بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
كُتب الكثير عن مدينة سبتة، وعن تاريخها وتحولاتها السياسية، لكن ما ينقص، في رأيي، ليس كثرة المعلومات بقدر ما ينقص هو ترتيبها وشرحها بطريقة تجعل القارئ يرى الصورة كاملة. وأنا لا أكتب هذا المقال لأنني أستهين بذكاء القارئ، ولا لأن القارئ عاجز عن فهم التاريخ، وإنما لأن كثرة الروايات وتداخل العصور والسلطات قد تجعل سؤالا بسيطا يبدو معقدا: متى كانت سبتة تحت سلطة مغربنا؟ وكيف انتقلت من الحكم المريني إلى البرتغاليين، ثم كيف انتهت إلى الحكم الإسباني؟ من هنا جاءت رغبتي في تتبع ما يمكن أن نسميه التحول الثلاثي لسبتة: من مدينة كانت ضمن المجال السياسي للمغرب في العهد المريني، إلى مدينة دخلت تحت السيطرة البرتغالية، ثم إلى مدينة أصبحت تحت السيطرة الإسبانية. فالغاية ليست مجرد سرد تواريخ متتابعة أو تعداد الدول التي تعاقبت عليها، وإنما محاولة فهم كيف وقع هذا التحول، ومتى وقع، وفي أي سياق تاريخي وسياسي حدث، وما الذي تغيّر في كل مرحلة. هذا المقال محاولة لوضع هذه المراحل أمام القارئ في سياق واحد، وبأسلوب واضح، حتى لا تبقى سبتة مجرد اسم يتردد في كتب التاريخ أو في النقاشات المعاصرة، بل تصبح قصة تاريخية يمكن تتبع بدايتها ومحطاتها وتحولاتها: من المغرب، إلى البرتغال، ثم إلى إسبانيا.
هناك, قارئي العزيز, مدن تسقط في الحرب، ثم ينتهي خبرها. وهناك مدن لا تسقط وحدها، بل يسقط معها عصر كامل، ويولد من بين حجارتها عصر آخر. سبتة واحدة من هذه المدن. مدينة صغيرة في حجمها، هائلة في معناها؛ كأن الجغرافيا اختارت أن تضع أصبعها على موضع بالغ الحساسية من جسد العالم، ثم قالت للتاريخ: هنا ستتصارع القارات. في 21 غشت 1415، ظهرت السفن البرتغالية أمام سبتة. لم يكن البحر يومها يعرف أنه يحمل أكثر من جيش. كان يحمل، من حيث لا يدري ركاب السفن جميعا، بذرة عصر جديد. عصر ستتحول فيه البحار من حواجز إلى طرق، والجزر إلى مختبرات، والموانئ إلى مخالب، والخرائط إلى مشاريع إمبراطورية. كان ذلك اليوم بداية التوسع البرتغالي في شمال إفريقيا، وقد ارتبط بسقوط سبتة لاحقا بمشروع التوسع البرتغالي الأطلسي الذي سيقود، خلال العقود التالية، إلى مسارات جديدة على سواحل إفريقيا والمحيط الأطلسي. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة هو: لمن كانت سبتة حين دخلها البرتغاليون؟
قبل أن تصبح سبتة برتغالية… كانت مغربية
هذه الحقيقة ينبغي أن تبقى في صدر الحكاية، لا في هامشها. فسبتة لم تكن مدينة إسبانية انتزعها البرتغاليون من الإسبان. ولم تكن مدينة أوروبية ضائعة على الضفة الإفريقية. عندما جاء البرتغاليون سنة 1415، كانت سبتة تحت الحكم المغربي في عهد الدولة المرينية. أي أن المسار التاريخي الذي ينبغي ألا يطمس هو: سبتة المغربية ثم الغزو البرتغالي وقرون من الحكم البرتغالية, بعدها التحول إلى الحكم الإسباني. وهنا تبدأ غرابة القصة. فالمدينة لم تنتقل من المغرب إلى إسبانيا بضربة سيف واحدة. لقد انتقلت أولا من السيادة المغربية إلى البرتغالية، ثم دخلت بعد ذلك في واحدة من أكثر ألعاب السياسة الأوروبية التواء، حتى وجدت نفسها في النهاية تحت التاج الإسباني. وكأن سبتة كانت كرة صغيرة على رقعة شطرنج، لكن الرقعة نفسها كانت تمتد من إفريقيا إلى أوروبا.

لماذا سبتة؟
لأن الجغرافيا أحيانا تكتب التاريخ بمدادها. لننظر إلى الخريطة. سنجد إفريقيا تكاد تلمس أوروبا. المضيق ضيق، والبحر يبدو كأنه شقّ أزرق في صخرة العالم. وفي هذا الشق تقف سبتة. مدينة عند عنق البحر. ومن يملك مدينة كهذه لا يملك حجارة وأسوارا فقط، بل يملك موضعا يستطيع من خلاله أن يراقب طرق الملاحة، ويتصل بالتجارة، ويقيم قاعدة عسكرية، ويقترب من إفريقيا خطوة أخرى. وكانت سبتة ميناء مهما تصل إليه بضائع مرتبطة بشبكات التجارة الصحراوية وعبر المتوسط، ولذلك كان لها وزن اقتصادي واستراتيجي في الحسابات البرتغالية. وتذكر الدراسات المتخصصة أن الدوافع وراء الحملة لم تكن عسكرية فقط؛ فقد كان العامل الاقتصادي والتجاري أحد أبرز التفسيرات لسقوط المدينة. ولهذا لم يكن البرتغاليون ينظرون إلى سبتة كمدينة وحسب. كانوا يرون فيها مفتاحا. والمفتاح لا يهم بسبب حجمه. بل بسبب الباب الذي يستطيع فتحه.
1415: حين طرق البرتغاليون باب إفريقيا
في ذلك الصيف، عبرت القوات البرتغالية المضيق. وسقطت سبتة. ومنذ تلك اللحظة أصبحت المدينة قاعدة برتغالية في شمال إفريقيا، وبدأت معها مرحلة جديدة من التوسع البرتغالي وراء البحر. لكن من الخطأ أن نتخيل أن أوروبا كانت كتلة واحدة جاءت إلى المغرب. لم تكن هناك «إسبانيا» الموحدة بالمعنى السياسي الحديث. كانت هناك ممالك إيبيرية تتنافس وتتقاطع مصالحها: البرتغال، وقشتالة، وأراغون، وغيرها. وكانت البرتغال، الخارجة من صراعاتها داخل شبه الجزيرة الإيبيرية، تبحث عن مجال جديد للمغامرة. فإذا كان المجال الأوروبي مزدحما بالمنافسين، فلماذا لا يُفتح الباب جنوبا؟ إلى إفريقيا. وهكذا تحولت الضفة الجنوبية للمتوسط من جار قريب إلى مجال للطموح. وهنا تكمن أهمية سبتة. لقد كانت إحدى اللحظات التي بدأ فيها الأوروبيون يختبرون فكرة جديدة: أن البحر لا يفصل الإمبراطورية عن العالم، بل يمكن أن يكون الطريق الذي تصنع به الإمبراطورية نفسها.
ومن سبتة بدأ البحر يتغير
لم تكن سبتة وحدها نهاية الحكاية. بل كانت من بداياتها الكبرى. فبعدها واصلت البرتغال بناء وجودها في شمال إفريقيا وعلى السواحل الأطلسية الإفريقية، ثم توسعت رحلاتها جنوبا على طول الساحل الإفريقي، قبل أن تصل الملاحة البرتغالية لاحقاً إلى رأس الرجاء الصالح ثم المحيط الهندي. مرة أخرى، لا ينبغي أن نحول التاريخ إلى سلسلة ميكانيكية تقول: «سقطت سبتة، فحدثت كل الأشياء التالية بسببها». لكن سبتة كانت بالفعل علامة مبكرة ومفصلية في مسار الإمبراطورية البرتغالية، وبدايةً رسمية للتوسع البرتغالي في شمال إفريقيا. كان الحجر الأول قد وضع. وبعده بدأ الجدار.
لكن في مكان آخر من الأطلسي كانت مأساة أخرى تتشكل
لنغادر سبتة قليلا، وننظر إلى الغرب. إلى جزر الكناري. هناك كانت تعيش مجتمعات أصلية ذات جذور شمال إفريقية، ارتبطت تاريخيا وثقافيا بالمجال الأمازيغي لشمال غرب إفريقيا. ثم بدأ الغزو الأوروبي للجزر. واستمر قرابة قرن، من 1402 إلى 1496. وهناك جرى شيء يتجاوز مفهوم «الفتح» التقليدي. فقد رافق الغزو القتل والاسترقاق والترحيل ومصادرة الأراضي، وأخذ الأطفال، والعنف، والأمراض، ثم إعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد والثقافة وفق النظام الاستعماري الجديد. ودمّرت المجتمعات الأصلية بوصفها كيانات سياسية وثقافية مستقلة. وهنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يصح أن نقول ببساطة إن إبادة الكناري هي «أول إبادة في تاريخ البشرية». ذلك غير صحيح تاريخيا. لكن هناك معنى أكثر تحديدا وأشد أهمية: فالمؤرخ محمد أضحيكري وصف تدمير المجتمعات الأصلية في الكناري بأنه أول إبادة استعمارية استيطانية أوروبية وراء البحار في العصر الحديث، بينما يضع كتاب Cambridge World History of Genocide هذه التجربة في سياق نشأة الاستعمار الاستيطاني الأوروبي، ويرى فيها مقدمة ومجالا للتعلم الاستعماري الذي سيظهر لاحقا في جزر الكاريبي والأمريكتين. وهذا هو الجزء الأكثر رعبا في الحكاية. لأن الكناري لم تكن مجرد مأساة محلية. كانت، في قراءة عدد من المؤرخين، مختبرا استعماريا. هناك جُرّبت آليات السيطرة على الأرض. هناك صار الإنسان الأصلي موضوعاً للاستعباد والترحيل. هناك انتزعت الأراضي. هناك أعيد تشكيل المجتمع. وهناك تعلمت القوى الاستعمارية كيف يمكن تحويل مجتمع كامل إلى شيء آخر. ثم عبرت الخبرة الأطلسية إلى العالم الجديد. كأن الكناري كانت مسودة دامية لكتاب سيكتب لاحقا على قارات أخرى.
ومن هنا نفهم العلاقة بين سبتة والكناري
قد تبدو المدينتان بعيدتين. لكن انظر إلى الخريطة مرة أخرى. سبتة عند بوابة المتوسط. والكناري في الأطلسي قبالة الساحل الإفريقي. وبينهما يتشكل منطق جديد: السيطرة على الميناء، ثم السيطرة على الجزيرة، ثم السيطرة على الطريق، ثم السيطرة على الأرض، ثم إعادة تشكيل الإنسان الذي يسكنها. لم يعد البحر مجرد فضاء للملاحة. صار فضاء للإمبراطورية. وهذه هي النقلة الحضارية الكبرى التي تجعل القرن الخامس عشر أكثر من مجرد قرن من الحروب الأوروبية. إنه القرن الذي بدأت فيه أوروبا الإيبيرية تتعلم كيف تجعل المحيطات جزءا من مشروعها السياسي والاقتصادي والعسكري.
وهنا نعود إلى المدينة. فالبرتغال لم تحتل سبتة سنة 1415 لكي تسلمها لإسبانيا. بل احتفظت بها. قرونا. وبقيت سبتة برتغالية حتى دخلت أوروبا نفسها في واحدة من تلك المنعطفات التي تبدو كأن التاريخ يكتبها بيد خفية. في سنة 1580، حدثت أزمة الخلافة البرتغالية. وصل فيليب الثاني ملك إسبانيا إلى العرش البرتغالي، فدخلت البرتغال وأقاليمها في اتحاد تاجي مع الملكية الإسبانية. وبذلك أصبحت سبتة تحت ملك واحد يجمع التاجين، مع استمرار إدارتها ضمن تقاليدها البرتغالية. وتذكر الدراسات أن سبتة اعترفت بفيليب الثاني سنة 1580، في حين أن بعض المراكز البرتغالية في شمال إفريقيا اتخذت مواقف مختلفة. وهنا دخلت سبتة مرحلة عجيبة: كانت برتغالية في مؤسساتها، وإسبانية في التاج الذي يحكمها. لكن العاصفة لم تكن قد انتهت.
1640: حين انشق التاج
بعد ستين عاما تقريبا، ثارت البرتغال. في 1640 استعادت استقلالها، وأصبح جواو الرابع ملكا للبرتغال. وهنا حدثت المفارقة. كان يمكن لسبتة أن تعود مع البرتغال. لكنها لم تفعل. اختارت البقاء مع التاج الإسباني. وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ لأن الإسبان لم ينتزعوا سبتة من البرتغاليين في معركة عسكرية سنة1640. بل إن سبتة، في لحظة الانقسام بين التاجين، بقيت موالية لفيليب الرابع. وتشير المصادر التاريخية الخاصة بتاريخ المدينة إلى أنها ظلت مرتبطة بالملكية الإسبانية بعد انفصال البرتغال، بينما تطورت عملية إدماجها السياسي تدريجيا خلال العقود التالية. وهكذا خرجت سبتة من البرتغال إلى إسبانيا لا كغنيمة حرب مغربية-إسبانية، وإنما نتيجة التحول السياسي الذي مزق الاتحاد التاجي بين البرتغال وإسبانيا. ثم جاء عام1668.
1668: الختم الذي أغلق الباب
كانت حرب الاستعادة البرتغالية قد انتهت. وكان على البرتغال وإسبانيا أن ترسما حدودا جديدة بينهما. وفي معاهدة لشبونة سنة 1668 اعترفت إسبانيا باستقلال البرتغال، ونصت المعاهدة على استثناء سبتة من عملية إعادة المواقع التي كانت قد احتُلت خلال الحرب؛ فبقيت المدينة في حوزة إسبانيا. بعبارة أخرى: البرتغال خرجت من الاتحاد مع إسبانيا، لكن سبتة لم تخرج معها. لقد بقيت إسبانية. وهكذا أغلق الباب قانونيا على مرحلة طويلة من تاريخ المدينة. ومنذ ذلك الحين أصبحت الرحلة التاريخية للمدينة أكثر وضوحا: كانت مغربية، ثم صارت برتغالية، ثم انتهت إلى إسبانيا. وهذه الجملة وحدها تكفي لتصحيح كثير من الالتباس.
إذن: هل كانت سبتة يوما مغربية؟
نعم. وهذا ليس تفصيلا أدبيا أو خطابيا. عندما استولى البرتغاليون عليها سنة 1415، كانوا ينتزعونها من الحكم المغربي في عهد المرينيين. ومن ثم فإن السؤال الصحيح ليس: متى أخذت إسبانيا سبتة من المغرب؟ لأن هذا ليس ما حدث في 1415. السؤال الأدق هو: متى انتزعت البرتغال سبتة من الحكم المغربي، وكيف انتقلت بعدها من البرتغال إلى إسبانيا؟ والجواب هو: انتزعتها البرتغال سنة 1415، وظلت في حوزتها قرونا، ثم دخلت مع البرتغال في الاتحاد التاجي الإسباني سنة 1580، وعندما استعادت البرتغال استقلالها سنة 1640 بقيت سبتة موالية لإسبانيا، ثم كرست معاهدة لشبونة سنة 1668 بقاءها تحت التاج الإسباني. وهنا تصبح الحكاية أكثر غرابة. لأن المدينة لم تتحرك. الذين تحركوا هم أصحاب التيجان. المغرب فقدها. البرتغال أخذتها. البرتغال اتحدت مع إسبانيا. ثم انفصلت البرتغال. وبقيت سبتة حيث كانت. تغيرت الرايات فوق الأسوار. أما الصخرة فلم تتحرك.
مدينة إفريقية بأعلام أوروبية
وهنا تكمن المفارقة التي ربما لا تمنحها الخريطة الحديثة حقها. سبتة جغرافيا في إفريقيا. لكنها دخلت منذ 1415 في تاريخ التوسع الأوروبي على الساحل الإفريقي. ولهذا فإن قصتها ليست قصة «مدينة أوروبية في إفريقيا» بقدر ما هي قصة مدينة إفريقية تحولت إلى موضع دائم من مواضع التنافس الأوروبي. إنها واحدة من تلك الأماكن التي تكشف أن الجغرافيا والسيادة شيئان مختلفان. فالجغرافيا تقول: هنا إفريقيا. والتاريخ السياسي الحديث يقول: هنا سلطة أوروبية. وبين الجملتين قرون من الحرب والحصار والتجارة والاحتلال والذاكرة.
ولماذا بقيت سبتة مهمة؟
لأنها تقف عند المكان الذي تصبح فيه الخريطة سكينا. مضيق جبل طارق ليس مجرد ممر مائي. إنه بوابة بين المتوسط والأطلسي. وهو في الوقت نفسه فاصلة بين أوروبا وإفريقيا. ولهذا فإن السيطرة على مواضع مثل سبتة تمنح صاحبها قيمة عسكرية واستراتيجية لا تتناسب مع مساحة المدينة نفسها. إنها ليست كبيرة. لكنها تقع في مكان كبير. وهذه هي قاعدة التاريخ الأولى: ليست قيمة المكان دائما في اتساعه؛ أحيانا تكون في موضعه. وسبتة من تلك الأماكن التي جعل موقعها منها أكبر من حجمها.
والمغرب لم يكن هامشا في هذه القصة وهنا يجب أن نستعيد زاوية النظر. فالرواية الأوروبية القديمة كثيرا ما تحكي تاريخ التوسع وكأن إفريقيا ظهرت فجأة أمام الأوروبيين مثل أرض بلا ذاكرة. لكن المغرب لم يكن فراغا. كان دولة ومجتمعا ومدنا وتجارات وسلالات وجيوشا وذاكرة سياسية. وحين نزل البرتغاليون في سبتة، لم يكتشفوا «أرضا مجهولة». بل دخلوا أرضا مأهولة، ذات تاريخ طويل، ثم انتزعوا مدينة منها بالقوة. ولهذا فإن تاريخ سبتة من المنظور المغربي ليس قصة «وصول أوروبا إلى إفريقيا». بل قصة وصول مشروع توسعي أوروبي إلى أرض إفريقية قائمة بالفعل. وهذا فرق هائل. فالأرض لا تصبح بلا صاحب لأن القادم إليها كتب اسمه على سورها. والمدينة لا تنسى تاريخها لأن راية جديدة رفعت فوقها.
سبتة: بوابة أم غنيمة أم مفتاح؟
ربما كانت كل هذه الأشياء معا. كانت غنيمة في حسابات الحرب. وقاعدة في حسابات العسكر. وميناء في حسابات التجارة. وبوابةً في حسابات الجغرافيا. ورمزا في حسابات الدين. لكنها، في النهاية، كانت شيئا أكبر كانت عتبة. عتبة عبرتها البرتغال إلى إفريقيا. وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي كانت الكناري تستخدم في تجربة استعمارية بالغة العنف. ثم سيكبر المشروع. وستتسع السفن. وسينفتح الأطلسي. وسيظهر كولومبوس. وستبدأ إمبراطوريات جديدة في إعادة رسم العالم. لهذا فإن سبتة ليست «حادثة معزولة» في سنة 1415. إنها إحدى العلامات التي يمكن من خلالها قراءة ولادة العصر الأطلسي الأوروبي.
البحر الذي لم يعد بريئا
قبل هذه التحولات كان البحر في المخيلة الأوروبية مساحة للمجهول. بعدها أصبح شيئا آخر. أصبح طريقا. ثم طريقا للتجارة. ثم طريقا للجيوش. ثم طريقا للعبيد. ثم طريقا للإمبراطوريات. وهنا يتضح الرابط المرعب بين سبتة والكناري. في سبتة، جُرّبت السيطرة على مدينة إفريقية محصنة. وفي الكناري، تكثفت تجربة السيطرة على مجتمعات أصلية وجزر وأرض. ثم انتقلت أدوات الاستعمار إلى فضاءات أخرى. وهنا لا يعود القرن الخامس عشر مجرد «عصر اكتشافات». بل يمكن أن نراه أيضا باعتباره عصر اكتشاف الأوروبيين لقدرتهم على تحويل المسافة إلى سلطة. ولهذا لا ينبغي أن ننسى سبتة لأنّها ليست حجرا عالقا في الماضي. إنّها ذاكرة جغرافية. إنها المكان الذي تستطيع فيه أن تقف على أرض إفريقيا، وتنظر إلى أوروبا عبر مضيق ضيق، ثم تسأل: كيف استطاعت القارة المقابلة أن تعبر إلى هنا؟ والجواب يبدأ من 1415. من السفن البرتغالية. من سقوط المدينة. من نهاية مرحلة وبداية أخرى. ثم يمتد إلى الكناري. ثم إلى الأطلسي. ثم إلى العالم الجديد. ثم يعود بنا، بعد قرون، إلى السؤال نفسه: لماذا ظل هذا المضيق مطمعا لكل قوة تريد أن تمسك بعنق المتوسط؟ لأن من يراقب المضيق يراقب الطريق. ومن يملك الطريق يملك جزءا من حركة العالم.
سبتة لم تكن صغيرة أبدا
بعض النقاط الصغيرة تصنع خطوطا هائلة. وسبتة واحدة منها. في سنة 1415، لم يسقط سور مدينة فقط. سقطت مسافة نفسية بين أوروبا وإفريقيا. اقتربت أوروبا من إفريقيا عسكريا. ثم اقتربت اقتصاديا. ثم أخذت تختبر قدرتها على السيطرة وراء البحر. وفي الكناري، ظهرت واحدة من أكثر التجارب الاستعمارية الأوروبية قسوة في وقت مبكر؛ تجربة يصفها بعض الباحثين بأنها إبادة استعمارية استيطانية، وأصبحت، في القراءة التاريخية الحديثة، جزءا من الطريق الذي قاد إلى أنماط استعمارية لاحقة في الأمريكتين. أما سبتة، فقد واصلت رحلتها الغريبة. مغربية في أصل تاريخها السياسي قبل 1415. برتغالية منذ الغزو البرتغالي. ثم إسبانية بعد انفصال البرتغال عن الملكية الإسبانية، وتكريس ذلك في1668. ثلاثة أعلام. ثلاثة فصول. لكن أرضا واحدة.
ولهذا فإن أكثر صورة تلخص تاريخها ليست صورة جندي يرفع راية. بل صورة مضيق صامت، ومدينة صغيرة، وقارتين تتبادلان النظر فوق الماء. المغرب في الضفة الجنوبية. وأوروبا في الضفة الشمالية. وبينهما سبتة، كأنها حجر وضعه التاريخ في عنق المضيق ليختبر به ذاكرة الشعوب. لقد تبدلت الممالك. وتبدلت التيجان. وتبدلت أسماء الإمبراطوريات. أما الجغرافيا فلم تتبدل. وذلك هو سر سبتة. فالمدن قد تغير أعلامها، لكن الجغرافيا لا تغير ذاكرتها. وربما لهذا ظلت سبتة، طوال ستة قرون، أكثر من مدينة. ظلت سؤالا مغربيا مفتوحا على البحر. وسؤالا أوروبيا مفتوحا على إفريقيا. وسؤالا تاريخيا لم يستطع الزمن أن يدفنه تحت طبقات الحجر. فإذا كانت 1415 قد فتحت الباب، فإن التاريخ لم يغلقه قط. لقد تركه مواربا. ومن خلفه ما زالت القارتان تنظران إلى بعضهما. وتنتظران من يقرأ الحكاية كاملة.
📲 Partager sur WhatsApp