من سيصرخ أولا؟ هرمز بين واشنطن وطهران

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حاسمة لا تحددها فقط قوة النيران، بل قدرة كل طرف على تحمل الزمن وكلفة الاستنزاف. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين، بل تحولت إلى صراع اقتصادي وجيوسياسي يتمحور حول سؤال واحد: من يستطيع الصمود أطول قبل أن يضطر إلى تعديل شروطه؟ في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، الممر البحري الذي تحول من نقطة عبور استراتيجية إلى مركز الثقل في الصراع. بالنسبة إلى إيران، يمثل المضيق واحدة من آخر أوراق الضغط التي تستطيع من خلالها التأثير في أسواق الطاقة ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها. وبالنسبة إلى واشنطن، أصبح ضمان حرية الملاحة اختبارا مباشرا لمصداقية القوة الأمريكية وقدرتها على حماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

المفارقة أن الورقة الأقوى في يد إيران قد تكون أيضا الورقة الأكثر خطورة عليها.تواجه طهران ضغوطا اقتصادية متراكمة. العقوبات والقيود على صادرات النفط ترفع كلفة التسويق والنقل والتأمين، وتدفع إيران إلى الاعتماد بصورة أكبر على قنوات معقدة وخصومات سعرية للحفاظ على تدفق العائدات. ومع استمرار الحصار، تصبح المشكلة أكبر من مجرد بيع النفط: إنها تتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على مواردها المالية وتمويل اقتصادها واحتواء الضغوط الاجتماعية والسياسية. لهذا يبدو مضيق هرمز بالنسبة إلى القيادة الإيرانية أكثر من ممر مائي. إنه ورقة تفاوض استراتيجية. فالقدرة على تهديد الملاحة تمنح طهران وسيلة لرفع كلفة الحرب على خصومها، وإجبار القوى الدولية على التعامل معها باعتبارها طرفا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص أمن الخليج والطاقة. لكن إغلاق المضيق بالكامل يحمل ثمنا بالغ الخطورة. فهو قد يرفع أسعار الطاقة عالميا ويضغط على الاقتصادات الغربية، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يستدعي ردا عسكريا أمريكيا أوسع، ويهدد صادرات إيران نفسها، ويدفع الصراع من مرحلة الضغط المتبادل إلى مواجهة مفتوحة يصعب على طهران التحكم في مسارها.

هنا يظهر الفارق الجوهري بين الطرفين. الولايات المتحدة تتحمل كلفة الصراع، لكنها لا تواجه النوع نفسه من الخطر الاقتصادي الذي تواجهه إيران. ارتفاع أسعار النفط، واضطراب الأسواق، والكلفة العسكرية، والضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية، كلها عوامل مؤلمة، لكنها قابلة للإدارة ضمن اقتصاد ضخم وشبكة تحالفات واسعة وقدرة أكبر على الوصول إلى بدائل لوجستية ومصادر طاقة ومسارات تجارية مختلفة. أما إيران، فكل جولة جديدة من الاستنزاف تضغط مباشرة على موارد الدولة وقدرتها على تصدير النفط وتمويل الاقتصاد. ولذلك فإن الزمن لا يعمل بالطريقة نفسها لمصلحة الطرفين. واشنطن تستطيع تحمل كلفة الانتظار لفترة أطول، بينما تحتاج طهران إلى تحويل الضغط إلى نتيجة سياسية قبل أن يتحول الاستنزاف إلى اختناق.

وهذا هو جوهر المعركة. لا تحتاج إيران إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريا حتى تحقق مكسبا استراتيجيا. يكفيها أن تجعل كلفة استمرار المواجهة مرتفعة بما يكفي لدفع واشنطن إلى التفاوض. وفي المقابل، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إسقاط النظام الإيراني أو السيطرة على كامل المجال البحري الإيراني كي تحقق هدفها الأساسي. يكفيها منع طهران من تحويل مضيق هرمز إلى أداة دائمة لابتزاز الاقتصاد العالمي. لذلك تبدو المعركة في حقيقتها معركة إرادات وقدرة على تحمل الزمن. قد تتعرض واشنطن لضغوط من الحلفاء والأسواق إذا طال اضطراب الملاحة، وقد تواجه الإدارة الأمريكية سؤالا سياسيا متزايدا حول جدوى استمرار العمليات العسكرية. لكن هذه الضغوط لا تعني بالضرورة نقطة انهيار استراتيجية.

في المقابل، تواجه إيران معادلة أكثر حساسية: كلما رفعت مستوى التصعيد في هرمز، زادت قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تقترب من استدعاء رد عسكري واسع قد يضرب مصادر قوتها الاقتصادية نفسها. ومن هنا يمكن فهم لماذا يبقى مضيق هرمز سلاحا وسيفا مسلطا على صاحبه في آن واحد. إذا استمر الصراع بالوتيرة الحالية، فإن إيران تبدو الطرف الأكثر عرضة للوصول أولا إلى حدود قدرته على التحمل. ليس لأن الولايات المتحدة محصنة ضد الألم، بل لأن طبيعة الألم مختلفة. كلفة واشنطن سياسية واقتصادية واستراتيجية، بينما كلفة إيران تمس بصورة مباشرة قدرة الدولة على تمويل نفسها والحفاظ على استقرارها الداخلي.

لكن إعلان النتيجة مبكرا سيكون خطأ استراتيجيا. فما زالت طهران تمتلك أدوات تصعيد قادرة على رفع كلفة المواجهة، كما أن أي اضطراب واسع في هرمز يمكن أن يعيد تشكيل حسابات القوى الكبرى في ساعات. في النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بمن يملك القوة الأكبر، بل بمن يستطيع استخدام الوقت لمصلحته. حتى الآن، تبدو واشنطن أكثر قدرة على امتصاص الاستنزاف، بينما تبدو إيران أكثر حاجة إلى تسوية تخفف الضغط قبل أن يتحول مضيق هرمز من ورقة تفاوض إلى فخ استراتيجي. ولهذا، إذا كان لا بد من الإجابة عن سؤال: من سيصرخ «آخ» أولا؟ فالإجابة الأرجح هي إيران. لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تصل طهران إلى تلك اللحظة وهي ترى أن إغلاق هرمز هو آخر طريق متاح لها. عندها لن تكون المسألة من يتراجع أولا، بل ما إذا كان العالم كله سيدفع ثمن عدم التراجع.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *