بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك جمل قصيرة تدخل اللّغة كما تدخل شرارة صغيرة إلى كومة قش، لا لأنّها طويلة أو معقدة، بل لأنّها تفتح وراءها أبوابا لم نكن نراها. ومن هذه الجمل الفرنسية التي تقول: «استثمروا في شبابنا». في ظاهرها، تبدو العبارة اقتصادية، كأنها دعوة عادية إلى الشركات كي تفتح أبوابها أمام المتدربين، وإلى المقاولات كي تمنح الشاب فرصة ليتعلم المهنة من داخل الورشة. لكن خلف هذه الجملة يقف سؤال أعمق: ماذا تفعل الدولة حين تجد جيلا كاملا يقف أمام سوق العمل كمسافر وصل إلى محطة لا توجد فيها قطارات؟ إن الشاب الذي لا يجد مكانا في الاقتصاد ليس رقما عاطلا في جدول الإحصاء. إنه طاقة مؤجلة، ويد لم تجد الأداة التي تناسبها، وعين تنظر إلى المستقبل فلا تجد فيه سوى ضباب طويل. وإذا طال الانتظار، قد تتحول الفرصة إلى قلق، والقلق إلى رغبة في الرحيل، والرحيل إلى خسارة صامتة لا تظهر كلها في دفاتر الاقتصاد. لكن حين نسمع فرنسا تتحدث عن الاستثمار في شبابها، يحق لنا في المغرب أن نفتح سؤالا أشد التصاقا بجلدنا، سؤالا يخرج من الأزقة القديمة، ومن رائحة الخشب المصقول، ومن صوت المطرقة فوق النحاس، ومن خيط ذهبي يمر بين أصابع امرأة تعرف من القماش ما لا تعرفه بعض الكتب: من يستثمر في اليد المغربية التي تخيط القفطان، وتنقش النحاس، وتصنع الزليج، وتطرز الثوب، وتدبغ الجلد، وتطبخ ذاكرة البلاد؟ من يدربها؟ من يمنحها المدرسة؟ من يفتح أمامها السوق؟ ومن يحول المهارة التي نامت قرونا في أصابع الأجداد إلى اقتصاد يستطيع أن يمشي في شوارع القرن الحادي والعشرين؟
لأن المغرب لا يملك فقط ثروات مدفونة تحت الأرض. هناك ثروات أخرى تمشي فوقها، تأكل وتشرب وتتعب وتجلس في الورش والأسواق، ثم تعود في المساء إلى بيوتها. ثروات لا تأتي في براميل ولا في حاويات، بل تأتي في شكل أصابع متشققة، وعيون دقيقة، وذاكرة بشرية تعرف كيف يتحول الخيط إلى قفطان، والطين إلى زليج، والنحاس إلى قصيدة معلقة على جدار. لقد اعتدنا أن ننظر إلى التعليم من نافذة الجامعة، وأن نقيس النجاح بعدد الشهادات والألقاب: طبيب، مهندس، محام، موظف، باحث. وهذه كلها مهن ضرورية ونبيلة، ولا يمكن لدولة حديثة أن تستغني عنها. لكن الحضارات لا تبنيها الشهادات وحدها. الحضارة أيضا يد تعرف كيف تخيط. وعين تعرف الفرق بين لونين متجاورين. وأذن تميز صوت المطرقة حين يضرب النحاس ضربة صحيحة من صوتها حين تخطئ. وصانع يعرف أن قطعة الزليج ليست قطعة من الطين، بل ذرة من هندسة عمرها قرون. وطباخ يعرف أن حفنة من التوابل قد تحمل وراءها قافلة كاملة من التاريخ.
لقد بالغنا أحيانا في تقديس الورق حتى نسينا قداسة المهارة. حتى أصبح الشاب الذي يحمل شهادة في يده ينظر إليه المجتمع باحترام، بينما قد ينظر إلى الشاب الذي يحمل إبرة أو مطرقة أو أداة نجارة كما لو أنه اختار طريقا أقل ارتفاعا. وهنا وقع الخلل. فاليد ليست عدو العقل. اليد عقل له لغة أخرى. اليد التي تخيط القفطان لا تتحرك في الهواء عبثا. إنها تعرف القياس والتناسق والإيقاع واللون، وتعرف متى تشد الخيط ومتى تتركه، ومتى تجعل القماش ينساب ومتى تمنحه صرامة الشكل. واليد التي تنحت الزليج تتعامل مع الهندسة قبل أن تسمي الهندسة باسمها. واليد التي تنقش النحاس تحمل في حركة صغيرة ذاكرة أكبر من صاحبها. قد لا تكون هذه اليد قد درست في كلية للهندسة، لكنها تعرف أحيانا كيف تجعل الخطوط تتعايش فوق سطح واحد كما لو أن بينها اتفاقا سريا. وهنا تكمن إحدى أغرب مفارقات المغرب: نحن نملك مهارات ينظر إليها العالم باعتبارها تراثا، بينما قد ينظر بعض أبنائنا إلى حامل تلك المهارات باعتباره صاحب مهنة محدودة المكانة.
حين أدرجت اليونسكو سنة 2025 القفطان المغربي وفنونه وتقاليده ومهاراته ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، لم تكن تحتفي بقطعة لباس معلقة في واجهة متجر، بل بمنظومة بشرية كاملة تقف خلفها: نساجون وخياطون ومطرزون وصناع للوازم القفطان، ومعارف تنتقل عبر التلمذة والورش ومراكز التكوين. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا أمام المرآة. العالم يقول لنا: ما في أيدي هؤلاء جزء من تراث الإنسانية. ونحن لا يزال بعضنا يقول للشاب: ابحث عن مهنة أخرى، فهذه مجرد حرفة. يا لهذه المفارقة! نحن نملك كنزا، ثم نطلب من حامله أن يعتذر عن امتلاكه. نضع القفطان في الصور الرسمية، ثم ننسى اليد التي أمضت ساعات طويلة وهي تحاور الخيط. نحتفل بالزليج في الفنادق والقصور والمطاعم الفاخرة، ثم نترك صانعه يقف في آخر الصف الاقتصادي كأنه مجرد شاهد على ماض جميل. نقول إن التراث ثروة وطنية، ثم نسأل عن كل شيء إلا عن حياة الإنسان الذي يحمل هذه الثروة. وهنا يجب أن يتغير السؤال. لا ينبغي أن نسأل فقط: كيف نحافظ على الحرفة؟ بل يجب أن نسأل: كيف نجعل الحرفة قادرة على إعالة صاحبها؟
لأن التراث الذي لا يحمي أهله من الهشاشة قد يتحول إلى جنازة مزينة بالزهور. ولأن أجمل قفطان في العالم لا يستطيع أن يخيط نفسه. وأدق قطعة زليج لا تستطيع أن تنحت ذاتها. وأقدم وصفة لا تستطيع أن تطهو نفسها. هناك دائما يد بشرية تقف في الخلف، وغالبا لا نراها إلا حين تختفي. ربما آن الأوان إذن لإعادة تعريف المدرسة نفسها. لماذا لا تكون هناك مدارس عليا للقفطان والتطريز والنسيج؟ لماذا لا يصبح الزليج تخصصا يجمع بين الهندسة والتصميم والتاريخ والتكنولوجيا؟ لماذا لا يتعلم الحرفي المغربي، إلى جانب سر الصنعة، التسويق الدولي، والتجارة الإلكترونية، والتصوير، والهوية البصرية، وإدارة المقاولات، وقوانين التصدير؟ لماذا لا ينتقل الشاب من مرحلة «تعلم الحرفة» إلى مرحلة «امتلك الحرفة» ثم إلى مرحلة «طوّر الحرفة»؟ لماذا نبقي الصنعة داخل صندوق الموروث، بينما يمكن أن نفتح لها نوافذ على العالم؟
إننا بحاجة إلى الانتقال من الحرفة التي تورث إلى الحرفة التي تتطور. فالتراث الذي لا يجد جيلا جديدا يحمله يتحول إلى صورة. والصورة، مهما كانت جميلة، لا تفتح ورشة. أما التراث الحي فيستطيع أن يصبح صناعة، وتصديرا، وسياحة، وتعليما، وابتكارا، وفرص عمل. الزليج المغربي مثال واضح على ذلك. من بعيد، قد يبدو مجرد قطع صغيرة ملونة مرصوفة فوق جدار. لكن من يقترب يرى شيئا آخر. يرى الرياضيات وهي ترتدي الجلباب المغربي. يرى التماثل يرقص فوق الطين. يرى الزاوية تتفاوض مع اللون. ويرى الصانع يضع قطعة صغيرة في مكانها، وكأنه يعيد تثبيت نجمة في سماء لا ينبغي أن تختل. فلماذا لا نعطي لهذا الصانع مسارا تعليميا حقيقيا؟ يتعلم فيه تاريخ المهنة، وتقنيات الصناعة، والتصميم المعاصر، والبرمجيات الهندسية، والتسويق الرقمي، والتجارة الدولية. لماذا نطلب من حرفي القرن الحادي والعشرين أن ينافس العالم بأدوات اقتصادية تنتمي إلى القرن الماضي؟
هذا ليس حفاظا على التراث. هذا ترك للتراث وحيدا في مواجهة الزمن. والمغرب لا يبدأ من الصفر. لدينا منظومة للتكوين المهني ومسارات في الصناعة التقليدية والنسيج والملابس والصناعات الغذائية والجلد وغيرها، ولدينا التكوين بالتناوب الذي يربط بين المؤسسة والمقاولة. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد المؤسسات؟ السؤال هو: هل أعطينا لهذه المسارات المكانة التي تجعل الشاب يدخلها مرفوع الرأس؟ هل يستطيع ابن الأسرة المغربية أن يقول لأبيه: أريد أن أصبح صانع قفطان محترفا، فيجيبه الأب بفخر بدل أن ينظر إليه كما لو أنه أعلن عن سقوط طموحه؟ هل تستطيع فتاة أن تختار التطريز أو النسيج أو التصميم التقليدي، ثم تجد أمامها مدرسة ومنحة وورشة وتمويلا وسوقا ومسارا للتصدير؟ هل يستطيع شاب أن يتعلم الزليج، ثم يتحول بعد سنوات إلى صاحب مقاولة تصدر منتجاتها إلى باريس ولندن ونيويورك وطوكيو؟
هنا تبدأ الدولة التي تعرف قيمة ما لديها.لأن المشكلة ليست في أن نعلم الشاب كيف يصنع. المشكلة أن نعلمه أيضا كيف يعيش من الذي يصنعه. وهذه هي النقطة التي يغيب عنها الكثير من الكلام الجميل. الحرفة التي لا تمنح صاحبها كرامة اقتصادية ستفقد أبناءها مهما كان جمالها. والتراث الذي لا يحمي العاملين فيه من الهشاشة سيصبح في النهاية حفلا نحتفي فيه بالماضي، بينما يموت المستقبل ببطء في الغرفة المجاورة. ثم هناك الشباب. وهنا لا ينبغي أن نخطئ مرة أخرى. الشباب ليس خزانا انتخابيا يفتح في موسم الحملات ثم يغلق بعد إعلان النتائج. ليس جمهورا للتصفيق. وليس صورة في ملصق. وليس رقما يوضع في نهاية خطاب سياسي كي يبدو الخطاب شابا. الشباب مشروع دولة. وإذا كان المطلوب أن نستثمر فيه، فليكن الاستثمار حقيقيا: في المدرسة، والتكوين، والنقل، والسكن، والتمويل، والابتكار، والمقاولة، والثقافة، والرياضة، والولوج إلى الأسواق.
لا يحتاج الشباب إلى مزيد من الخطب عن المستقبل. إنه يحتاج إلى مفاتيح المستقبل. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين دولة تتحدث عن الباب ودولة تضع المفتاح في يد الشاب. وهنا يمكن للمغرب أن يفعل شيئا لا يحتاج فيه إلى تقليد الآخرين. فرنسا تنظر إلى التكوين المهني بوصفه أداة لربط الشباب بسوق العمل. أما المغرب فلديه، فوق هذا البعد الاقتصادي، كنز آخر: تراث حي يمكن أن يتحول إلى صناعة مستقبلية. لدينا القفطان. ولدينا الزليج. ولدينا النحاس. ولدينا الجلد. ولدينا الخشب. ولدينا التطريز. ولدينا الطبخ. ولدينا الحلويات. ولدينا الملحون. ولدينا عشرات المعارف والمهن التي لا تزال تعيش في البيوت والأسواق والورش. إنها ليست بقايا الماضي. إنها مواد أولية للمستقبل. لكن المادة الخام وحدها لا تكفي. لا بد من عقل يعرف كيف يحولها إلى قيمة.
ولهذا نحتاج إلى أن نربط الحرفي بالمصمم، والورشة بالجامعة، والمنتج التقليدي بالمنصة الرقمية، والصانع بالمقاول، والذاكرة بالسوق العالمي. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التصميم. ويمكن للتجارة الإلكترونية أن تفتح أبوابا في قارات بعيدة. ويمكن للتصوير الاحترافي أن يجعل قطعة مصنوعة في فاس أو مراكش أو مكناس تصل بصريا إلى بيت في طوكيو. لكن التكنولوجيا يجب أن تدخل إلى الحرفة كخادم، لا كسيد. لا نريد أن نستبدل اليد بالآلة. نريد أن نعطي اليد أدوات جديدة لكي تصل إلى العالم. وهنا تصبح المرأة جزءا أساسيا من المعادلة. فجزء كبير من ذاكرة الصنعة المغربية حملته النساء في البيوت والورش والأسر. لكن لا يكفي أن تبقى المرأة اليد التي تنتج، بينما يذهب القرار والتمويل والسوق إلى غيرها. نريدها صاحبة مشروع. صاحبة علامة. صاحبة ورشة. صاحبة قرار.
نريد أن تنتقل من كونها حاملة للمهارة إلى مالكة للقيمة التي تنتجها. فلا معنى لاقتصاد تراثي يحتفي بمهارة المرأة، ثم يتركها في آخر السلسلة حين يأتي وقت المال والقرار. والسياسة نفسها تحتاج إلى اليد الجديدة.نحتاج إلى شباب ونساء يدخلون الأحزاب والمؤسسات ومجالس القرار لا باعتبارهم ديكورا انتخابيا، بل باعتبارهم أصحاب أفكار ومشاريع وقدرة على صناعة القرار. فالحزب الذي لا يجدد قياداته يشبه ورشة توقفت عن تغيير أدواتها: قد يظل واقفا، لكنه لن يصنع شيئا جديدا. والسياسة التي لا تسمع صوت الحرفي، والمتدرب، والمقاول الصغير، والشابة التي تبحث عن فرصة، ستظل تتحدث عن الاقتصاد من بعيد، كما لو كانت تراقب مدينة من نافذة طائرة. نحن بحاجة إلى سياسة تنزل من المنصة إلى الأرض. إلى الورشة. إلى السوق. إلى المعمل. إلى المدرسة. إلى الحي.
هناك فقط يمكن معرفة ما يحتاجه الشباب. لا نحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما نحتاج إلى أسئلة قابلة للقياس: كم شابا دخل التكوين؟ كم واحدا حصل على تمويل؟ كم ورشة تحولت إلى مقاولة؟ كم منتجا تراثيا دخل الأسواق الخارجية؟ كم حرفة مهددة بالانقراض أنقذناها؟ كم امرأة تحولت من عاملة إلى صاحبة مشروع؟ وكم شابا استطاع أن يبني مستقبله داخل وطنه بدل أن يراه دائما خلف الحدود؟ هذه هي السياسة حين تنزل من المنصة إلى التراب. أما الكلام الجميل، فقد سمعه الشباب كثيرا. لقد قيل له: اصبر. فصبر. وقيل له: المستقبل لكم. فانتظر. وقيل له: الفرص قادمة. فنظر إلى الطريق حتى تعب من النظر. الآن لا يحتاج إلى من يخبره أن الغد جميل. يحتاج إلى من يضع في يده الأداة، ويفتح أمامه الباب، ويمنحه فرصة عادلة كي يثبت ماذا يستطيع. ولا ينبغي أن نختزل طموح المغرب في صناعة الأطباء والمهندسين، كما لا ينبغي أن نقلل من شأن هذه المهن. نحن نحتاج إلى الطبيب الذي ينقذ حياة. وإلى المهندس الذي يبني. وإلى الباحث الذي يكتشف. وإلى المبرمج الذي يبتكر.
لكننا نحتاج أيضا إلى الخياط الذي يحفظ هندسة القفطان، وصانع الزليج الذي يحمل ذاكرة العمارة المغربية، والحرفية التي تحفظ التطريز، والطباخ الذي يعرف أسرار المائدة المغربية، والصانع الذي يستطيع أن يجعل من النحاس قطعة فنية تنافس في أسواق العالم. الوطن ليس مستشفى فقط. وليس جامعة فقط. وليس شركة فقط. الوطن أيضا ورشة ضخمة من الذاكرة والمهارة والإبداع. ومن هنا يصبح السؤال الفرنسي عن الاستثمار في الشباب فرصة لنا كي نطرح سؤالا مغربيا أكبر: ماذا سنفعل بكل هذا الشباب، وكل هذه المهارات، وكل هذا التراث، إذا لم نحولها إلى قوة اقتصادية واجتماعية؟ لا نريد مغربا يحفظ تراثه خلف زجاج المتاحف. نريد تراثا يمشي. تراثا يلبس. تراثا يعمل. تراثا يفتح الأبواب أمام الشباب. نريد الشاب الذي يتعلم القفطان أن يعرف أيضا كيف يؤسس شركة. ونريد صانع الزليج أن يعرف كيف يصمم ويسوق ويصدر. ونريد الحرفية أن تعرف حقوقها وكيف تدير مشروعها وكيف تصل إلى الزبون العالمي. نريد أن يلتقي الشيخ الذي يحمل سر الصنعة بالشاب الذي يحمل الحاسوب. اليد القديمة، والعقل الجديد، والسوق العالمي.
هذه ليست معادلة مستحيلة. بل ربما تكون واحدة من أذكى المعادلات التي يستطيع المغرب أن يبني عليها مستقبله. وفي عالم تتشابه فيه المنتجات والواجهات والمدن والإعلانات، تصبح الأصالة قيمة اقتصادية. وفي عالم تنتج فيه الآلة نسخا لا تنتهي، تصبح اليد الإنسانية نادرة. وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا حتى تكاد تبتلع الأمس قبل أن ينهي جملته، يصبح الشيء الذي يحمل قصة وذاكرة أكثر قدرة على البقاء. وهنا يستطيع المغرب أن يقول للعالم: نحن لا نبيع لكم الماضي، بل نفتح لكم بابا إلى مستقبل له جذور. لكن هذا المستقبل لن تبنيه الخطب. سيبنيه الشباب. وستبنيه أيديهم. وستحتاج هذه الأيدي إلى مدارس حقيقية، وتمويل حقيقي، وأسواق حقيقية، وسياسات عمومية لا تتغير كلما تغير الموسم السياسي. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله بالشباب هو أن نحوله إلى موضوع دائم للخطابة. وأخطر ما يمكن أن نفعله بالتراث هو أن نحوله إلى شعار. والأخطر من الاثنين أن نعرف قيمة ما نملك، ثم لا نفعل شيئا لحمايته وتنميته. الشباب ليس عبئا على المغرب. والتراث ليس ماضيا ثقيلا على كتفه. كلاهما يمكن أن يكونا قوة المغرب الاقتصادية والثقافية والناعمة، وجزءا من سيادته وهويته. ولذلك، حين تقول فرنسا: «استثمروا في شبابنا»، لا ينبغي أن نكتفي بالإعجاب بالفكرة. علينا أن نسمع داخلها سؤالنا نحن: من يستثمر في شباب المغرب؟ من يستثمر في اليد التي تخيط القفطان؟ من يفتح مدرسة لليد التي تنحت الزليج؟ من يحول الصنعة إلى صناعة؟ ومن يحول التراث إلى فرصة؟
ومن يجعل الشاب المغربي يرى في بلده مستقبلا، لا مجرد ماض جميل؟ ربما يبدأ الجواب في اللحظة التي يتوقف فيها المغرب عن النظر إلى الحرفي باعتباره شخصا يحافظ على شيء قديم، ويبدأ في النظر إليه باعتباره رجل اقتصاد يحمل في يده مفتاحا لمستقبل كامل. وعندها فقط نفهم المعنى الحقيقي للاستثمار في الشباب: ليس أن نعطي الشاب وظيفة وحسب، بل أن نعطيه قدرة على خلق القيمة. وليس أن نحفظ التراث وحسب، بل أن نجعل التراث قادرا على إعالة من يحمله. وليس أن نطلب من الشباب أن يحملوا المغرب على أكتافهم، بل أن نبني مغربا يستحق أن يحملوه. ذلك هو المغرب الذي نريده: مغرب لا يختار بين الجامعة والورشة، ولا بين التكنولوجيا والتراث، ولا بين المستقبل والذاكرة؛ بل يجعل كل هذه الطرق تصب في نهر واحد اسمه الكرامة، وماؤه العمل، وضفتاه الشباب والهوية. فحين تمسك يد شابة إبرة القفطان، أو ترفع مطرقة الزليج، أو تفتح حاسوبا لتبيع ما صنعته، لا تكون قد اختارت بين الماضي والمستقبل. إنها، في الحقيقة، تمسك المستقبل من يده. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
📲 Partager sur WhatsApp
من لا يستثمر في الشباب، لا يرى قوة المستقبل الداهمة بشكل متسارعة في لغة الأجيال المنفتحة على أضواء مستقبل الغير. تلك هي الحكمة التي يسندها التاريخ و السوسيولوجيا.