بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان-المغرب
من بركان إلى ألميريا.. حكاية شاب غادر الوطن بحثا عن مستقبل أفضل، فعاد إليه في نعش لم تكن الأسرة تتخيل أن الرحلة التي بدأت بحلم، ستنتهي بهذه الفاجعة. ولم تكن الأم، التي تحملت أعباء الديون أملا في أن ترى ابنها يحقق مستقبلا أفضل، تتوقع أن يكون آخر ما تنتظره منه هو خبر وفاته بعيدا عن الوطن. إنها حكاية الشاب المغربي محمد اليعقوبي، ابن مدينة بركان، الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وغادر أرض الوطن بحثا عن فرصة للحياة وتحسين أوضاع أسرته. اختار طريق الهجرة عبر الجزائر، مثل كثير من الشباب الذين تدفعهم قسوة الظروف وضيق الأفق إلى خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر، أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى وبناء مستقبل طالما حلموا به. وصل محمد إلى مدينة ألميريا جنوب إسبانيا، لكن الحلم الأوروبي الذي حمله معه لم يتحول إلى واقع. فبدلا من أن يعود إلى أسرته حاملا أخبار النجاح والاستقرار، وجدته أسرته في النهاية جثة داخل غرفته، في ظروف أثارت الكثير من الأسئلة والغموض. نُقلت جثته لإخضاعها للتشريح الطبي من طرف الشرطة، وسُلّم تقرير طبي بشأن أسباب الوفاة إلى أحد أفراد الأسرة، فيما بقيت الفاجعة أكبر من قدرة العائلة على استيعابها. شاب غادر بلده حاملا أحلامه وأحلام والدته وإخوته، فعاد خبرا حزينا ونعشا ينتظر طريق العودة إلى مسقط الرأس.
أمّ دفعت ثمن الحلم.. ولم تر ثماره
خلف هذه المأساة قصة أخرى لا تقل ألماً: قصة أم تحملت أعباء الديون التي تكبدتها الأسرة من أجل سفر ابنها، وهي تراهن على أن يكون ذلك السفر بداية لتحسن وضع الأسرة الفقيرة. كانت تنتظر أن ترى ابنها واقفا على قدميه، قادرا على مساعدة أسرته وتحقيق ما عجزت الظروف عن تحقيقه. كان محمد بالنسبة إليها أكثر من ابن؛ كان أملاً معلقاً عليه الكثير من التطلعات، ووعدا بمستقبل أفضل لإخوته وأخواته. لكن الحلم انطفأ قبل أن يكتمل. رحل محمد غريبا، بعيدا عن أسرته، ودون أن يمنح والدته الفرصة التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر: أن تراه ناجحا، وأن تشعر أن كل ما تحملته من مشقة وديون لم يذهب سدى. وبعد الوفاة، وجدت الأسرة نفسها أمام معاناة جديدة: كيف تعيد جثمان ابنها إلى أرض الوطن؟ وكيف تتحمل تكاليف نقل الجثمان، وهي أسرة أنهكتها أصلاً تكاليف الهجرة وما ترتب عنها من ديون؟
آخر أمنية للأم: أن يدفن ابنها في بركان
لم تعد الأسرة تطلب المستحيل. لقد تقلص الحلم الكبير إلى أمنية بسيطة ومؤلمة: أن يعود محمد إلى أرض الوطن، وأن يوارى الثرى في إحدى مقابر مدينة بركان، بين أهله وذويه. غير أن تكاليف نقل الجثمان ظلت عبئاً ثقيلاً على أسرة محدودة الإمكانات، لتجد الأم نفسها أمام فاجعة مزدوجة: فقدان ابنها، والعجز عن توفير شروط عودته إلى الوطن. وفي مثل هذه اللحظات الإنسانية القاسية، لا ينبغي أن يشعر المواطن المغربي، حياً كان أو ميتا، بأنه متروك لمصيره بعيدا عن بلده.
بين التعليمات والواقع.. أين تكمن المشكلة؟
تؤكد التوجيهات الرسمية المغربية، في أكثر من مناسبة، على ضرورة تحسين الخدمات المقدمة للمغاربة المقيمين بالخارج، والتعامل مع قضاياهم بما يليق بمكانتهم وبمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها. ومن هذا المنطلق، فإن قضية محمد اليعقوبي تستحق تعاملا سريعا وهادئا ومسؤولا، بعيدا عن المزايدات، وبعيدا أيضا عن تحويل مأساة أسرة مكلومة إلى مادة للصراع أو التشكيك. لقد بادرت شخصياً إلى التواصل مع جهات في وزارة الخارجية، وتم تزويدها بكل المعطيات المتعلقة بالملف، انطلاقا من واجب إنساني قبل أن يكون موقفا إعلاميا. غير أن ما يصل من الأسرة بشأن صعوبة المساطر، وغياب التفاعل بالسرعة المطلوبة مع ملف نقل الجثمان، يطرح سؤالا مشروعا حول مدى فعالية التنسيق بين مختلف المتدخلين، ولا سيما على مستوى القنصلية المغربية بألميريا والجهات المكلفة بملفات نقل جثامين المغاربة المتوفين بالخارج. والأكثر إيلاما أن يضطر أفراد من أسرة الفقيد إلى اللجوء إلى أحد المساجد وطلب التبرعات للمساهمة في تكاليف نقل الجثمان، في وقت يفترض فيه أن تكون مثل هذه الحالات الإنسانية موضع مواكبة مؤسساتية واضحة وسريعة. ولا يتعلق الأمر هنا بمنع مبادرات التضامن الشعبي، فهي قيمة أصيلة لدى المغاربة، وإنما يتعلق بالسؤال الأهم: هل ينبغي أن تصل أسرة فقيرة إلى مرحلة طلب التبرعات حتى تتمكن من إعادة جثمان ابنها إلى وطنه؟
نداء إلى القنصلية.. وإلى كل من يستطيع التدخل
إن النداء اليوم ليس موجهاً ضد مؤسسة بعينها، ولا يراد منه الانتقاص من الجهود التي تبذلها وزارة الخارجية أو موظفوها في مختلف أنحاء العالم. بل العكس تماما. إن الحفاظ على صورة المغرب لدى مغاربة العالم يمر أيضا عبر سرعة التدخل في مثل هذه الملفات الإنسانية، لأن المواطن لا يقيس الدولة فقط بما تقوله المؤسسات، وإنما بما يلمسه من تضامن ومواكبة عندما يكون في أضعف حالاته. ومن هنا، فإننا نوجه نداء عاجلا إلى القنصلية المغربية بألميريا، وإلى كل المصالح المختصة، من أجل متابعة ملف المرحوم محمد اليعقوبي بكل الجدية والسرعة اللازمتين، وتذليل العراقيل أمام إعادة جثمانه إلى أرض الوطن، حتى يتحقق آخر حلم لوالدته: أن تحتضن أرض بركان ابنها للمرة الأخيرة. كما أن هذه القضية تستحق، في تقديري، أن تكون مناسبة لإعادة النظر في طريقة تدبير مثل هذه الملفات، وتبسيط المساطر المتعلقة بنقل جثامين المغاربة المتوفين بالخارج، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأسر تعاني الهشاشة والعجز المالي.

لا نريد أن يحل التضامن محل الدولة
التضامن بين المغاربة في المهجر ظاهرة تستحق كل الاحترام والتقدير، والمساجد والجمعيات وأفراد الجالية كثيرا ما يقدمون نموذجا مشرفا في الوقوف إلى جانب المحتاجين. لكن التضامن يجب أن يكون سندا للمؤسسات، لا بديلا عنها. والدولة المغربية، بما لها من مؤسسات وتمثيليات دبلوماسية وقنصلية، مطالبة بأن تجعل المواطن المغربي يشعر بأنه ليس وحيدا في الخارج، وأن كرامته لا تتوقف عند حدود الوطن. فإذا كان من حق المواطن أن يحظى بالعناية والمواكبة وهو حي، فمن باب أولى أن تصان كرامته حين يفارق الحياة، وأن تجد أسرته من يقف إلى جانبها في تلك اللحظة التي يصبح فيها الألم أكبر من كل الكلمات. محمد اليعقوبي لم يحقق حلمه. لكنه يستحق على الأقل أن يتحقق آخر أحلام أمه. أن يعود إلى بركان. أن يوارى الثرى بين أهله. وأن تغلق أسرته صفحة هذه المأساة بما يليق بكرامة شاب مغربي رحل في مقتبل العمر، بعيدا عن وطنه، بعدما غادره بحثا عن حياة أفضل. تعازينا الصادقة لعائلة الفقيد، ولأمه المكلومة، سائلين الله أن يرزقهم الصبر والسلوان، وأن تتكلل الجهود بإعادة جثمان ابنهم إلى أرض الوطن في أقرب الآجال.
📲 Partager sur WhatsApp