واشنطن لإسرائيل: إلى أين تذهبين؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في الشرق الأوسط، لا تكون الضربة الجوية مجرد انفجار في نقطة على الخريطة. قد تكون رسالة، أو تحذيرا، أو اختبارا لحدود الصمت، وقد تتحول أحيانا إلى حجر صغير تقذفه قوة إقليمية في بركة مضطربة، ثم تراقب كيف ستتسع دوائر الارتطام. ولهذا فإن الضربة المنسوبة إلى إسرائيل على قاعدة أبو الظهور العسكرية في ريف إدلب لا تكتسب أهميتها من الأضرار المادية وحدها، بل من سؤال أكثر حساسية: من اختار أن يتحدث عنها؟ فحين تدين دمشق الضربة، يبدو ذلك متوقعا في سياق الصراع. لكن حين تعلن واشنطن، عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا، أنها “عميقة القلق” من ضربات إسرائيلية مؤكدة وتصفها بأنها “تصعيد غير ضروري” لا يخدم الاستقرار الإقليمي، فإن الحدث ينتقل من مجرد عملية عسكرية إلى اختبار للعلاقة بين الحليفين، وللحدود التي تريد الولايات المتحدة رسمها أمام حرية الحركة الإسرائيلية في سوريا.

اللغة الدبلوماسية لا تأتي اعتباطا. فواشنطن لا تقول بالضرورة: “نحن ضد إسرائيل”، لكنها تقول شيئا أكثر دقة: “هذا لا يخدم الاستقرار الذي نريد حمايته”. والفرق كبير. الأولى مواجهة سياسية، أما الثانية فهي محاولة لإعادة ضبط السلوك من داخل التحالف نفسه. لذلك قد لا يكون ما يتغير هو التحالف الأمريكي الإسرائيلي بقدر ما هو هامش الحركة داخله. فالتحالفات الكبرى لا تبدأ بالتصدع دائما عبر مواجهة علنية؛ أحيانا تبدأ بتغير عبارة في بيان، أو بتأخر في منح عملية عسكرية غطاء سياسيا، أو بتحول الخلاف من نقاش مغلق إلى رسالة مسموعة. وتزداد حساسية المشهد بسبب طبيعة الهدف نفسه. فقاعدة أبو الظهور، التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب السورية وبقيت خارج الخدمة لسنوات، كانت تخضع، بحسب المعطيات الواردة، لجهود إعادة تأهيل مع حديث عن مشاركة تركية في إعادة تشغيلها. وهنا لا يعود المدرج مجرد منشأة عسكرية. إنه خط يصل دمشق بأنقرة، ويمتد بصورة غير مباشرة إلى حسابات موسكو وواشنطن وتل أبيب. ومن المنظور الإسرائيلي، يمكن قراءة الضربة بوصفها عملا وقائيا لمنع نشوء بنية عسكرية قد تتحول مستقبلا إلى مصدر تهديد. أما من المنظور الأمريكي، فيبرز سؤال مختلف: هل يؤدي ضرب منشأة سورية قيد إعادة التأهيل إلى تقويض إعادة بناء الدولة السورية، وإلى دفع تركيا، الحليف المهم لواشنطن، نحو مزيد من الاحتكاك مع إسرائيل؟

هنا تدخل تركيا إلى قلب المعادلة. فأنقرة ليست طرفا هامشيا في سوريا الجديدة، بل قوة تسعى إلى تثبيت نفوذها والمساهمة في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة السورية. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي إعادة بناء للقدرة العسكرية السورية من زاوية مختلفة تماما، إذ ترى في التحولات الجارية احتمالات لظهور تهديدات جديدة. أما دمشق فتريد استعادة سيادتها، بينما تبحث واشنطن عن استقرار يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. منشأة واحدة، إذن، يمكن أن تعني أربعة أشياء مختلفة: لتركيا جزءا من مشروع إعادة البناء، ولسوريا رمزا للسيادة، ولإسرائيل خطرا محتملا، ولواشنطن مصدرا محتملا للتصعيد. وهنا يظهر جوهر الخلاف. إسرائيل تفكر بمنطق الوقاية: إذا كان الخطر يمكن أن يظهر غدا، فمن الأفضل منعه اليوم. أما الولايات المتحدة، حين تنظر إلى المنطقة من مستوى استراتيجي أوسع، فعليها أن تسأل: ماذا يحدث إذا أصبحت كل دولة هي التي تحدد وحدها طبيعة الخطر وتوقيت ضربه؟ 

فقد يكون القرار الوقائي منطقيا في الحساب الإسرائيلي المباشر، لكنه قد يتحول إلى عامل فوضى في الحساب الأمريكي الإقليمي. وما يحمي إسرائيل تكتيكيا قد يربك استراتيجية واشنطن على المدى الطويل. هذه هي المفارقة الأساسية: إسرائيل تفكر في الخطر قبل أن يصبح واقعا، بينما تفكر واشنطن في كيفية منع المنطقة من التحول إلى سلسلة من المخاطر المتبادلة. الأولى تحاول إغلاق الأبواب قبل أن يدخل منها التهديد، والثانية تحاول منع كل باب مغلق بالقوة من أن يفتح بابا آخر للحرب. وتزداد المسألة تعقيدا منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، إذ تغير الإطار الذي كانت إسرائيل تبني عليه حساباتها في سوريا. لكن سقوط نظام قديم لا يعني ولادة دولة مستقرة. إسرائيل لا تريد أن تتحول سوريا الجديدة إلى منصة لقوى معادية لها. وتركيا لا تريد فراغا أمنيا دائما على حدودها. وواشنطن تريد، على ما يبدو، منع هذا الفراغ من التحول إلى حرب إقليمية مفتوحة. أما دمشق فتواجه المعركة الأصعب: أن تصبح دولة على أرضها، لا مجرد ساحة تتحرك فوقها جيوش الآخرين. ولهذا فإن الصواريخ لا تضرب المنشآت وحدها؛ إنها تضرب الاحتمالات أيضا. فكل ضربة تستهدف بنية قيد إعادة البناء قد تعني أن الدولة السورية لم تستعد بعد قدرتها على تقرير مصير بنيتها العسكرية، وأن السيادة ما زالت محكومة بتوازنات خارجية.

والخطر الأكبر ليس أن تقع ضربة جديدة، بل أن تصبح الضربات الاستباقية أمرا عاديا. فعندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي الوقاية وأين تبدأ الحرب. وهنا تواجه واشنطن اختبارا حقيقيا: هل تستطيع التأثير في حليف قوي من دون تحويل الخلاف معه إلى قطيعة؟ فهذه ليست مهمة إدانة إسرائيل أو الدفاع عنها، بل مهمة إدارة القوة داخل التحالف. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلا منع التصعيد، فعليها أن تثبت أن تحالفها مع إسرائيل لا يعني منحها تفويضا مفتوحا لتعريف الأمن الإقليمي وحدها. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى قرار صريح ببدء حرب جديدة كي يصبح أكثر خطورة. يكفي أن تتراكم الحسابات الخاطئة: ضربة إسرائيلية، اعتراض تركي، موقف سوري، تحذير أمريكي، تحرك روسي، ثم حادثة أخرى في مكان آخر.

عندها يمكن أن تنشأ آلية تنتج التصعيد من دون أن يكون أي طرف قد قرر فعلا إشعال حرب شاملة. والمشكلة أن اللاعبين في المنطقة لا يعرفون دائما ما يريدون بقدر ما يعرفون ما يخشونه، والخوف، حين يتحول إلى أساس لصناعة القرار، يستطيع أن يصنع وقائع لا يريدها أحد. لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد أبو الظهور ليس: من ربح الضربة؟ بل: هل لا تزال واشنطن قادرة على رسم حدود القوة الإسرائيلية في سوريا، أم أن إسرائيل باتت ترى أن بعض ضروراتها الأمنية تتقدم على الحسابات الأمريكية؟ لا توجد إجابة نهائية حتى الآن، لكن مجرد خروج هذا السؤال إلى العلن يكشف أن شيئا يتحرك تحت سطح التحالف. فالشرق الأوسط يشبه مرآة مكسورة، كل قوة تمسك قطعة منها وتعتقد أنها ترى الصورة كاملة. إسرائيل ترى الخطر، وتركيا ترى النفوذ، وسوريا ترى السيادة، وواشنطن ترى الاستقرار. لكن لا أحد يملك الصورة كاملة. وربما لهذا لا تكمن أهمية أبو الظهور في المدرج الذي استهدفته الصواريخ، بل في الحدود التي اختبرتها تلك الصواريخ. فهل كانت الضربة تستهدف قاعدة سورية، أم كانت تختبر إلى أي مدى تستطيع إسرائيل أن تتحرك في سوريا قبل أن تقول واشنطن: كفى؟

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “واشنطن لإسرائيل: إلى أين تذهبين؟

  1. هناك من تحركها الجغرافيا، وهناك ما تحركها الاستراتيجية الأمنية. غير أن من تحركها هذه الأخيرة يرى كل من لا يسانده، خطرا بالضرورة وإن كان على وهم. لذا لا يثق سوى في تقنية القوة التدميرية الاستباق، بغض النظر عن سردية أمم منظمة الأمم المتحدة على حماية قيمتها من الكعكة، في إطار من صراع القوى.

  2. أمريكا لا تريد الاستقرار !
    أمريكا تريد من دول الشرق الأوسط، عدا إسرائيل، الخضوع المطلق لإرادتها. إن أرادت إستقرارا في المنطقة، ففقط تحت هيمنتها.
    أمريكا تتعاطف مع إسرائيل أيضا في اعتدائها على مناطق سورية ولا تحتج فعليا ولن تعاقب إسرائيل على ضرباتها لأن أمريكا تفضل هيمنة إسرائيل في مناطق سورية على تدخل تركيا هناك. إذا إسرائيل تخدم مصالح أمريكا على طول الخط. وكل ادعاء يظهر مفارقة في السياسات الاستراتيجية بين عنف القوتين هو نفاق بديهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *