بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الصورة السياسية بريئة كما تبدو. فحين يظهر رئيس دولة على دراجة مائية، مرتديا سترة نجاة ونظارات شمسية، يقطع صفحة البحر كأنه يشق طريقا في صخر التاريخ، فالمشهد لا ينتمي تماما إلى عالم العطلة. السياسة الحديثة لا تكتفي بأن تحكم، بل تريد أيضا أن ترى وهي تحكم، وأن تصنع لنفسها جسدا يسبق خطابها، وملامح تختصر ما تعجز مئات الصفحات عن قوله. من هنا يمكن قراءة الصور الأخيرة لإيمانويل ماكرون، لا بوصفها مجرد نزوة بصرية لرئيس يستمتع بالصيف، بل بوصفها حلقة في اقتصاد سياسي أوسع للصورة: اقتصاد تتحول فيه العضلة إلى استعارة للقدرة، والسرعة إلى استعارة للحسم، والجلد العاري إلى استعارة للصلابة، و«الرجل» إلى مسرح رمزي تستعرض فوق خشبته السلطة قدرتها على الإمساك بعالم يتداعى من بين أصابعها. المسألة، إذن، ليست أن ماكرون «رجل عضلات»، ولا أن كل صورة رياضية هي بالضرورة بيان ايديولوجي. المسألة أعمق: ماذا يحدث عندما تبدأ السلطة السياسية في استعارة قاموس الجسد القوي لكي تتحدث عن نفسها؟
منذ سنوات، تتكرر في صورة ماكرون ملامح تنتمي إلى ما يسميه علماء الاجتماع «الذكورة المهيمنة»: القوة، الشجاعة، التحكم، القدرة على المواجهة، والظهور بمظهر الرجل الذي لا تهزه الرياح. مرة أمام كيس الملاكمة، ومرة في ملعب كرة القدم، ومرة في صورة بحرية صاخبة، ومرة عبر لغة «الحديث بين رجل ورجل». قد تبدو هذه الصور منفصلة، لكن السياسة لا تبني معناها من الصور المفردة، بل من تراكمها. الصورة الواحدة قد تكون صدفة؛ أما السلسلة فتتحول إلى خطاب. وهنا تكمن براعة الاتصال السياسي المعاصر: لا يقول لك الرئيس «أنا قوي»، بل يجعلك ترى القوة وهي تتحرك أمام عينيك. لا يعلن السيطرة، بل يركبها. لا يشرح الصلابة، بل يجعل الكاميرا تقوم بالمهمة. الجسد يصبح، في هذه الحالة، خطابا سياسيا صامتا. وكلما تراجعت قدرة اللغة الرسمية على منح المواطنين شعورا باليقين، ازدادت قيمة الجسد بوصفه دليلا حسيا على القدرة. كأن السلطة تقول: إذا كان العالم غارقا في الفوضى، فانظروا إلى هذا الجسد؛ ما زال واقفا.
هنا يجب الحذر من القفز السريع من «الفيـرالية» إلى «الماسكيولينية» أو «الذكورية السياسية». ليس كل استعراض للرجولة ماسكيولينية منظمة، وليس كل رجل يستثمر صور القوة عضوا في مشروع مناهض للنساء. فالماسكيولينية، بالمعنى السياسي والاجتماعي الدقيق، تشير إلى منظومات أكثر تنظيما، ترتبط في كثير من أشكالها بالدفاع عن امتيازات الرجال وبمواجهة الخطابات النسوية والمساواة الجندرية. أما الفيريلية، فهي شيء آخر: إنها تضخيم لبعض رموز الرجولة وتحويلها إلى لغة للهيبة والقدرة والهيمنة. لكن الفصل بين الاثنين لا يعني أن الأول بلا آثار سياسية. فالسلطة لا تحتاج دائما إلى اعتناق ايديولوجيا كاملة كي تساهم في تطبيع مخيلتها. يكفي احيانا أن تستعير رموزها، وأن تجعلها تبدو مألوفة، أنيقة، جذابة، أو حتى مرحة. وهنا تكمن المفارقة: قد لا يكون الرئيس ماسكيولينيا، لكنه يستطيع أن يستعمل المسرح نفسه الذي تتغذى منه بعض المخيلات الماسكيولينية.
يقدم عالم الاقتصاد الاجتماعي غيوم فاليه، في قراءته لظاهرة «تصنيع العضلات»، مفتاحا بالغ الأهمية: وراء العضلة فكرة النظام. وهذه ربما هي النقطة الأكثر عمقا في الحكاية كلها. لماذا يزداد افتتان السياسة المعاصرة بالجسد الرياضي في لحظة تاريخية يزداد فيها العالم اضطرابا؟ لأن العضلة تمنح العين ما لا تمنحه المؤسسات: وعدا بصريا بالسيطرة. الدولة قد تبدو عاجزة أمام حرب، أو أزمة اقتصادية، أو وباء، أو موجة حر، أو غضب اجتماعي، أو عالم رقمي لا يمكن ضبطه. لكن الجسد القوي يظل قابلا للتصوير. يمكن قياسه، إبراز عضلاته، وضعه في وضعية هجومية، وجعله يركض ويضرب ويقود. في عالم تتبخر فيه فكرة التحكم، يصبح الجسد آخر قطعة من اليقين. إنها مفارقة العصر: كلما ازداد العالم استعصاء على السيطرة، ازداد الطلب على صور السيطرة. ولهذا لا ينبغي الاستهانة بصورة الرئيس على الدراجة المائية. البحر، في هذه اللقطة، ليس مجرد بحر. إنه مسرح طبيعي مثالي للسيادة: جسد واحد، آلة واحدة، سرعة، ماء ينفجر خلفه، وأفق مفتوح. إنها صورة تكاد تقول من دون كلام: العالم يتحرك بسرعة، وأنا أيضا.
هذه الظاهرة ليست فرنسية ولا ماكرونية خالصة. فقد أدرك سياسيون في بلدان مختلفة أن الجسد يمكن أن يتحول إلى بطاقة انتخابية. فلاديمير بوتين، مثلا، بنى على مدى سنوات صورة الرجل القادر على الصيد والرياضة وفنون القتال والمغامرة في الطبيعة. ولم تكن الرسالة الخفية معقدة: الرجل الذي يستطيع السيطرة على جسده يستطيع، رمزيا، السيطرة على الدولة. وهنا تلتقي السياسة بصناعة المحتوى. فالجمهور الشاب، الذي يعيش على الصورة القصيرة والفيديو العمودي واللقطة التي لا تحتاج إلى ترجمة، قد يتفاعل مع صورة العضلات أسرع من تفاعله مع خطاب عن السياسة النقدية أو البنية المؤسسية للدولة. لقد أصبحت صالة الرياضة، بهذا المعنى، مختبرا جديدا للشرعية الرمزية. العضلة تقول: الانضباط. الانضباط يقول: القدرة. والقدرة تتحول، في المخيال السياسي، إلى أهلية للحكم. إنها سلسلة منطقية ليست صحيحة بالضرورة، لكنها شديدة الفاعلية بصريا.
لكن ثمة شيئا أكثر إثارة للاهتمام: ما الذي تخفيه هذه الصور؟ كل استعراض للقوة يطرح، في عمقه، سؤالا عن الخوف من الضعف. فالجسد القوي لا يصبح رمزا سياسيا إلا في مجتمع يشعر، بدرجة ما، بأن الأرض تحته لم تعد ثابتة. ربما لهذا تبدو «الرجولة السياسية» أكثر إغراء في أزمنة القلق. عندما يصبح المستقبل غائما، تنجذب المخيلة الجماعية إلى شخصية تبدو حاسمة، صلبة، غير مترددة. لكن الديمقراطية في جوهرها ليست صالة كمال أجسام. الديمقراطية لا تحتاج إلى رئيس يبدو غير قابل للكسر، بل إلى مؤسسات قادرة على الاعتراف بالحدود، وإلى سلطة تستطيع أن تقول «لا أعرف»، و«أخطأت»، و«نحتاج إلى الاستماع». وهنا يبدأ التوتر الحقيقي بين صورة القوة ومنطق الحكم الديمقراطي. فالقائد الذي لا يظهر إلا وهو منتصر، قوي، سريع، رياضي، محاط برجال مثله، قد يربح معركة الصورة، لكنه يخاطر بأن يجعل الضعف الإنساني نفسه يبدو عيبا سياسيا. والحقيقة أن الاعتراف بالهشاشة ليس نقيضا للقوة. أحيانا يكون أعلى أشكالها.
حين تستعمل السلطة تعبيرات من قبيل «حديث رجل إلى رجل»، فإنها لا تقدم مجرد طريقة في الكلام. إنها تستدعي تراثا كاملا من الشرعية الاجتماعية: الرجل يتفاوض مع الرجل، الرجل يفهم الرجل، الرجل يحسم الأمور في الغرفة المغلقة. لكن الديمقراطية الحديثة نشأت، في جزء كبير منها، على تفكيك هذه الأبواب المغلقة. فحين يصبح «الرجل» هو وحدة الثقة السياسية، يخرج من المشهد، رمزيا، كل من لا ينتمي إلى هذا النموذج. لا تعود المسألة تتعلق بجنس المتحدث فقط، بل بمن يملك حق إنتاج الحقيقة، ومن يملك حق أن يكون جديرا بالثقة، ومن يملك حق الجلوس إلى الطاولة. وهنا تصبح عبارة صغيرة مثل «حديث رجل إلى رجل» أكثر خطورة مما توحي به خفتها اللغوية. إنها تعيد، ولو رمزيا، بناء غرفة سياسية لا تدخلها إلا لغة معينة وجسد معين ونموذج معين للسلطة.
من الخطأ تحويل هذه القراءة إلى تشخيص نفسي لماكرون، أو إلى اتهام مباشر له بتبني مشروع ماسكيوليني منظم. المعطيات المذكورة لا تكفي لهذا الاستنتاج. الأكثر دقة هو القول إن ماكرون يتحرك داخل مناخ ثقافي يزداد فيه الطلب على صور القوة، وأنه، مثل سياسيين آخرين، يستعير من هذا المناخ مفرداته البصرية والجسدية. وهنا بالذات تصبح المسألة سياسية. لأن السياسي لا يصنع الجمهور وحده؛ الجمهور أيضا يعيد تشكيل السياسي. ماكرون لا يخلق من الصفر عالم العضلات، لكنه يعرف أن هذا العالم موجود. يعرف أن هناك جمهورا شابا يتابع الرياضيين والمؤثرين ومحتوى الجسد والانضباط الشخصي. ويعرف أن السياسة لم تعد تنافس السياسة فقط، بل تنافس الترفيه والرياضة والمنصات الرقمية على الانتباه. لذلك لم تعد الصورة السياسية مجرد نافذة على السلطة. لقد أصبحت جزءا من السلطة نفسها.
ربما نحن أمام تحول أعمق من قصة ماكرون. لقد خرج الجسد من كونه مسألة شخصية ودخل إلى قلب السياسة. الرئيس لا يكتفي بأن يكون قائدا؛ عليه أن يبدو قائدا. ولا يكفي أن يكون قادرا على اتخاذ القرار؛ عليه أن يجسد القرار في وقفته ومشيته وملابسه ورياضته وحتى في طريقة ظهوره أمام البحر. وهكذا تتحول الجمهورية شيئا فشيئا إلى مسرح، ويصبح الجسد أحد أهم ديكوراتها. لكن المسرح السياسي له ثمن. حين يصبح الجسد القوي معيارا للقيادة، يصبح الجسد الضعيف، المتعب، المتردد، المسن، المختلف، أو غير المطابق للصورة السائدة، أقل قابلية للتمثيل. وهنا تتسلل الايديولوجيا من الباب الخلفي للصورة. لا أحد يقول صراحة إن القوة البدنية شرط للحكم. لكن كثرة الصور التي تجعل القوة الجسدية رمزا للقدرة السياسية قد تجعل العين تعتاد على الربط بينهما. وهذه هي قوة الدعاية الحديثة: لا تحتاج إلى أن تقنعك بفكرة؛ يكفيها أحيانا أن تجعلك ترى العالم بالطريقة التي تريدها، مرة بعد مرة.
ليست المشكلة في أن يمارس رئيس الرياضة. وليست المشكلة في أن يستمتع بالبحر. وليست المشكلة حتى في أن يبدو قويا. المشكلة تبدأ عندما يتحول الجسد من مساحة شخصية إلى لغة سياسية وحيدة تقريبا، وعندما تصبح القوة الجسدية استعارة متكررة للقوة السيادية. عندها لا تعود الدراجة المائية مجرد دراجة مائية. ولا يصبح كيس الملاكمة مجرد كيس ملاكمة. ولا يكون «حديث رجل إلى رجل» مجرد عبارة عابرة. كلها شظايا من صورة أكبر: سلطة تريد أن تراها العين قبل أن تسمعها الاذن. وفي زمن يشعر فيه الناس بأن العالم يفلت من قبضتهم، يصبح السياسي الذي يجسد السيطرة مغريا على نحو خطير. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن أكثر الصور بريقا قد تكون أحيانا أكثرها خداعا. فالعضلة تستطيع أن ترفع الأثقال، لكنها لا تستطيع وحدها أن ترفع دولة. والقبضة تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع أن تبني شرعية. والجسد يستطيع أن يعبر البحر بسرعة، لكنه لا يستطيع أن يوقف العاصفة. لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي خلف صورة ماكرون على الدراجة المائية ليس: «هل الرئيس ماسكيوليني؟» بل سؤال أكثر قسوة: لماذا تحتاج السلطة، في عصر هش ومضطرب، إلى أن تستعير من الجسد وعدا بالسيطرة؟ فحين يصبح العضلات خطابا، لا يعود السؤال عن حجم العضلة، بل عن حجم الخوف الذي يقف خلفها. وحين تصبح الرجولة زينة للسلطة، قد يكون علينا أن نسأل: أي نوع من الديمقراطية نريد أن نراه حين تنطفئ الكاميرات؟ لأن الديمقراطية التي تحتاج دائما إلى أن تبدو قوية قد تكون، في مكان ما، قد بدأت تخشى أن تظهر وهي تفكر، وتتردد، وتستمع. وهنا بالضبط تكمن المفارقة الكبرى: كلما ارتفعت قيمة العضلة في صورة السلطة، ازداد إلحاح السؤال عن قوة المؤسسات التي لا تظهر في الصورة.
📲 Partager sur WhatsApp
الجسد في أفق الأنطولوجيا، ليس شيئا مثل باقي الأشياء، أو يقاس بأبعاده الفيزيائية والبيولوجيا فقط، بل هو كيان بحضور شيءية تشي بالمعنى والرمز. الجسد بهذا المعنى أسلوب في السكن والتواصل والإقامة. الجسد عالم تتداخل فيه أبعاد دلالية سيمياءية معقدة. غمزة أو إيماءة منه لغة بلورية تقتضي فهم المعنى وما تعنيه….من هنا يوظف هذا الكيان مختلف عناصره أثناء التواصل…