السياسة التي تطارد الإبن في غرفة النوم

عالم يخلط بين الدولة والعائلة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك شيء بالغ القسوة في الحروب الحديثة لا يظهر دائما في خرائط القصف ولا في بيانات الجيوش ولا في صور الصواريخ وهي تشق السماء. إنه أن الحرب، حين تعجز عن الوصول إلى خصمها كما تريد، قد تبدأ في البحث عن ظله. والظل هنا ليس منشأة عسكرية. ولا مركز قيادة. ولا قاعدة صواريخ. إنه طفل. في تطور بالغ الحساسية، أفادت تقارير إعلامية بأن الشاب بارون ترامب، أصغر أبناء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ظهر اسمه في تهديدات صادرة عبر مادة بثت على التلفزيون الإيراني، تضمنت الحديث عن مكافأة مالية لمن يقتله. وبحسب ما أوردته التقارير المشار إليها، يأتي ذلك في سياق تصعيد متزايد بين إيران والولايات المتحدة، بعد تهديدات سابقة طالت الرئيس الأمريكي وأفرادا من عائلته.

لكن قبل أن ندخل في الحسابات الجيوسياسية، ينبغي أن نتوقف عند شيء أبسط من السياسة وأقدم منها: الإبن ليس أباه. والابنة ليست أمها. والطفل لا يرث المسؤولية السياسية كما يرث لون العينين. قد يرث الإسم. وقد يرث القصر. وقد يرث الشهرة. لكنه لا يرث الذنب. وهنا تصبح القضية أكبر من بارون ترامب نفسه. لأنها تضع أمام العالم سؤالا أخلاقيا يكاد يكون بدائيا في بساطته، لكنه بالغ العمق في نتائجه: هل يجوز أن تتحول عائلة السياسي إلى ساحة حرب لمجرد أن فردا منها اختارته صناديق الاقتراع أو التاريخ أو الصدفة ليكون في السلطة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإننا لا نكون قد وسعنا دائرة الصراع فقط. نكون قد غيرنا طبيعة السياسة نفسها. لقد كانت الحروب القديمة تبحث عن الجيوش. ثم صارت تبحث عن العواصم. ثم عن الاقتصاد. ثم عن البنية التحتية.

وفي عصر الإعلام الرقمي، بدأت بعض الحروب تبحث أيضا عن الصورة الأكثر قدرة على إنتاج الخوف. وهنا يصبح الطفل، للأسف، سلاحا إعلاميا حتى قبل أن يكون هدفا أمنيا. وهذا هو الجزء الأكثر ظلمة في القصة. لأن قتل طفل لا يصبح أقل فظاعة حين يكون والده رئيسا. بل ربما يصبح أكثر خطورة من الناحية السياسية، لأن استهداف الابن يعني محاولة نقل الصراع من مستوى الدولة إلى مستوى الدم. الدولة يمكنها أن ترد على صاروخ. والجيش يستطيع أن يرد على قاعدة عسكرية. لكن ماذا تفعل دولة حين يتحول طفل إلى رسالة؟ ماذا تفعل حين يصبح الاسم العائلي نفسه هدفا؟ هنا تدخل السياسة إلى منطقة تشبه المتاهة، حيث لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: أي نوع من البشر سنكون بعد أن تنتهي الحرب؟

الطفل الذي لم يصوت هذه الحقيقة البسيطة تضيع أحيانا وسط ضجيج السياسة. بارون ترامب لم يصنع السياسة الخارجية الأمريكية. ولم يفاوض إيران. ولم يقرر العقوبات. ولم يطلق صاروخا. ولم يكتب عقيدة عسكرية. ولم يجلس في غرفة العمليات التي تتخذ فيها الدول قراراتها الكبرى. إنه ابن رئيس. وهذه ليست جريمة. ولا تفويضا مفتوحا للعقاب. فالعدالة، إن كانت عدالة، يجب أن تعرف الفرق بين المسؤولية والقرابة. وإلا فإننا ننتقل من منطق الدولة إلى منطق الثأر. والثأر لا يسأل: من فعل؟ بل يسأل: من ينتمي إليه؟ وهذه واحدة من أخطر النقاط التي يمكن أن تصل إليها السياسة.حين يصبح الانتماء العائلي بديلا عن المسؤولية الفردية، فإن المجتمع الحديث يعود خطوة كاملة إلى الوراء. إلى زمن كانت فيه العائلة وحدة العقاب. إذا أخطأ الأب، عوقب الابن. إذا خسر الملك حربا، ذبح أبناء السلالة. إذا انتصر الحاكم، ورث أبناؤه المجد. الدولة الحديثة قامت، من بين ما قامت عليه، على كسر هذه القاعدة. المسؤولية شخصية. والجريمة شخصية. والعقوبة شخصية. والسياسة، مهما بلغت قسوتها، لا ينبغي أن تحول الأبناء إلى رهائن بيولوجيين لأخطاء آبائهم.

هناك لحظة مرعبة في السياسة الحديثة حين تتوقف الحرب عند الحدود وتدخل البيت. فالقصر الرئاسي مكان سياسي. أما غرفة الطفل فليست كذلك. يمكن أن تكون صورة الرئيس مادة سياسية. يمكن أن تكون تصريحاته هدفا للنقد. يمكن أن يكون قراره موضوعا للعقوبات أو المحاسبة أو المواجهة. لكن تحويل ابنه إلى هدف لمجرد أنه ابنه هو عبور لخط مختلف تماما. إنه اقتحام للمنطقة الأكثر خصوصية في حياة الإنسان: منطقة العائلة. وهنا تصبح الحرب كأنها حيوان أسطوري لا يعرف أين تنتهي الدولة وأين يبدأ البيت. تمد مخالبها من قاعة الاجتماعات إلى غرفة الأطفال. من الخريطة إلى الأسرة. من السياسة إلى الجسد. وهذا هو أحد وجوه الانحطاط السياسي في زمن التصعيد المطلق. حين لا يعود الخصم يرى أمامه إنسانا، بل شجرة عائلة. فيختار فرعا منها ليحرقه كي يرى الجذع يهتز.

حتى عندما لا يقع الاعتداء، فإن التهديد يؤدي وظيفة سياسية. إنه يخلق الخوف. والخوف في السياسة ليس شعورا بريئا. إنه أداة. حين يعرف شخص أن أبناءه يمكن أن يكونوا مستهدفين، يتغير سلوكه. حين يعرف المجتمع أن عائلة مسؤول قد تتحول إلى هدف، تتغير نفسيته. وحين تتكرر التهديدات، يبدأ الخوف في الانتشار مثل حبر أسود داخل الماء. ولهذا فإن التهديد ضد طفل لا يحتاج حتى إلى أن يتحول إلى فعل كي يحقق أثرا. قد يكون الهدف هو صناعة الرعب. وقد يكون الهدف هو الإذلال. وقد يكون الهدف هو إرسال رسالة إلى الأب: نحن لا نستطيع الوصول إليك بالطريقة التي نريد، لكننا نستطيع الوصول إلى خوفك. وهذه من أكثر أدوات الصراع السياسي ظلاما. لأنها تحاول أن تحول الأبوة نفسها إلى نقطة ضعف.

وهنا تظهر مأساة أخرى. السياسي الكبير يستطيع أن يرتدي بدلة الدولة. أن يجلس خلف مكتب ضخم. أن يتحدث بلغة الأمن القومي. أن يصدر الأوامر. لكن حين يعود إلى بيته، يبقى أبا. وحتى أكثر السياسيين قسوة في خطابهم يظلون أمام أطفالهم بشرا. ربما ينسى العالم ذلك لأن السياسة تحب تحويل الأشخاص إلى رموز. ترامب بالنسبة إلى مؤيديه أو خصومه ليس فقط رجلا. إنه مشروع سياسي. وكتلة انتخابية. وصورة. وحقبة. وشعار. لكن بارون لا ينبغي أن يتحول إلى امتداد لهذا الرمز. لأنه لا يحمل مسؤولية القرارات التي اتخذها والده. إنه يحمل فقط اسم العائلة. والإسم ليس جريمة. لكن لماذا تصبح عائلات السياسيين أهدافا؟

لأن الإنسان، مهما بلغت صلابته السياسية، يبقى أكثر هشاشة حين يتعلق الأمر بأطفاله. وهذه حقيقة يعرفها الجميع. يعرفها رجال الأمن. ويعرفها السياسيون. ويعرفها خصومهم. ويعرفها أيضا من يريد صناعة الصدمة. ولهذا فإن استهداف العائلة يمكن أن يكون أكثر تأثيرا نفسيا من استهداف السياسي نفسه. إنه نوع من الحرب على الأعصاب. لا يريد أن يهزمك فقط. يريد أن يجعلك تنظر خلف كتفك كل ليلة. أن تخشى الهاتف. أن ترتبك حين يتأخر ابنك. أن تتحول الأبوة من مساحة حب إلى غرفة إنذار. وهنا تبلغ السياسة درجة من الوحشية لا تحتاج فيها إلى الدم كي تجرح. يكفيها أن تجعل الخوف يسكن البيت.

ينبغي في الوقت نفسه أن نكون دقيقين. التهديد المنسوب إلى جهة إعلامية أو سياسية لا ينبغي أن يتحول تلقائيا إلى دليل على أن كل الإيرانيين يؤيدونه، ولا أن كل مؤسسات الدولة الإيرانية تقف وراءه، ولا أن كل المجتمع الإيراني مسؤول عنه. السياسة الجادة لا تجمع الشعوب في سلة واحدة. ولا تجعل الحكومة مرآة كاملة لشعبها. إيران دولة. والإيرانيون شعب متنوع. والسلطة السياسية ليست هي المجتمع كله. وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول الغضب من تهديد فردي أو خطاب سياسي إلى كراهية جماعية. فالخطأ في التعميم قد يكون الوجه الآخر للخطأ الذي ننتقده. إذا كنا نرفض معاقبة الابن بسبب أبيه، فعلينا أيضا أن نرفض معاقبة شعب بسبب حكومته. إذا كنا نرفض منطق القرابة في العقاب، فعلينا أن نرفضه في السياسة الدولية أيضا.

هناك شيء غريب يحدث في السياسة المعاصرة. الرؤساء أصبحوا شخصيات إعلامية ضخمة. عائلاتهم تدخل في الحياة العامة. أبناؤهم يظهرون في الصور. زوجاتهم يتحولن إلى شخصيات سياسية أو إعلامية. حساباتهم الرقمية تصبح مادة للأخبار. وهكذا تذوب الحدود تدريجيا بين الدولة والعائلة. لكن ذوبان الحدود هذا يحمل ثمنا. حين تصبح العائلة جزءا من الصورة السياسية، قد تصبح أيضا جزءا من الصراع السياسي. وهنا ينبغي على الإعلام والمجتمع والسياسيين أنفسهم أن يتذكروا قاعدة بسيطة: ليس كل ما يمكن نشره يجب أن يستخدم. وليس كل ما يثير الفضول يستحق أن يتحول إلى مادة سياسية. هناك فرق بين معرفة الجمهور بما يحدث، وبين تحويل حياة الأبناء إلى مسرح دائم للصراع.

ربما يكون أكثر ما يثير الحزن في هذه القضية أن الطفل يصبح أحيانا مرآة لعجز الكبار عن حل خلافاتهم. حين تعجز الدول عن التفاهم، تبدأ لغة التهديد. وحين تعجز عن التفاوض، تبدأ لغة القوة. وحين تصل القوة إلى حدودها، تبحث السياسة عن رموز أخرى. ثم، في أسوأ السيناريوهات، تجد الأطفال. كأن الكبار يقولون للعالم: لقد فشلنا في الاتفاق، ولذلك سنجعل أبناءنا يدفعون ثمن فشلنا. وهذا ليس جديدا في التاريخ. الأطفال دائما كانوا أول من يدفع فاتورة الحروب التي لم يختاروها. يموتون في المدن التي لم يبنوها. يهجرون من البيوت التي لم يهدموها. ويحملون في ذاكرتهم صورا صنعتها قرارات اتخذها أشخاص أكبر منهم بكثير. لكن تحويل طفل بعينه إلى هدف سياسي يضيف طبقة أخرى من القسوة: أن يصبح الطفل نفسه رسالة.

يمكن للدول أن تختلف. يمكنها أن تعاقب. يمكنها أن تتفاوض. يمكنها أن تفرض العقوبات. يمكنها أن ترد عسكريا. يمكنها حتى أن تخوض الحروب عندما ترى أن مصالحها الحيوية تستدعي ذلك. لكن حتى الحرب لها حدود. وهذه الحدود ليست ضعفا. إنها آخر ما يفصل السياسة عن الغابة. الدولة التي تملك القوة ولا تعرف متى تتوقف تتحول من دولة قوية إلى دولة خائفة من نفسها. والقوة التي تستهدف من لا علاقة له بالقرار لا تصبح أكثر قوة. إنها تكشف فقط أنها فقدت القدرة على التمييز. والتمييز هو جوهر الحضارة. أن تعرف من المسؤول. ومن ليس مسؤولا. ومن يجب أن يحاسب. ومن يجب أن يحمى. ومن هو الخصم. ومن هو الطفل الذي وجد نفسه، من دون استئذان، داخل حرب الكبار.

قد يبدو غريبا القول إن القضية ليست بارون ترامب. لكنها ليست كذلك فعلا. بارون هنا اسم. أما القضية فهي المبدأ. إذا سمحنا بأن يصبح أبناء السياسيين أهدافا بسبب آبائهم، فإن القاعدة ستتسع. اليوم ابن رئيس أمريكي. وغدا ابنة مسؤول إيراني. وبعده أبناء رئيس أوروبي. ثم أطفال جنرال. ثم عائلة صحفي. ثم أقارب ناشط. وبهذا تتحول السياسة إلى سلسلة لا تنتهي من الثأر العائلي. وهنا يموت مفهوم المسؤولية الفردية. وتولد دولة القبيلة. والقبيلة لا تعرف القانون. تعرف الولاء والانتقام. الحضارة تبدأ من الطفل الذي لا نستخدمه ربما لهذا يمكن قياس تحضر السياسة بسؤال بسيط للغاية: هل تستطيع أن تكره سياسة الأب من دون أن تكره الطفل؟ هل تستطيع أن تعارض الرئيس من دون أن تجعل ابنه هدفا؟ هل تستطيع أن تقاتل الدولة من دون أن تحول عائلاتها إلى ساحات للانتقام؟ إذا كانت الإجابة نعم، فما زال هناك شيء اسمه سياسة. أما إذا أصبحت العائلة امتدادا للمعركة، فقد خرجنا من السياسة إلى شيء أقدم وأكثر بدائية. شيء يشبه الثأر. والثأر لا يعرف نهاية. كل ضربة تستدعي ضربة. وكل طفل يصبح سببا لطفل آخر. حتى يتحول التاريخ إلى مقبرة لا تعرف من بدأ فيها القتل.

وسط الخرائط. والصواريخ. والعقوبات. والتهديدات. والخطابات. والجغرافيا السياسية. هناك طفل لم يختر شيئا من هذا. قد يكون ابن رئيس. وقد يكون ابن جندي. وقد يكون ابن عامل إيراني. وقد يكون ابن عائلة فلسطينية. وقد يكون ابن أسرة إسرائيلية. وقد يكون طفلا في طهران أو واشنطن أو غزة أو تل أبيب. لكن الطفل، في كل هذه الأماكن، يشترك في شيء واحد: أنه لم يكتب الحرب. لم يضع حدودها. لم يوقع قراراتها. لم يطلق صاروخها الأول. ولم يختر أن يرث خوفها. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السياسة ليس فقط أن تقتل الأبرياء. بل أن تقنع العالم بأن براءة الطفل لا تمنحه حصانة. إذا وصلنا إلى هذه النقطة، فإن المشكلة لم تعد في حرب بين دولتين. لقد أصبحت الحرب قد دخلت إلى تعريف الإنسان نفسه. وأخطر لحظة في التاريخ ليست حين يرفع الجنرال يده. بل حين يصبح الطفل قابلا لأن يرفع العالم عنه عينيه. لذلك، أيا كان الخلاف بين واشنطن وطهران، وأيا كانت الجرائم والقرارات والعقوبات والحروب التي يتبادلها السياسيون، يجب أن تبقى هناك منطقة محرمة: الأطفال. لأن الطفل ليس دولة. ولا حكومة. ولا عقوبة مؤجلة. ولا ورقة تفاوض. ولا هدفا مشروعا للانتقام. إنه ببساطة طفل. وإذا عجزت السياسة عن حماية هذه الكلمة الصغيرة، فقد يكون العالم قد ربح كل معاركه الجيوسياسية، وخسر في المقابل المعركة الوحيدة التي كان يجب ألا يخسرها: معركة أن يبقى الإنسان إنسانا، حتى عندما تفقد الدول إنسانيتها في لحظة الغضب.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *