بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست أكثر الأشياء رعبا في هذه الحادثة أن كلبا مالينوا تعرض لتسع طعنات، ثماني منها في العنق. الأكثر رعبا هو السؤال الذي يبقى بعد انقضاء لحظات الرعب هذه: ما الذي يحدث داخل الإنسان حين يصبح العنف أسرع من العقل؟ في حي بورني بمدينة متز، أصيب الكلب بجروح بالغة بعد أن تعرض للطعن تسع مرات. الرجل البالغ 47 عاما اعترف بأنه وجه إليه الطعنات، وقال إن الكلب حاول عضه. وقد باشرت العدالة الفرنسية إجراءات بحقه على خلفية أعمال القسوة الشديدة بحق حيوان أليف. ورغم خطورة إصاباته، نجا الكلب من الموت، فيما أبدت مالكته السابقة رغبتها في استعادته. تبدو الوقائع بسيطة ومروعة في آن واحد: رجل، كلب، سكين، خوف، ثم تسع طعنات. لكن الأشياء التي تبدو بسيطة تكون أحيانا الأكثر تعقيدا. فالسؤال ليس فقط: لماذا طعن الرجل الكلب؟ بل: لماذا احتاج الخوف، إذا كان الخوف هو الدافع، إلى تسع طعنات؟ لا يمكن من خارج الواقعة معرفة ما جرى في تلك اللحظات على وجه اليقين. وحدها التحقيقات والقضاء يستطيعان تحديد الملابسات والمسؤوليات، ولا يجوز تحويل رواية المتهم إلى حقيقة نهائية. لكن هذا التحفظ لا يلغي السؤال الإنساني الذي تفتحه الحادثة.
فالخوف قد يدفع الإنسان إلى الدفاع عن نفسه. أما العنف المتكرر فيطرح سؤالا آخر: متى يتوقف الفعل عن كونه استجابة لخطر، ويتحول إلى اندفاع يتجاوز الخطر نفسه؟ هنا تقع المسافة المرعبة بين الدفاع والتدمير. الدفاع يريد إيقاف الخطر. أما التدمير فلا يكتفي بذلك؛ إنه يريد إزالة مصدر الخوف نفسه. وقد تكون المسافة بين الاثنين أقصر من ثانية. السكين لا تقيس الخوف. الرقم تسعة لا يخبرنا بما كان يجري داخل عقل الرجل. ربما كان الخوف حقيقيا، وربما كانت المواجهة فوضوية، وربما كانت هناك تفاصيل لا نعرفها بعد. لكن عدد الطعنات يجعل السؤال أكثر إلحاحا: متى يتوقف الإنسان عن محاولة النجاة، ويبدأ في تدمير ما أخافه؟
في لحظة الانفلات، لا تعود الأداة مجرد أداة. تصبح امتدادا لقرار لم يعد يمر عبر اللغة. العقل يقول: ابتعد. غريزة البقاء تقول: احم نفسك. واللغة تقول: أوقف الخطر. لكن العنف المنفلت قد يقول شيئا آخر: لا يكفيني أن يزول الخطر؛ يجب أن يزول الشيء الذي أثار خوفي. وهذه الفكرة أخطر من السكين نفسها. فالحضارة ليست القوانين والمحاكم والمباني فقط. الحضارة، في أحد أعمق معانيها، هي تلك المسافة الصغيرة بين الشعور والفعل؛ تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بالخوف، لكنه لا يسمح للخوف بأن يمسك بيده. أن تغضب ولا تجعل غضبك يتكلم بأصابعك. أن تخاف ولا تحول خوفك إلى حكم بالموت. أن تشعر بالتهديد ولا تعتبر كل قوة متاحة لك مبررا لاستخدامها. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في الحادثة: الكلب لا يستطيع أن يروي روايته. لا يستطيع أن يقف أمام المحكمة ليقول ماذا حدث. لا يستطيع أن يشرح هل اقترب، أو خاف، أو حاول العض، أو دافع عن نفسه، أو لم يفهم أصلا لماذا تحول الإنسان أمامه إلى مصدر للخطر.

الحيوان يترك الإنسان وحده أمام روايته. وهذا يجعل مسؤولية المجتمع والقانون أكثر دقة: ليس المطلوب الانحياز العاطفي إلى الحيوان لمجرد أنه حيوان، ولا تبرئة الإنسان لمجرد أنه إنسان، بل معرفة الوقائع، وتحديد المسؤولية، ووضع حد واضح للعنف غير الضروري. فالقانون لا يحمي الحيوان وحده. إنه يحمي فكرة أوسع: أن القوة ليست مبررا بذاتها، وأن الخوف لا يمنح الإنسان شيكا مفتوحا على العنف. وتسع طعنات ليست مجرد تسع طعنات. هناك أرقام تمر في الأخبار ثم تختفي. وهناك أرقام تلتصق بالذاكرة لأنها توحي بشيء لا يظهر في الرقم نفسه. وراء الرقم يد. وراء اليد قرار. وراء القرار حالة نفسية. وراء الحالة النفسية إنسان قد يكون خائفا أو مذعورا أو غاضبا أو فاقدا للسيطرة، أو خليطا من ذلك كله. لكن من الخطأ أن نختصر المشهد بكلمة واحدة مثل “الجنون”. فهذه كلمة سهلة، وقد تكون أحيانا طريقة للهروب من السؤال الحقيقي. عندما نصف الفعل بأنه جنون، قد نغلق الباب الذي كان ينبغي أن ندخل منه: ما الذي صنع هذه اللحظة؟ وما الذي جعل مكابح العقل عاجزة عن إيقافها؟
العنف، في كثير من الأحيان، يبدأ قبل السكين. يبدأ في الطريقة التي يتعلم بها الإنسان أن الخوف يجب أن يقابل بالسيطرة، وأن التهديد لا يترك مجالا إلا للقوة، وأن ما يخيفه ينبغي أن يخضع أو يختفي. لكن الحضارة حاولت أن تعلم الإنسان شيئا أكثر صعوبة: ليس كل ما يخيفك عدوا، وليس كل خطر يحتاج إلى تدمير، وليس كل قوة يجب استخدامها. ولذلك فإن نجاة الكلب ليست تفصيلا . إنها النقطة الوحيدة التي تسمح للضوء بالدخول إلى هذه القصة. لقد نجا الحيوان من الموت، وربما يستعيد لاحقا شيئا من حياته السابقة. أما الإنسان، فسيتعين عليه أن يواجه أمام القانون معنى ما فعله وعواقبه. وهنا تؤدي العدالة وظيفتها الأصعب: ليس الانتقام، بل رسم الحدود. حدود ما يسمح به الخوف. وحدود ما يسمح به الغضب. وحدود ما يستطيع الإنسان أن يفعله عندما يفقد السيطرة على نفسه. فما الذي يجعل رجلا يطعن كلبا تسع مرات؟ في هذه القضية تحديدا، لن تأتي الإجابة من التأمل الأدبي، بل من التحقيق والقضاء والوقائع. لكن السؤال الإنساني أوسع بكثير. ربما يحدث ذلك عندما يتحول الخوف من إحساس عابر إلى هوية، عندما لا يعود الإنسان يقول: “أنا خائف”، بل يتصرف كما لو أن العالم كله يجب أن يدفع ثمن خوفه. عندها يصبح العنف لغة. ثم يصبح عادة. ثم يصبح مبررا. ثم يصبح كارثة.
والأكثر إزعاجا في هذه القصة أن الحيوان لم يحتج إلى أن يكون وحشا كي يتعرض لكل هذا العنف. يكفي أن يراه إنسان، في لحظة ما، بوصفه شيئا يجب تدميره. وهذه الفكرة هي التي ينبغي أن تخيفنا حقا. لأن تاريخ البشر ليس تاريخ الوحوش وحدها. إنه أيضا تاريخ اللحظات التي أقنع فيها إنسان نفسه بأن عنفه ضروري. لهذا لا ينبغي أن تبقى الحادثة مجرد خبر عن رجل سيحاكم، وكلب نجا، وسكين دخلت ملف الأدلة. ينبغي أن تكون مرآة. مرآة صغيرة، لكنها عميقة. مرآة تضع أمامنا السؤال الذي نادرا ما نحب أن نطرحه على أنفسنا: حين أخاف، هل أبحث عن النجاة، أم أبحث عن شيء أعاقبه على خوفي؟ بين الجوابين تقع مساحة الحضارة كلها. مساحة قصيرة، ربما لا تتجاوز لحظة. لكنها أحيانا تكون المسافة الفاصلة بين يد تتراجع، ويد تطعن.
📲 Partager sur WhatsApp