بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية في المغرب، أشعر أن المشهد السياسي يشبه بابا عتيقا في مدينة قديمة: يفتح كل مرة، فنرى خلفه الوجوه نفسها تقريبا، والوعود نفسها، واللغة نفسها، ثم يغلق الباب… ونعود الى الانتظار. لكن ماذا لو فتح الباب هذه المرة، وخرجت منه دهشة سياسية مغربية لم نعتدها؟ ماذا لو استيقظنا ذات صباح على خبر لم يسبق أن اختبره التاريخ السياسي المغربي بهذا المعنى: امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية؟ لماذا لا؟
هذا السؤال ظل يطرق رأسي طويلا، حتى كاد يوقظ في رأسي تلك المادة الرمادية التي كثيرا ما تئن من كثرة الأسئلة ولا تجد لها جوابا شافيا. ولست أطرح السؤال لأنني امرأة، ولا أريد أن أرتدي جبة الانتصار الجندري، ولا أن أحول السياسة الى مباراة بين الذكور والإناث. أبدا. أنا أطرح السؤال لأن السياسة، حين تبلغ سن النضج، ينبغي ألا تسأل المرشح: هل أنت رجل أم امرأة؟ بل ينبغي أن تسأله سؤالا أكثر قسوة وصرامة: ماذا تستطيع أن تفعل بهذا الوطن؟ فالمرأة التي تدخل الحكومة لا تدخلها لتنتقم من الرجل، والرجل الذي يغادرها لا ينبغي أن يغادرها مهزوما أمام امرأة. الدولة ليست حلبة مصارعة. والحكومة ليست عمارية يتنازعها فريقان. إنها مسؤولية. وربما آن أوان المفاجأة
لقد اعتدنا، في الأعراس المغربية، أن تكون المرأة هي العروس التي تحملها العمارية، بينما يصفق الجميع، وتعلو الزغاريد، وتدور العمارية في فضاء الفرح. لكن ماذا لو قلبنا الصورة السياسية قليلا؟ ماذا لو كانت هناك نساء يستحققن أن نرفع بهن العمارية السياسية؟ لا في التبريزة. لا في الزينة. لا في الصور الاحتفالية. بل في البرلمان، وفي الحكومة، وفي مراكز صناعة القرار. ماذا لو كانت العروس هذه المرة هي امرأة مغربية تحمل فوق كتفيها مشروعا سياسيا، لا فستانا أبيض؟ ماذا لو كانت العمارية هذه المرة مصنوعة من أصوات الناخبين، ومساميرها من المسؤولية، وسقفها من الدستور، وزغاريدها من صناديق الاقتراع؟ قد يبدو الأمر للوهلة الأولى ضربا من الخيال. ولكن ألم تكن السياسة دائما بنت المفاجآت؟ ولما لا امرأة؟
هذا السؤال البسيط أخطر مما يبدو. لماذا لا امرأة؟ لماذا ظل السؤال معلقا في سقف السياسة المغربية كل هذه العقود، كفانوس أطفئت فيه الكهرباء وبقي معلقا ينتظر يدا تعيد إليه الضوء؟ لدينا نساء في الإدارة. نساء في الجامعة. نساء في الاقتصاد. نساء في القضاء. نساء في الطب والهندسة والبحث العلمي والدبلوماسية. نساء يقدن مؤسسات كبرى، ونساء يفاوضن، ويخططن، ويقررن، ويدرن أزمات معقدة. فلماذا عندما نصل الى قمة السلطة التنفيذية يصبح السؤال فجأة غريبا؟ لماذا يبدو احتمال المرأة رئيسة للحكومة وكأنه نيزك سياسي قد يسقط من سماء بعيدة؟ لماذا لا امرأة؟ ليست المسألة أن نعطي المرأة مقعدا لأن اسمها امرأة. هذه ستكون إهانة لها قبل أن تكون إنصافا. المسألة أن نفتح الباب أمام الكفاءة. فإذا كانت الكفاءة رجلا، فمرحبا بالرجل. وإذا كانت امرأة، فمرحبا بالمرأة. لكن لا ينبغي أن يكون جنس السياسي هو الذي يحمل مفتاح الباب.
فهل استنفد الرجل كل ما عنده؟ وهنا يبرز سؤال أكثر إزعاجا: ماذا تبقى لنا من رجال السياسة؟ لا أقصد الرجال بوصفهم رجالا، وإنما أقصد رجل السياسة بالمفهوم التاريخي: ذلك الذي كانت له رؤية، وهيبة الفكرة، وشجاعة القرار، والقدرة على الإقناع، والقدرة على أن يقول «لا» حين يكون الجميع قد تدربوا على قول «نعم». أين هو السياسي الذي يدخل التاريخ لا لأنه جلس على كرسي، وإنما لأن الكرسي نفسه اكتسب معنى حين جلس عليه؟ أين رجال السياسة الكبار؟ هل ما زالوا بيننا؟ أم أننا دخلنا زمنا أصبحت فيه السياسة أشبه بمسرح طويل، تتغير فيه الأزياء أكثر مما تتغير النصوص؟ لا أدري. وربما لهذا السبب تحديدا أجد أن التجربة النسائية في قمة السلطة التنفيذية تستحق أن تطرح لا باعتبارها شعارا نسويا، وإنما باعتبارها احتمالا سياسيا جديدا. فالتاريخ لا يخسر شيئا عندما يجرب كفاءة جديدة. والدول لا تكبر بتكرار الوجوه. الدول تكبر عندما تملك الشجاعة لكي تقول: فلنجرب.
لسنا بحاجة الى امرأة, قارئي الكريم, لأن المرأة امرأة ينبغي أن نكون واضحين. لا أطالب بأن تصبح امرأة رئيسة للحكومة فقط لأننا نريد أن نسجل رقما في دفتر «الأوائل». لا. ذلك سيكون انتصارا شكليا، وربما كارثة سياسية إذا كانت الكفاءة غائبة. أنا أبحث عن امرأة تستحق المنصب. امرأة لا تحتاج الى أن يقول لها أحد: «أنت امرأة، ولذلك سنمنحك الفرصة». بل امرأة تقول: أنا هنا لأنني أستطيع. وهذا هو الفارق بين التمكين الحقيقي والديكور السياسي. نحن لا نحتاج الى امرأة تجلس في أعلى الهرم لتثبت أن المرأة تستطيع الجلوس هناك. نحن نحتاج الى امرأة تجعل الجالس أمامها ينسى جنسها وهو يستمع الى حجتها. تلك هي المفاجأة الحقيقية.ا
كل انتخابات تحمل في جيبها سرا صغيرا. قد يكون اسم حزب. قد يكون سقوطا مدويا. قد يكون صعودا غير متوقع. وقد يكون، لماذا لا، وجها نسائيا يصل الى المكان الذي لم تصل إليه امرأة مغربية من قبل؟ لا أملك كرة بلورية. ولا أزعم معرفة ما ستقوله صناديق الاقتراع. ولا أريد أن أحول الاحتمال إلى نبوءة. لكنني أقول فقط: فلنترك للدهشة مكانا. فالسياسة التي لا تستطيع أن تفاجئنا تصبح مع الوقت مثل ساعة قديمة: عقاربها تتحرك، لكن الزمن نفسه لا يتقدم. وربما تكون الانتخابات المقبلة هي تلك اللحظة التي يخرج فيها التاريخ المغربي من جيبه ورقة لم نرها من قبل. وربما لا. لكن السؤال يستحق أن يبقى حيا.
لقد آن الأوان لكي نتجاوز صورة المرأة بوصفها مجرد رقم أو زينة انتخابي، أو صورة جميلة في ملصق حزبي، أو حضورا بروتوكوليا، أو صوتا انتخابيا مطلوبا عند الحاجة ثم يعاد الى مقاعد الانتظار بعد انتهاء الموسم. المرأة ليست وردة توضع على طاولة السياسة. وليست ستارة حريرية تغطي خشونة المشهد. وليست ديكورا للديمقراطية. إنها نصف المجتمع، نعم، ولكن هذه العبارة نفسها أصبحت مستهلكة الى حد أنها فقدت قدرتها على الصدمة. الأهم من ذلك: المرأة مواطنة كاملة الأهلية السياسية. ولذلك ينبغي أن يكون السؤال الحقيقي: كم امرأة تمتلك مشروعا سياسيا؟ كم امرأة تستطيع إدارة الحكومة؟ كم امرأة تستطيع اتخاذ قرار صعب في ليلة عصيبة؟ كم امرأة تستطيع الوقوف أمام البرلمان والدفاع عن قرارها دون أن تختبئ خلف اللغة الخشبية؟ كم امرأة تستطيع أن تقول للشعب الحقيقة عندما تكون الحقيقة مرة؟ هنا تبدأ السياسة.

تخيلوا للحظة, قرائي الكرام, أن المغرب استيقظ على رئيسة حكومة. سترتبك بعض العناوين. سيتسابق البعض الى استعمال قاموس «السابقة التاريخية». وسيبحث آخرون في أرشيف الذاكرة عن كل امرأة سياسية مغربية يمكن استدعاؤها للمقارنة. وسينقسم الناس. سيصفق البعض. وسيستهجن البعض. وسيقول آخرون: «وماذا بعد؟» وهذا السؤال الأخير هو الأهم. ماذا بعد؟ لأن وصول امرأة الى رئاسة الحكومة لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل بداية الامتحان. عندها فقط ستسقط الأقنعة. لن ينفعها كونها امرأة. ولن يضرها كونها امرأة. سيبقى أمامها شيء واحد: هل تستطيع أن تحكم؟ هل تستطيع أن تدير؟ هل تستطيع أن تواجه الأزمات؟ هل تستطيع أن تصنع سياسة عمومية؟ هل تستطيع أن تقنع المختلف معها؟ هل تستطيع أن تقول لا حين يجب أن تقول لا؟ إذا استطاعت، فقد انتصرت السياسة. وإذا فشلت، فلن يكون فشلها فشلا للنساء، بل فشلا لشخص اختير للمهمة ولم ينجح فيها. وهذا هو العدل.
أعود الى السؤال الذي يلاحقني: الى متى امرأة؟ الى متى سنقول: «متى تصل امرأة الى رئاسة الحكومة؟» الى متى سيظل هذا السؤال معلقا بين السماء والأرض؟ الى متى ستبقى المرأة المغربية حاضرة في السياسة، ولكنها لا تزال تنتظر ذلك المقعد الأعلى؟ الى متى؟ ربما تكون الإجابة في الانتخابات المقبلة. وربما بعد سنوات. وربما سيأتي رجل آخر، وستبقى المرأة في الصفوف التالية. لا أحد يعرف. لكنني أريد، على الأقل، أن أترك نافذة مفتوحة في هذا الجدار. فربما تدخل منها امرأة. وربما يدخل منها زمن سياسي جديد. ليست معركة بين الرجل والمرأة وأكررها حتى لا يذهب بنا سوء التأويل الى حيث لا أريد: هذه ليست حربا بين الرجل والمرأة. ليست المسألة أن نسحب العرش من رجل ونسلمه لامرأة. السياسة ليست ميراثا ذكوريا أو أنثويا. إنها امتحان للكفاءة، والقدرة، والنزاهة، والرؤية. فإذا كان الرجل هو الأقدر، فليتقدم الرجل. وإذا كانت المرأة هي الأقدر، فلماذا نرتجف من الفكرة؟ لماذا يبدو الأمر كأننا نطلب من التاريخ أن يقف على رجل واحدة؟
لذلك، وأنا أنظر الى الانتخابات البرلمانية المقبلة، لا أريد أن أستبق الصناديق، ولا أن أرتب أسماء الوزراء قبل أن يقول الناخب كلمته. أريد فقط أن أنتظر. أن أنتظر تلك اللحظة التي قد يخرج فيها المغرب من عادته السياسية القديمة، ويقول لنا التاريخ: كانت هناك امرأة وحضرت الدهشة. امرأة لم تأت لتملأ فراغا في الصورة. ولم تأت لتكون «امرأة الحكومة». بل جاءت لتكون رئيسة حكومة. امرأة تحمل مشروعا، وتدخل البرلمان من بابه الكبير، وتصعد درجات السلطة لا لأن أحدا حملها، وإنما لأن الاستحقاق حملها. عندها فقط ستكون العمارية قد تغيرت. لن تكون المرأة فوقها عروسا يصفق لها الناس لدقائق. ستكون المرأة نفسها في قلب المشهد، تحمل فوق كتفيها ثقل بلد كامل. وهنا، ربما، سنفهم أن السؤال لم يكن يوما: «هل تستطيع المرأة أن تحكم؟» بل كان السؤال الأكثر غرابة: «لماذا احتجنا كل هذا الوقت حتى نسألها؟»
فلننتظر. فقد تخبئ صناديق الاقتراع مفاجأة. وقد يكون في رحم السياسة المغربية وجه لم نتوقعه بعد. وقد يكون للدهشة موعد. فلماذا لا امرأة؟ لماذا لا تكون هذه المرة هي العروس؟ ليس عروس العمارية… بل عروس البرلمان، وعروس الحكومة، وعروس لحظة سياسية مغربية طال انتظارها. ثم نترك للتاريخ أن يحكم. فالتاريخ لا يسأل عن جنس من صنع اللحظة. يسأل فقط: من كان جديرا بها؟
📲 Partager sur WhatsApp
المسألة ليست قضية نوع، بل قضية سؤال المجتمع الذي نريد بأربام صغيرة في الأمية والتضخم والبطالة والمرضى والمشردين والغرباء، مع دفعة في هواء العدالة المجالية ومستوى عيش أرقى بمقياس الكرامة. عندما نكون أمام برنامج واضح المعالم من والتوقعات ومددق الاحصاءات، أي يد تأتي أقضي الغرض: تنزيل المعدلات جهة الصفر.