زنقة غزة: غرفة نضال التي بقي فيها الضوء

بقلم الإعلامي حيمري البشير, -كوبنهاكن

هناك أماكن لا نغادرها، حتى حين نغادرها. وهناك شوارع لا تكتفي بأن تحفظ خطانا، بل تحفظ شيئا من أرواحنا. ولعل زنقة غزة واحدة من تلك الأمكنة التي تركت فيها بصماتي، وأنا أمشي فيها هذه المرة مثقلا بغياب فلذة كبدي، الذي كان ينتظر رحلة الصيف إلى المغرب كما ينتظر الأطفال موعدا مع الفرح. لكن هذا الصيف كان مختلفا. كان الوطن الذي أحببناه جميعا يطل علينا من شاشات الهواتف والتلفاز بوجه آخر؛ وجه غزة المدمّرة، والبيوت التي صارت أنقاضا، والأمهات اللواتي يفتشن في الركام عن أطفالهن، والأطفال الذين كبروا فجأة تحت القصف. كانوا يتابعون ما يجري في فلسطين، ويترددون في العودة إلى أماكن تحمل لهم تاريخا وذكريات، وكأن الجغرافيا نفسها أصبحت مثقلة بالدم. غير أن في القلب جرحا أقدم من كل هذه الصور. إنه جرح نضال.

منذ خمس سنوات خلت، اختار نضال أن يرحل إلى دار البقاء. خمس سنوات، وما زالت غرفته كما تركها. سريره، وأشياؤه، وملابسه، وأغراضه الصغيرة التي كانت جزءا من يومه؛ كل شيء في مكانه، كأن الغرفة لم تصدق بعد أن صاحبها لن يفتح الباب. وأنا، كلما دخلت إليها، أشعر أن الزمن يتراجع. أشعر أنني قد أسمع صوته من جديد، أو أراه جالسا في مكانه، يبتسم ابتسامته التي كانت تحمل شيئا من المشاكسة والذكاء. ثم أعود إلى الحقيقة القاسية: لقد رحل. فأدعو الله أن يجمعني به في جنات النعيم.

كان نضال صديقا للأطفال الصغار، قريبا من قلوبهم، رحيما بالفقراء والمساكين. لم تكن الرحمة عنده كلاما يقال، وإنما سلوكا عاشه حتى آخر رمق من حياته. ولهذا ترك رحيله فراغا لا يخص فردا واحدا من الأسرة، بل أصاب الأسرة كلها في قلبها. كان يحب أن يستفزني، وربما كان يعرف تماما أين يضع كلمته حتى يوقظ في داخلي جدلا طويلا. وحين كنت أسأله عن مستقبله الدراسي، كان يجيبني بسخرية محببة: سأذهب إلى الولايات المتحدة، وسأكتشفها كما اكتشف كريستوف كولومبوس العالم! كان يعرف موقفي من أمريكا، وكان يعرف كذلك أنني سأدخل معه في نقاش طويل. لذلك كان يضحك، وكأنه اكتشف نقطة ضعفي. لكنه، خلف هذه الدعابة، كان يحمل موقفًا جادًا من القضية الفلسطينية.

كان يتألم مما يجري في فلسطين. كان يرى في المآسي المتتالية التي يعيشها الشعب الفلسطيني جرحا إنسانيا لا يمكن لمن يملك قلبا أن يتجاهله. وكان يشارك في المظاهرات الداعمة لفلسطين في شوارع العاصمة كوبنهاغن، دون خوف أو تردد. لم يكن يخفي موقفه حتى في حياته الدراسية. وقد سببت له مواقفه أحيانا بعض المشكلات مع مدرّسيه، لكنه كان متمسكا بما يؤمن به. كان يرى أن للشعب الفلسطيني حقا في الحرية والكرامة وإقامة دولته وعاصمتها القدس الشريف. وحين كنت أشارك في مظاهرات التضامن مع فلسطين، كان يحضر معي أحيانا. كنت أنظر إليه وسط الجموع، فأشعر بفخر غامض؛ ذلك الشاب الذي كان يمكن أن ينشغل بأحلامه الخاصة، بدراسته، وبكرة القدم، وبمستقبله، كان يجد في مأساة شعب بعيد عنه جغرافيا شيئا يمسه في العمق. ولعل الإنسان هو بما يستطيع أن يشعر به تجاه آلام الآخرين.

كان نضال شديد الذكاء، يمتلك عقلا لامعا، خصوصا في الرياضيات والعلوم. وكان طموحه كبيرا، لكنه كان يحب أن يترك لنفسه دائما نافذة للمزاح. أما كرة القدم، فكانت حكاية أخرى. كان يعشقها كما يعشق المرء حلما يرى نفسه يقترب منه يوما بعد يوم. أحب فريق إف سي كوبنهاغن الذي ترعرع فيه، وتعلم في هذا النادي الدنماركي أبجديات اللعبة. وكان يحلم بأن يحمل قميص الفريق الأول. كان الحلم قريبا. قريبا إلى درجة أننا كنا نكاد نراه يتحول إلى حقيقة. وكانت الأسرة كلها تحلم معه. ثم كان هناك حلم آخر، أكثر اتساعا، أكثر التصاقا بالدم الذي يجري في عروقه: أن يلعب يوما للمنتخب الوطني المغربي.المغرب الذي كان يحبه، والوطن الذي كان ينتظر صيفه، والقمصان والأعلام والأغاني والوجوه التي كانت تجعل العطلة عيدا.

لكن الحياة، في لحظة واحدة، تستطيع أن تغلق أبوابا كثيرة. وحدها الذكريات تبقى مفتوحة. غرفة نضال ما زالت مفتوحة. كلما دخلتها، لا أرى الأثاث فقط. أرى صاحبها. أرى أحلامه التي لم تكتمل، وأسئلته التي لم تجد أجوبة، وضحكته، وذكاءه، ومشاكساته، وحبه لكرة القدم، وموقفه من فلسطين. وأحيانا أفكر: هل الأشياء تعرف أنها صارت بعد رحيل أصحابها نوعا من الشهادة؟ ذلك القميص المعلّق، ذلك الكتاب، تلك الأشياء الصغيرة التي تبدو للغريب بلا قيمة، تصبح بالنسبة إلى أهل الفقيد أثمن من كل ما في العالم؛ لأنها آخر ما بقي من شخص لم يعد موجودا إلا في الذاكرة.

نحن لا نحتفظ بأشيائه لأننا عاجزون عن الفراق فحسب، بل لأننا نخشى أن يخوننا الزمن. نخشى أن يأتي يوم لا نتذكر فيه نبرة صوته كما كانت. لذلك نترك الغرفة على حالها. نتركها لتبقى ذاكرة ملموسة. وكأننا نقول للزمن: لن تأخذ كل شيء. في جنازة نضال، حضر جمع غفير من الناس. كان بينهم فلسطينيون مقيمون في الدنمارك، من المهندس والطبيب إلى المواطن البسيط، وكل واحد منهم جاء يحمل شيئا من الحزن. يومها أدركت أن نضال لم يكن ابن الأسرة وحدها. لقد ترك أثرا في نفوس آخرين. وهذا ربما هو أجمل ما يستطيع الإنسان أن يتركه وراءه. أن يمضي جسده، ويبقى أثره.

اليوم، لم تعد عطلة الصيف في المغرب كما كانت. فالمكان الذي كان يملؤه الضحك صار يحمل فراغا لا يُرى، لكنه يُحس في كل زاوية. الطرقات التي كنا نسلكها معا لم تعد الطرق نفسها. البحر ليس البحر نفسه. والسماء التي كنا ننظر إليها لم تعد واسعة كما كانت. حتى زنقة غزة أصبحت بالنسبة إليّ أكثر من شارع. إنها ذاكرة. هناك، حيث تركت خطواتي، أشعر أنني أبحث عن خطواته. أمشي كأنني أبحث في الحجارة عن أثر إنسان غاب منذ خمس سنوات، وأعرف في قرارة نفسي أنني لن أعثر عليه. ومع ذلك أواصل البحث. لأن القلب لا يعترف دائما بما يعترف به العقل.

رحل نضال، لكن غزة لم ترحل من قلبه. وربما لهذا السبب أشعر اليوم أن بين غرفته الصغيرة وبين غزة البعيدة خيطا لا ينقطع: هو خيط المظلومين، وخيط الذين آمنوا أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش لنفسه وحدها. كلما رأيت أطفال غزة تحت الركام، أتذكر الطفل الذي كان نضال يحب أن يكون صديقا له. وكلما رأيت شابا يحمل علم فلسطين في مظاهرة، أتذكره وهو يمشي في شوارع كوبنهاغن، صامتا أحيانا، صارخا أحيانا، لكنه دائما يعرف لماذا جاء. وكلما رأيت ملعبا لكرة القدم، أتذكر حلمه. كم كان يريد أن يركض خلف الكرة! كم كان يريد أن يصل! كان في حياته كثير من الأبواب المفتوحة، ثم أغلق الموت الباب الوحيد الذي لا يُفتح في هذه الدنيا. وأنا اليوم، لا أملك إلا الدعاء. اللهم ارحم نضالا، واجمعنا به في دار لا فراق فيها.

لقد تعبت يا نضال. تعبت من مشاهدة هذا العالم وهو يعتاد المشهد الذي لا ينبغي للإنسان أن يعتاده: طفل يموت، بيت يهدم، عائلة تهجّر، ومدينة تُمحى، ثم يستمر العالم في حياته كأن شيئا لم يحدث. تعبت من هذا الصمت العالمي الذي يبدو أحيانا أشد قسوة من صوت القصف. ولذلك، ربما أصبحت مشتاقا إلى لقائك أكثر مما ينبغي. ليس هربا من الحياة، وإنما شوقا إلى ذلك اليوم الذي لا يكون فيه موت ولا فراق، ولا غرف فارغة، ولا كراس ينتظر أصحابها، ولا أمهات وآباء يحفظون ملابس أبنائهم كما لو أنهم سيعودون غدا. إلى أن يأتي ذلك اللقاء، ستبقى غرفتك يا نضال كما تركتها. ستبقى أشياؤك في أماكنها. وسيظل اسمك في أفواهنا. وستظل زنقة غزة تحفظ بعض خطواتي، وربما تحفظ شيئا من خطواتك التي لم أمشها معك. أما أنت، فقد تركت لنا شيئا لا تستطيع السنون أن تنتزعه: ذكرى رجل صغير في العمر، كبير في القلب، أحب الأطفال، ورحم الفقراء، وعشق كرة القدم، وحلم بالمغرب، وانحاز إلى فلسطين، ورحل قبل أن يرى أحلامه مكتملة. رحمك الله يا نضال. وإلى أن نلتقي في دار النعيم، ستظل غرفتك مضاءة في ذاكرتنا. وسيظل الباب مواربا…كأننا ننتظر عودتك.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *