما يمكن تأجيله. . وهذا هو جوهر الاقتصاد المائي الذي ستضطر المجتمعات الحديثة إلى تعلمه، سواء أحبته أم لم تحبه. قد نحتاج إلى إعادة اختراع السهريج، ولكن على مستوى المدينة. ليس سهريجا من حجر في فناء بيت، بل خزانا حضريا، وشبكات لاستعادة مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل التسرب، وتغيير الزراعة، وإعادة التفكير في كل استعمال للماء. المفارقة أن التكنولوجيا الحديثة قد تجد نفسها مضطرة إلى اكتشاف ما عرفه الفقير قديما بالفطرة: الماء الذي لا تحفظه اليوم قد تبحث عنه غدا ولا تجده. والماء الذي يغسل الجسد قد يصبح أغلى من الجسد
في البيئات التي عاش فيها الإنسان قديما مع ندرة الماء، لم يكن الاغتسال فعلا منفصلا عن اقتصاد البئر. كان الماء يحسب. حتى الطهارة، بما لها من معنى ديني (الجنابة) وجسدي، كانت تعرف أن المادة التي تحققها محدودة. كان الإنسان يواجه السؤال الذي تحاول الوفرة الحديثة إخفاءه: كم نحتاج فعلا؟ وهذا السؤال، الذي يبدو بسيطا، قد يصبح في القرن الحادي والعشرين سؤالا سياسيا وفلسفيا. هل تحتاج السيارة إلى ماء صالح للشرب؟ هل تحتاج بعض المحاصيل في مناطق شديدة الجفاف إلى الكميات نفسها التي تحتاجها في مناطق وفيرة؟ هل يجوز أن نستخدم مياها ذات جودة عالية في وظائف يمكن أن تؤديها مياه معالجة؟ هل ينبغي للمدينة أن تستهلك ماءها الجوفي كما لو كان راتبا شهريا، أم تحافظ عليه كمدخرات للأجيال؟ هذه ليست أسئلة تقنية فقط. إنها أسئلة عن العدالة.
من السهل أن ننظر إلى الجفاف الفرنسي باعتباره استثناء أوروبيا. لكن الماء لا يحترم الحدود السياسية. فرنسا تواجه اليوم وجها من الأزمة عرفته مناطق واسعة من المغرب وشمال إفريقيا والساحل منذ زمن أطول، وإن كان لكل بلد تركيبته المناخية والاجتماعية والاقتصادية. في المغرب، حيث أصبحت سنوات الجفاف المتعاقبة جزءا من المشهد المائي، لا يعود الماء مجرد خدمة عمومية، بل يصبح عنصرا في معادلة الزراعة والقرى والهجرة والأمن الغذائي. وفي إفريقيا، تتداخل ندرة الماء مع التوسع العمراني، وضعف البنى التحتية، والفقر، والنمو السكاني، وتغير المناخ، فتتحول قطرة الماء من مورد طبيعي إلى مسألة تتعلق بالاستقرار نفسه. والخطر ليس أن تجف إفريقيا وحدها أو تعاني فرنسا وحدها. الخطر أن نواصل التفكير في الماء بمنطق الحدود، بينما تعمل دورة الماء بمنطق القارة والكوكب. النهر لا يحمل جواز سفر. والسحابة لا تعرف وزارة للداخلية. والجفاف لا يقف عند نقطة تفتيش.
لكن السؤال الأعجب هو: فلم الرحيل إذن؟ هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة. إذا كان الإنسان الحديث يهرب من الحرارة إلى الشمال، ومن الجفاف إلى المدن، ومن القرى المتعبة إلى العواصم، فإلى أين يذهب حين تصبح المشكلة عالمية؟ حين تجف الأرض في إفريقيا، يهاجر الناس. وحين يضيق الماء في مناطق زراعية، تهتز سلاسل الغذاء. وحين تصبح المدن أكثر عطشا، ترتفع كلفة الحياة. لكن إذا أصبحت أزمة الماء متعددة القارات، فما هي الجهة التي سيهاجر إليها الجميع؟ فلم الرحيل إذن؟ إلى مدينة أخرى؟وإلى دولة أخرى؟ إلى قارة أخرى؟ أم أن علينا للمرة الأولى أن نفكر في الهجرة بطريقة مختلفة: ليس باعتبارها انتقالا من مكان غير صالح إلى مكان صالح، بل باعتبارها حركة داخل كوكب يتغير فيه معنى الصلاح نفسه؟ هذه هي المفارقة التي لا تحبها الخرائط. قد يغادر الإنسان منطقة جافة ليجد نفسه بعد سنوات في مدينة كانت أكثر اعتدالا ثم دخلت بدورها في دائرة الإجهاد المائي. الهجرة تستطيع أن تنقل الإنسان من الخطر. لكنها لا تستطيع أن تنقل الكوكب

الماء ليس ديمقراطيا دائما قد يبدو حقا بسيطا. لكن توزيعه ليس بسيطا. هناك من يفتح الصنبور فلا يفكر. وهناك من يحسب. هناك من يملأ حوض السباحة. وهناك من ينتظر الصهريج. هناك من يستطيع شراء الماء المعبأ. وهناك من يقطع مسافة طويلة للوصول إلى بئر. ولهذا فإن أزمة الماء ليست أزمة طبيعية فقط. إنها مرآة للثروة. والمدينة التي تعاني من نقص الماء قد لا تعاني منه كل أحيائها بالطريقة نفسها. والبلد الذي يملك موردا مائيا قد لا يملكه كل مواطنيه بالقدر نفسه. وحين يصبح الماء نادرا، تصبح العدالة المائية أكثر أهمية من مجرد زيادة الكميات. فالماء لا يسأل عن دخل الإنسان. لكن النظام الذي يوزعه يفعل.
ربما ينبغي للمدينة الحديثة أن تتوقف عن التعامل مع المطر باعتباره عدوا يجب دفعه بسرعة إلى النهر. المطر الذي يسقط ثم يهرب في شبكات الصرف هو فرصة ضائعة. المدينة الذكية في القرن المقبل قد لا تكون المدينة التي تعرف كيف تصرف الماء بسرعة، بل التي تعرف كيف تحتفظ به. أسطح تجمع المطر. حدائق تمتصه. أرصفة تسمح له بالنفاذ. خزانات تحت الأرض. شبكات تفصل بين مياه الشرب والمياه التي يمكن إعادة استخدامها. زراعة تستهلك أقل. مدن تعيد تدوير الماء بدلا من معاملته كشيء يستخدم مرة واحدة ثم يختفي. قد نحتاج إلى هندسة جديدة للماء، لكننا نحتاج أيضا إلى أخلاق جديدة للماء. فالاختراع الحقيقي ليس في بناء أنبوب أكبر. بل في تقليل الحاجة إلى أنبوب أكبر.
هناك شيء مؤلم في أن تتحول الأنهار إلى خطوط رفيعة في قلب خرائطها القديمة. النهر الذي كان يقطع البلاد مثل جملة طويلة، يصبح هامشا. والبحيرة التي كانت مرآة للسماء، تصبح قطعة من الأرض المتشققة. والبئر التي كانت وعدا بالحياة، تتحول إلى سؤال. هذه ليست مجرد تغيرات في المناظر. إنها خسارة في الذاكرة. فالحضارات القديمة بنت نفسها حول الماء. والمدن الحديثة بنت ثقتها في أن الماء سيأتي إليها مهما حدث. بين الثقة القديمة والحساب الحديث، يقف الجفاف اليوم كمدرس قاس. يقول لنا: لا يوجد شيء اسمه ماء مضمون.
ربما لو عاد الجاحظ اليوم، فلن يندهش كثيرا من حديثنا عن أزمة الماء. قد يسأل فقط: أين سهاريجكم؟ أين خزاناتكم؟ ىلماذا تجعلون الماء الصالح للشرب يقوم بكل الأعمال؟ لماذا تسقون به ما يمكن أن يسقى بماء آخر؟ ولماذا تصرفون في لحظة ما قد تحتاجون إليه بعد عام؟ ثم ربما يبتسم ابتسامته الساخرة ويقول إن البخل بالماء ليس بخلا، إذا كان المقصود إنقاذ الحياة من الإسراف. فالكرم الحقيقي ليس أن تترك الماء يجري. الكرم الحقيقي أن تترك الماء للأجيال. أن تحرم نفسك من بعض فائضك كي لا تحرم طفلا في المستقبل من حاجته. وهنا ينقلب معنى البخل نفسه. قد يصبح الاقتصاد في الماء أرقى أشكال السخاء.
ومع ذلك قارئي العزيز, لسنا أمام نهاية الماء، بل نهاية الوهم. ولا ينبغي أن ننظر إلى كل جفاف على أنه نذير بانتهاء الماء من الأرض. الماء لا يختفي من الكوكب. لكن الماء الصالح للشرب، والماء المتاح في المكان المناسب، وفي اللحظة المناسبة، وبكلفة يستطيع المجتمع تحملها، قصة أخرى تماما. وهذه هي المسألة. ليست الأرض بلا ماء. المشكلة أن الماء لا يكون دائما حيث نحتاجه، ولا حين نحتاجه، ولا بالجودة التي نحتاجها. والتغير المناخي يزيد هذا الاختلال. قد تصبح الأمطار أكثر تطرفا: فيضانات في أيام، ثم أسابيع من الجفاف. فقد تغرق المدينة بالماء في الشتاء، ثم تبحث عنه في الصيف. ليس لأن الماء قليل دائما. بل لأننا لا نعرف دائما كيف نحتفظ به عندما يأتي. ربما لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل سنجد ماء في سبتمبر؟ السؤال الأعمق هو: أي نوع من الحضارة نريد أن نبني إذا لم يعد الماء وفيرا كما تخيلناه؟ هل سنستمر في مدن مصممة على افتراض الوفرة؟ أم سنبني مدنا تعرف قيمة كل قطرة؟ هل سنترك الزراعة تتصرف كما لو أن السماء وقعت معها عقدا دائما؟ أم سنعيد تعريف المحاصيل بحسب المناخ والماء؟ هل سنترك الفوارق الاجتماعية تحدد من يشرب أولا؟ أم سنعتبر الماء حقا مشتركا لا امتيازا طبقيا؟ وهل سنظل نعتقد أن الهجرة هي الحل كلما ضاق المكان؟ فلم الرحيل إذا كان العطش يستطيع أن يسافر معنا؟
ربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في أزمة الماء: أن الإنسان الذي اعتاد أن يهرب من المكان حين يصبح قاسيا، سيضطر يوما إلى تعلم شيء أكثر صعوبة من الرحيل. سيضطر إلى إصلاح المكان. من السهريج الحجري إلى الخزان الحضري، ومن البئر القديمة إلى شبكات إعادة تدوير المياه، ومن حكمة الفلاح الذي يعرف قيمة القربة إلى مهندس المدينة الذي يحسب كل قطرة، لا يتعلق المستقبل باختراع ماء جديد. الماء موجود. الذي ينقصنا هو نظام جديد لاحترام وجوده. فالقطرة التي نسميها اليوم ماء ليست قطرة فقط. إنها مطر قديم، ونهر بعيد، وبئر عميقة، وشجرة، وسحابة، وجسد إنسان، وذاكرة قرية، وحياة حيوان، وموسم زراعي، ومستقبل طفل لم يولد بعد. وعندما تهدرها، لا تهدر ماء. تهدر جزءا من الزمن. وربما كان هذا هو الدرس الذي ظل الجاحظ يعرفه ونحن نسيناه: إن أعظم بخلاء هذا العصر ليس الرجل الذي يغلق القربة، بل الحضارة التي تترك الصنبور مفتوحا، ثم تتساءل بدهشة: أين ذهب الماء؟
📲 Partager sur WhatsApp