بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
لم تخطئ واشنطن في تقدير حجم العقوبات التي تستطيع فرضها على إيران، بقدر ما أخطأت في تقدير ما الذي يمكن أن تفعله العقوبات بالزمن. فالاقتصاد الايراني لم يعش نصف قرن تحت الضغط بوصفه حادثا استثنائيا؛ لقد أعاد، بالتدريج، بناء جزء من منطقه الداخلي على افتراض أن الضغط دائم، وأن الانفتاح قابل للانقطاع، وأن الاعتماد على الخارج قد يتحول في لحظة الى نقطة ضعف استراتيجية. هنا يبدأ سوء الفهم. الغرب نظر الى العقوبات كسلاح اقتصادي. إيران تعلمت أن تنظر إليها كـ بيئة استراتيجية. وبين السلاح والبيئة مسافة تصنعها عقود من الخبرة. العقوبات تستطيع أن تخفض العملة، وتقلص الاستثمار، وتخنق القنوات المصرفية، وتزيد كلفة التجارة، وتضغط على مستوى المعيشة. وهي فعلت ذلك بالفعل. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول السؤال من «هل تؤلم العقوبات إيران؟» الى «هل تستطيع العقوبات إجبار إيران على تغيير خياراتها الكبرى؟». هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدا.
اقتصاد لا يعيش على الكفاءة وحدها
الاقتصاد الطبيعي يبحث عن الكفاءة. أما الاقتصاد المحاصر فيبحث أولا عن القدرة على البقاء. ولهذا طورت إيران، على مدى عقود، شبكة من البدائل: إنتاج محلي حيث يمكن، تنويع للشركاء، مسارات تجارية غير مباشرة، ترتيبات مالية خارج القنوات الغربية، واعتماد أكبر على الجوار الاسيوي والاوراسي. ليست هذه منظومة مثالية. بل على العكس، كلفتها مرتفعة، وتنتج تشوهات وفسادا واقتصادا ظل وتفاوتا اجتماعيا. لكنها تحقق هدفا مختلفا عن هدف الاقتصاد الليبرالي التقليدي: أن تبقى الدولة قادرة على العمل حتى عندما يصبح الوصول الى النظام المالي الغربي مكلفا أو مستحيلا. وهنا تكمن المفارقة. قد تجعل العقوبات الاقتصاد أقل كفاءة، لكنها قد تجعله، في بعض جوانبه، أقل اعتمادا على مصدر واحد للقوة. إنها لا تبني اقتصادا مزدهرا بالضرورة. لكنها قد تبني اقتصادا يعرف كيف يتنفس في غرفة ضيقة.
البازار ليس مجرد سوق
لفهم إيران، يجب النظر الى البازار باعتباره جزءا من تاريخ طويل للوساطة والثقة والشبكات التجارية. لكن الاقتصاد الايراني الحديث أكبر من البازار بكثير. إنه خليط معقد من الدولة، والقطاع الخاص، والمؤسسات شبه الحكومية، والشركات المرتبطة بمراكز القوة، والوسطاء، وشبكات التجارة العابرة للحدود. هذه البنية تمنح النظام قدرة على توزيع المخاطر. العقوبات تحتاج الى أهداف محددة. أما الاقتصاد الموازي فيعيش على الحركة بين الاهداف. شركة تتغير.وسيط يختفي. سفينة تعيد تسجيل نفسها. مسار تجاري يتبدل. وبنك يخرج من الواجهة لتحل محله ترتيبات أخرى. لهذا تبدو المعركة أحيانا وكأنها مطاردة ظل: واشنطن تحاول تثبيت الهوية القانونية للفاعل، بينما يتغذى الطرف الآخر على سيولة الهوية. إنها حرب بين نظام يريد أن يجعل الاقتصاد قابلا للرصد، ونظام تعلم أن الغموض نفسه يمكن أن يصبح أداة للبقاء.
«اقتصاد المقاومة»: عندما تصبح العقوبات جزءا من العقيدة
الأكثر أهمية من شبكات التهريب والتحايل هو التحول الفكري. مع صعود مفهوم «اقتصاد المقاومة»، لم تعد العقوبات مجرد اعتداء اقتصادي ينبغي الالتفاف عليه، بل أصبحت مبررا لبناء قدرة وطنية على تقليل الاعتماد الخارجي. وهنا تتحول العقوبة الى معلم. كل موجة ضغط تخلق تجربة. كل تجربة تنتج معرفة. وكل معرفة تتحول الى مؤسسة أو شبكة أو قاعدة سلوك. بعد نصف قرن، لم تعد طهران تتعلم كيف تواجه العقوبات من الصفر. لقد ورثت أجيالا من الخبرة. وهذا هو السبب في أن العقوبة الجديدة قد تكون أقل مفاجأة من سابقتها، حتى وإن كانت أكثر قسوة. العدو الذي يتوقع الضربة لا يتعامل معها كما يتعامل معها من لم يرها من قبل.
العقوبات لا تنتج بالضرورة المعارضة التي تريدها واشنطن
هنا يقع الخطأ السياسي الأكثر شيوعا. يفترض صانع العقوبات أن الألم الاقتصادي سيتحول تلقائيا الى ضغط سياسي على النظام. لكن المجتمع ليس آلة. يمكن للمواطن أن يكون ناقما على حكومته، وأن يرفض في الوقت نفسه أن يرى مستقبله مصمما في واشنطن. يمكنه أن يحتج داخليا وأن يرفض التدخل الخارجي. يمكنه أن ينتقد النظام وأن يرى العقوبات اعتداء على بلده. هذه الازدواجية ليست تناقضا. إنها من أكثر الظواهر السياسية واقعية. وعندما ينجح الخطاب الرسمي في نقل العقوبة من خانة «العقوبة على النظام» إلى خانة «العقوبة على الوطن»، تتحول المسألة. يصبح الصراع وطنيا. ويصبح الضغط الخارجي، paradoxically، عاملا يمكن أن يمنح السلطة مادة جديدة لإعادة إنتاج شرعيتها. ليس دائما. وليس لدى الجميع.لكن بما يكفي لجعل الرهان على الانهيار الداخلي أمرا غير مضمون.
العقوبات تصيب الاقتصاد… لكنها قد تصنع الذاكرة
هناك أثر آخر لا يظهر في الناتج المحلي ولا في ميزان المدفوعات: الذاكرة. جيل كامل من الايرانيين نشأ في عالم يعرف الولايات المتحدة من خلال العقوبات والحظر والاغتيالات والتوترات السياسية، لا من خلال التجارة والانفتاح. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الواقع جزءا من الثقافة الاستراتيجية. تترسخ فكرة أن الخارج غير مضمون. أن الاعتماد الاقتصادي قد يكون خطرا. أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى سلاح. وأن الشريك التجاري قد يصبح غدا خصما. هذه ليست دعاية فقط. إنها تجربة اجتماعية طويلة. ولهذا فإن أخطر ما تنتجه العقوبات ليس دائما الاضرار الاقتصادية المباشرة، بل إعادة تشكيل تصور الدولة لمفهوم الأمن. الدولة التي كانت تبحث عن الاندماج قد تبدأ في البحث عن الاستقلال. والدولة التي كانت تثق بالأسواق قد تبدأ في بناء الاحتياطيات. والدولة التي كانت تنظر الى الشراكة مع الغرب كفرصة قد تبدأ في رؤيتها كاحتمال للابتزاز. وهكذا تنتقل العقوبات من الاقتصاد الى الجيوبوليتيك.
الصين وروسيا والعالم الذي لم يعد له باب واحد
في عالم أحادي المركز، تكون العقوبات أكثر إحكاما. أما العالم الذي تتعدد فيه مراكز القوة، فيقدم للدولة المعاقبة مساحات حركة أكبر. الصين ليست بديلا كاملا عن الغرب. وروسيا ليست بديلا كاملا. والشبكات الأسيوية لا تستطيع محو الدور الأمريكي في النظام المالي العالمي. لكن إيران لا تحتاج إلى بديل كامل. تحتاج فقط إلى بدائل كافية. وهذا هو التحول الكبير. لم يعد السؤال: هل تستطيع إيران أن تعيش خارج النظام الغربي تماما؟ بل: هل تستطيع أن تعيش من دون أن يكون النظام الغربي هو البوابة الوحيدة التي تمر عبرها حياتها الاقتصادية؟ والجواب، بعد عقود من العقوبات، يبدو أكثر تعقيدا مما افترضته واشنطن في البداية.
النفط: حين تتحول العقوبة الى لعبة استنزاف
في النفط، تظهر الصورة بوضوح. العقوبات تستطيع رفع تكلفة التصدير، تعقيد النقل والتأمين والتمويل، ومعاقبة الوسطاء. لكن القضاء الكامل على التدفقات أكثر صعوبة عندما توجد أسواق آسيوية، ووسطاء، وشبكات نقل مرنة، ومشترون مستعدون لتحمل جزء من المخاطر مقابل أسعار مناسبة. لذلك لا تبدو الحرب النفطية كمعركة ينتصر فيها طرف مرة واحدة. إنها سباق قدرة على التحمل. واشنطن تلاحق الشبكات. إيران تعيد تشكيلها. كلما ضاقت نافذة، فتحت نافذة أخرى. وفي هذا النوع من الصراعات، يصبح الزمن عنصرا استراتيجيا. ومن يملك القدرة على تحمل السنوات قد يملك ميزة لا تظهر في البيانات الفصلية.
المفارقة الكبرى
العقوبات مصممة لتغيير سلوك الخصم. لكنها قد تغير، في المقابل، طريقة تفكير الخصم. وهذه أخطر. لأنك تستطيع رفع الكلفة على دولة. لكن تغيير عقيدتها يحتاج الى شيء آخر. تحتاج إلى مسار سياسي. تحتاج إلى مخرج. تحتاج الى صفقة يمكن للطرف الآخر أن يقدمها إلى جمهوره باعتبارها مكسبا، لا استسلاما. أما إذا أصبحت العقوبات غاية في ذاتها، فإنها قد تنتج دورة مغلقة: ضغط. ثم مقاومة. ثم مزيد من الضغط. ثم مزيد من المقاومة. حتى يصبح الطرفان أسيرين للسياسة التي بدأها أحدهما لمعاقبة الآخر. وهنا تصبح العقوبات مثل آلة تدور بسرعة، لكن من دون أن تتحرك من مكانها.
نصف قرن من الضغط: ماذا بقي من الرهان؟
بعد كل هذه العقود، لا يصح القول إن العقوبات «فشلت». هذا حكم مبسط. لقد أضرت بإيران فعلا، وفرضت عليها تكاليف هائلة، وحدت من وصولها الى التكنولوجيا والاستثمار والتمويل، وأثرت في حياة ملايين الايرانيين. لكن لا يصح أيضا القول إنها حققت الهدف السياسي النهائي الذي يفترضه البعض. إيران لم تصبح دولة مطيعة. بل أصبحت، في بعض المجالات، دولة أكثر حذرا، وأكثر اعتمادا على البدائل، وأكثر استعدادا لمواجهة نظام العقوبات باعتباره جزءا دائما من البيئة الدولية. وهنا تكمن المفارقة التاريخية. لقد أرادت واشنطن أن تجعل العقوبات إيران أقل قدرة على المقاومة. لكن إيران، عبر الزمن، جعلت المقاومة نفسها جزءا من بنيتها الاستراتيجية.
السلاح الذي يعلّم خصمه
الدرس الايراني ليس أن العقوبات عديمة الجدوى. الدرس أخطر: العقوبات لا تملك وحدها القدرة على تحديد النتيجة السياسية. يمكنها أن تؤلم. يمكنها أن تردع بعض السلوكيات. يمكنها أن ترفع تكلفة الخيارات. لكنها لا تستطيع أن تضمن أن الخصم سيتعلم الدرس الذي كتبته له. قد يتعلم درسا آخر تماما. قد يتعلم أن العالم غير آمن. أن الاعتماد على الخارج خطر. أن البدائل ضرورة. أن شبكات الظل ليست خيارا بل قدرة سيادية. وأن الصمود، بعد عقود من الضغط، ليس مجرد تكتيك بل هوية. لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه صانع القرار الامريكي في 2026 ليس: «كم عقوبة إضافية نستطيع فرضها؟» بل: «ماذا علمنا إيران خلال نصف قرن من العقوبات؟» فقد يكون من الممكن أن تجعل دولة أفقر. لكن ليس من السهل أن تجعلها أكثر طواعية. وقد تستطيع أن تغلق عليها أبوابا كثيرة. لكن إذا أمضت نصف قرن وهي تتعلم كيف تصنع مفاتيح جديدة، فإن المشكلة لم تعد في عدد الأبواب التي أغلقتها. المشكلة أن الخصم تعلم فن صناعة المفاتيح. وهنا تحديدا تتوقف العقوبات عن كونها مجرد سلاح اقتصادي، وتتحول إلى سؤال أكبر عن حدود القوة في عالم لم يعد له مركز واحد، ولا باب واحد، ولا طريق واحد نحو المستقبل. إن أخطر ما يمكن أن تفعله العقوبات بخصم طويل النفس هو ألا تكسره، بل أن تعلمه كيف يصبح أصعب كسرا.
📲 Partager sur WhatsApp