المبدع كرئة المغرب بالمهجر
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك فنانون يرسمون اللوحة، وهناك فنانون يجعلون اللوحة ترسم شيئا في داخلنا، وهناك قلة نادرة تجعل اللوحة نفسها تستدير نحونا، وتطرح علينا السؤال الذي كنا نظنه ملكا لنا: من نحن، حين تسقط عن الذاكرة أسماء الأماكن؟ وماذا يبقى من الوطن حين يتحول من شارع إلى رائحة، ومن بيت إلى ظل، ومن صوت بعيد إلى ارتجافة في اللون؟ عبد القادر مسكار ينتمي، في تقديري، إلى هذه القلة. حين أقف أمام أعماله، لا أشعر أنني أمام ألوان موضوعة على قماش، بل أمام كائنات خرجت من مختبر سري للخيال، حملت من المغرب شيئا من غباره، ومن العيطة شيئا من صخبها، ومن المنفى شيئا من صمته، ثم راحت تبحث في اللون عن وطن لا تحده الخرائط. في لوحاته لا يبدو اللون مادة. يبدو كأنه ذاكرة لها جلد، وروح لها نبض، وحكاية قديمة هربت من كتاب الأساطير واستقرت فوق القماش. الأحمر عنده ليس أحمر. إنه جرح يتذكر. والأزرق ليس أزرق. إنه نافذة معلقة بين أرضين. والأصفر لا يضيء فقط، بل يبدو كأنه شمس صغيرة رفضت أن تسكن السماء، واختارت أن تستوطن اللوحة. أما الأسود فلا يأتي ليقتل الضوء، بل ليكشف سره الآخر، كأن العتمة نفسها اكتشفت ذات يوم أنها ليست نقيض النور، بل ذاكرتها الخفية. وهنا تبدأ خصوصية عبد القادر مسكار. إنه لا يتعامل مع اللون كما يتعامل الرسام مع علبة الألوان، بل كما يتعامل الموسيقي مع مقام، والشاعر مع كلمة، والصوفي مع إشارة لا تشرح نفسها إلا لمن اقترب منها كثيرا. كل لون عنده له مقام. وكل خط له سر. وكل انحناءة تبدو كأنها أثر لشيء مر من هنا ذات حلم، ولم يترك وراءه إلا ظله. لكن وراء هذا العالم الغرائبي مسار فني طويل لا يقل إثارة عن اللوحات نفسها.

ولد عبد القادر مسكار سنة 1961 في الدار البيضاء، وتلقى تكوينا في الفنون التطبيقية بالمغرب، وعمل مدرسا للفنون التشكيلية قبل أن يتفرغ لمشروعه الفني. ثم حمل تجربته إلى أوروبا، فعاش نحو عشرين عاما في إيطاليا، بين تريفيزو وريجو كالابريا ومسينا وصقلية، قبل أن يستقر في فرنسا، حيث واصل ممارسته الفنية وتعليمه الخاص. لكن هذه الجغرافيا ليست مجرد سيرة سفر. إنها جغرافيا لتكوين العين. ثلاثة عقود وأكثر من الاشتغال على المادة والذاكرة والعلامة تبدو، عند التأمل، كأنها طبقات جيولوجية في جبل لا يكشف أسراره دفعة واحدة. كل مرحلة لم تلغ السابقة، بل أعادت تأويلها. كل مكان ترك ذرة في اللون. كل غياب أضاف طبقة إلى الذاكرة. وكل مسافة جعلت المغرب، paradoxalement، أقرب. وهنا تبدأ الحكاية الكبرى: حكاية أبناء المهجر الذين لا يغادرون أوطانهم تماما، بل يعيدون اختراعها في المسافة.
ابن المهجر… حين يصبح البعد طريقة أخرى لرؤية الوطن
ما الذي يحدث للفنان حين يغادر بلاده؟ هل يبحث عن مكان جديد للفن، أم يبحث عن نسخة جديدة من ذاته؟ وهل الهجرة تغير جغرافيا الحياة فقط، أم تغير العين التي يرى بها الإنسان العالم؟ ربما كان عبد القادر مسكار قد غادر المغرب، لكن المغرب لم يغادره. بل يبدو أن الوطن، بعد الهجرة، أصبح أقل شبها بالجغرافيا وأكثر شبها بالروح. فالإنسان حين يكون داخل وطنه قد يعيش التفاصيل دون أن يدرك ثقلها الرمزي. الشارع شارع. والصوت صوت. والنسيج نسيج. والمرأة التي تغني جزء من الحياة اليومية. لكن حين يصبح كل ذلك بعيدا، تتحول الأشياء الصغيرة إلى كواكب في سماء الذاكرة. الرائحة تصبح أرشيفا. والصوت يصبح وطنا. واللون يصبح حنينا. والطفولة تصبح مادة تشكيلية. وهكذا يصبح المهجر مختبرا لاكتشاف الوطن. فهل كان على مسكار أن يبتعد عن المغرب حتى يرى المغرب بوضوح أكبر؟ وهل كانت إيطاليا وفرنسا مجرد محطتين في سيرته، أم أنهما صنعتا في عينه نافذتين جديدتين رأى من خلالهما جذوره القديمة؟ وهنا سؤال لا يمكن للفنان أن يهرب منه:
أيهما كان أكثر تأثيرا فيك: الوطن الذي غادرته، أم الأمكنة التي استقبلتك؟
جواب عبد القادر مسكار
حين عشت في إيطاليا وفرنسا، كنت أبحث عن وطني في قلب أوطان أخرى. لم أكن أريد أن أحمل المغرب كما هو، ولا أن أنقله من مكان إلى مكان كصورة معلقة على جدار الغربة. كنت أبحث عن جوهره، عن ذلك السر الخفي الذي يجعل الموسيقى ذاكرة، والعيطة نداء لا تحده الجغرافيا، والزربية خريطة من الألوان، والفن المغربي لغة تستطيع أن تعبر من المحلي إلى الإنساني. في أوروبا تأثرت كثيرا بتجارب فنية مختلفة، وتعلمت أن الفن لا يعيش داخل الحدود. لكنني كلما اقتربت من الآخر، كنت أقترب أكثر من نفسي. ومع الوقت أدركت أنني لا أريد أن أكون صدى لأحد، ولا نسخة من تجربة سبقتني. أردت أن أكون عبد القادر مسكار. لذلك عدت إلى جذوري، لا لأختبئ فيها، ولا لأغلق عليها أبواب العالم، بل لأبحث في أعماقها عن ذلك الشيء الذي يشبه الجميع. عدت إلى المغرب كما يعود الفنان إلى منبعه الأول، لا ليستعيد الماضي، بل ليكتشف فيه المستقبل. ففي الجذور، كما في الموسيقى، هناك ما لا يرى لكنه يصل إلى القلب. وهناك ما يبدأ من قرية، أو نغمة، أو لون، أو حرفة، ثم يكبر حتى يصبح ملكا للإنسان أينما كان. أنا لا أبحث عن مغرب محلي داخل فني، بل عن الإنسان الذي يسكن المغرب، وعن المغرب الذي يمكن أن يسكن الإنسان. لهذا كان رجوعي إلى الجذور نوعا من السفر، لا عودة إلى الوراء. وكلما تعمقت فيها، اتسعت المسافة التي أستطيع أن أقطعها نحو العالم. فالفنان لا يصبح عالميا حين يبتعد عن أصله، بل حين يكتشف في أصله ما يستطيع العالم كله أن يتعرف إليه.
من الجغرافيا إلى الهوية… حين يحمل الفنان وطنه دون أن يحمله
هل يستطيع الفنان أن يغادر وطنه فعلا؟ أم أن الوطن، بعد الهجرة، يبدأ في ملاحقته بطريقة أكثر خفاء؟ كأن الفنان يحمل وطنه لا في حقيبته، بل في دمه وذاكرته. قد يغادر الجغرافيا، لكنه لا يغادر الجذور. بل ربما يحدث العكس: كلما اتسعت المسافة عن المكان، اتسعت داخله صورته. ومن هنا يصبح البحث عن العالمي داخل المحلي بحثا عن الإنسان في أنقى تجلياته. فما يمنح الفن قدرته على عبور الحدود ليس ابتعاده عن الهوية، بل عمق انتمائه إليها. الفنان الحقيقي لا يهرب من وطنه حين يسافر، بل يأخذه معه، ويعيد اكتشافه في مرايا العالم. وفي كل عمل عظيم شيء من التراب الأول، من الذاكرة الأولى، من اللغة التي سكنت القلب قبل أن يعرف اللغات. وربما لهذا يظل المغربي، حين يبلغ العالم، أكثر مغربية لا أقل؛ لأن العالم لا يذيب الجذور، بل يكشف امتدادها. العالمي، في النهاية، ليس نقيضا للمحلي. إنه المحلي حين يجد لغته التي يستطيع بها أن يخاطب الجميع. أبناء المهجر يعرفون هذه المفارقة. إنهم يعيشون بين عالمين، لكنهم قد يخلقون، من هذا الانقسام نفسه، عالما ثالثا لا يشبه أيا منهما تماما. وهنا تتحول الغربة من جرح إلى مادة. ومن المسافة إلى منظور. ومن الانتماء المزدوج إلى ثراء بصري.

قبل المنفى الأوروبي… مسكار الذي خرج من المغرب إلى العالم
لكن ثمة تفصيلا في سيرة مسكار يستحق أن يتقدم إلى واجهة الحكاية، لا أن يبقى في هامشها. فهو لم يكن فنانا غادر المغرب ثم اكتشف العالم من بعيد. لقد خرج إلى العالم وهو يحمل معه اعترافا مبكرا بأنه جزء من المشهد التشكيلي المغربي. في الثمانينيات، وقع اختياره لتمثيل المغرب في معرض إسباني عربي في إسبانيا، إلى جانب أسماء صارت لاحقا جزءا من الذاكرة الكبرى للفن التشكيلي المغربي: محمد القاسمي، وفريد بلكاهية، ومحمد المليحي، وبلامين. وكان ذلك في مرحلة كان فيها محمد بن عيسى وزيرا للثقافة، وفي سياق ثقافي جرى تحت إشراف الملك الحسن الثاني -رحمه الله- والملك خوان كارلوس. وهنا لا يعود السفر مجرد سفر. إن الفنان الذي سيصبح لاحقا ابن مهجر كان، منذ وقت مبكر، يعبر الحدود بوصفه حاملا لصورة المغرب، لا بوصفه مغربيا يقيم خارج المغرب فحسب. كان يخرج ومعه لون. ومع اللون ذاكرة. ومع الذاكرة بلد كامل. وهذا يغير قراءة مساره. لأن المهجر لم يكن بداية علاقته بالعالم. كان امتدادا لمسار بدأ من داخل المغرب، ثم أخذ يتسع مثل دائرة القذف في الماء: من المغرب إلى إسبانيا. ومن إسبانيا إلى إيطاليا. ومن إيطاليا إلى فرنسا. ومن الجغرافيا إلى الذاكرة. ومن الذاكرة إلى اللون. ومن اللون، في نهاية المطاف، إلى الإنسان. وهنا يحق لنا أن نسأل مسكار سؤالا لا عن الماضي فقط، بل عن معنى أن يكون قد حمل اسم المغرب إلى الخارج منذ تلك المرحلة المبكرة:
ماذا بقي في عين الفنان الشاب الذي خرج من المغرب آنذاك، داخل عين الفنان الذي عاش بعد ذلك عقودا في إيطاليا وفرنسا؟ هل بقيت العين نفسها؟ أم أن المدن التي عبرتها لم تضف إلى لوحتك فقط، بل أعادت تشكيل الطريقة التي ترى بها المغرب نفسه؟
إيطاليا… حين يصبح التاريخ مختبرا للعين
عشرون عاما في إيطاليا ليست هامشا في تجربة فنان. إنها حياة فنية كاملة. إيطاليا، بتاريخها التشكيلي الهائل، وبمدنها التي تبدو كأنها لوحات خرجت من المتاحف ومشت في الشوارع، لا يمكن أن تمر أمام فنان دون أن تترك شيئا في يده وعينه.
إجابة عبد القادر مسكار
منحتني إيطاليا أكثر من مجرد فرصة للعيش في فضاء الفن؛ جعلتني أختبر الفن والتاريخ بصورة مباشرة وحية. في روما وفينيسيا وبادوفا، وفي مدن إيطالية أخرى، كنت أتنقل بين طبقات الحضارات، وأتأمل آثارها وأعمال عصر النهضة، وأكتشف المعارض الكبرى، وفي مقدمتها بينالي فينيسيا. شكلت هذه التجربة احتكاكا مباشرا بالفن العالمي، أغنى ذائقتي البصرية، ووسع أفق بحثي، وجعلني أكثر وعيا بالعلاقة العميقة بين العمل الفني وذاكرته التاريخية والثقافية.
فرنسا… حين تدخل اللوحة في حوار مع تاريخ الفن
ثم جاءت فرنسا، بذاكرة الحداثة، وبمؤسساتها الفنية، وبذلك الفضاء الذي يجعل الفنان يدخل في حوار طويل مع تاريخ الفن الأوروبي.
عبد القادر مسكار يجيب
أما فرنسا، وباريس تحديدا، فقد منحتني تجربة فنية بالغة الأهمية، من خلال مشاركتي المستمرة في صالون الخريف، هذا الفضاء الذي يحتل مكانة استثنائية في تاريخ الفن الحديث. كان الصالون، منذ بداياته، مساحة رحبة للتجارب الجديدة، وفتح أبوابه لفنانين رواد مثل ماتيس وبراك وبيكاسو، في وقت كانت فيه بعض المؤسسات والأوساط الفنية التقليدية لا تزال مترددة في استقبال التحولات الجمالية والفنية الجديدة. وقد أتاح لي حضوري المتواصل فيه أن أعيش جزءا من هذه الذاكرة الفنية، وأن أتابع عن قرب حوار الفن المعاصر مع تاريخه، وأن أختبر تجربتي الخاصة داخل فضاء يحمل إرثا من الجرأة والانفتاح والتجديد. وهنا يعود السؤال: هل كانت إيطاليا مختبر المادة والضوء والتجربة، بينما كانت فرنسا مختبر الحوار والاحتكاك والمؤسسة؟ وهل كان الاحتكاك بالفن الأوروبي سببا في تحرير تجربتك، أم أنه جعلك تكتشف أكثر ما يميز جذورك المغربية؟ أحيانا لا نعرف بيتنا إلا حين نخرج منه. وأحيانا لا نرى هندسة الوطن إلا من نافذة المنفى. لهذا فإن المهجر عند مسكار لا يبدو قطيعة مع المغرب، بل مرآة ثانية له. مرآة لا تعيد الوجه نفسه، بل تعيده وقد أضيفت إليه طبقات من السفر والزمن والغياب.
ثم جاءت العيطة…
منذ سنة 1986، أخذت العيطة موقعا مركزيا في البحث التشكيلي لعبد القادر مسكار. وهنا تحديدا لا بد من التوقف قليلا. لأن العيطة عند مسكار ليست مجرد تراث موسيقي يستعاد بصريا، ولا فولكلورا يعلق على جدار، ولا حنينا إلى زمن مضى. إنها، في تجربته، كائن حي: صوت. جسد. إيقاع. ذاكرة. صرخة. نداء. وأحيانا وطن كامل يختصر في حنجرة امرأة. وهنا حدث التحول الأكثر إثارة: العيطة التي كانت فنا يسمع، أصبحت عند مسكار فنا يرى. تحول الصوت إلى لون. والإيقاع إلى بناء تشكيلي. والرقصة إلى خط وحركة. والجسد الذي كان يتحرك أمام الجمهور أصبح علامة حية داخل اللوحة. أما الشيخة، فلم تعد مجرد شخصية تؤدي أغنية شعبية، بل غدت في عالمه البصري حاملة لذاكرة نسائية وشعبية تتجاوز حدود المشهد الفولكلوري، لتلامس أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء والوجود. وهنا بالضبط يكمن الفرق بين الفنان الذي يوثق والفنان الذي يخلق. فالتوثيق يحفظ الماضي. أما الفن الكبير فيمنح الماضي قدرة جديدة على الكلام مع المستقبل. ومهمة مسكار لم تكن أن يقول لنا: هذه هي العيطة، بقدر ما كانت أن يطرح أسئلة أكثر عمقا: ماذا يمكن أن تصبح العيطة داخل الفن المعاصر؟ ماذا يحدث حين نمنح الذاكرة الشعبية جسدا بصريا جديدا؟ وهل نحافظ على التراث حين نكرره، أم حين نسمح له بأن يتغير ويتنفس؟ أين ينتهي الوفاء للجذور ويبدأ خطر التجميد؟ ومتى يصبح التجديد خيانة إذا محا الذاكرة التي جاء منها؟ في هذه المنطقة الدقيقة، وربما الخطرة، دخل مسكار. فهو لا يريد للعيطة أن تتحول إلى حجر في متحف، كما لا يريد لها أن تضيع في طاحونة الحداثة. إنه يريدها أن تبقى حية. أن تتنفس. أن تتغير. وأن تحتفظ، في الوقت نفسه، بذاكرتها الأولى.
جواب عبد القادر مسكار
بالنسبة إلي، العيطة ليست مجرد صوت في الذاكرة المغربية، بل هي واحدة من أصدق الطرق التي استطاعت بها هذه الذاكرة أن تتكلم. إنها صوت قديم، لكنه لم يشخ؛ حملته أجيال من النساء، وعبره وجدن مساحة ليقلن ما تعجز الحياة اليومية أحيانا عن قوله. في العيطة فرح المرأة وحزنها، انكسارها وقوتها، حبها وفقدها، وأشياء كثيرة ظلت تختبئ طويلا خلف الصمت. لذلك لم أقترب من العيطة بوصفها موثقا للموسيقى، ولم تكن غايتي أن أرسم ما أراه أو أن أنقل ما أسمعه. كنت أريد أن أذهب أبعد من ذلك. كنت أريد أن أرى الصوت. كنت أبحث عن اللحظة التي يتحول فيها الإيقاع إلى حركة، والصرخة إلى لون، والوجع إلى مادة، والصمت نفسه إلى مساحة داخل اللوحة. كنت أريد أن أجعل العين تسمع، وأن أجعل اللون يحمل شيئا من ارتعاش الصوت. وفي العيطة، لم تكن المرأة بالنسبة إلي مجرد شيخة تؤدي أغنية، بل كانت بوابة إلى إنسان كامل. كنت أبحث خلف صوتها عن الأم، والأخت، والحبيبة، والمرأة التي تقاوم، والإنسانة التي تحمل على كتفيها أثقال الحياة وذاكرة المكان. ومع الوقت اكتشفت أنني حين أرسم المرأة في العيطة، لا أرسم امرأة بعينها، ولا زمنا بعينه؛ أرسم أثر الإنسان حين يحاول أن يمنح ألمه صوتا، وأن يمنح فرحه معنى. لهذا أقول إن صوت المرأة في العيطة، وإن خرج من حنجرتها، لم يكن صوتها وحدها. كان صوت قرية، وذاكرة، وأرض، وربما وطن كامل يبحث عن نفسه في الغناء. لقد بدأت من العيطة لأبحث عن صوت المرأة، ثم اكتشفت أنني كنت أبحث، في العمق، عن صوت الإنسان المغربي. وربما لهذا لم أعد أريد أن أسمع العيطة في اللوحة فحسب، بل أن أجعلها تظل حية فيها.

من العيطة إلى الإنسان…
لكن ثمة انزياحا آخر يستوقف العين في الأعمال الأخيرة لعبد القادر مسكار؛ انزياح هادئ في ظاهره، لكنه عميق في دلالته. كأن الريشة التي أمضت سنوات وهي تنبش في ذاكرة المكان، وفي العيطة، وفي الأرشيف الشعبي، بدأت تنبش هذه المرة في شيء أقدم من المكان نفسه: الإنسان. لم يعد الإنسان مجرد هيئة راقصة، أو ظل عابر في ذاكرة جماعية، أو جزءا من طقس شعبي. يبدو أنه بدأ يحتل مركز اللوحة باعتباره سؤالا قائما بذاته: هشاشته. وحدته. قلقه. علاقته بالآخر. كرامته. ضعفه. وما يتبقى منه حين تسقط عنه كل العلامات التي تمنحه هويته الظاهرة. وهنا تقف تجربة مسكار أمام منعطف بالغ الأهمية. فماذا جرى؟ وماذا حدث حتى انتقلت الريشة من مساءلة الذاكرة المغربية والعيطة والمكان إلى مساءلة الإنسان والإنسانية؟ هل تغير الموضوع فقط، أم أن الفنان نفسه تغير أيضا؟ هل وصل مسكار، بعد كل هذه الرحلة، إلى تلك اللحظة التي يكتشف فيها الفنان أن أعمق ما في المكان هو الإنسان الذي يسكنه؟ وهل انتقل من سؤال: من نحن؟ إلى سؤال أكثر اتساعا: ماذا يعني أن نكون بشرا؟ قد لا يكون هذا التحول قطيعة مع تجربته السابقة بقدر ما يكون ثمرتها الطبيعية. فالذي يبدأ بالبحث عن الذاكرة قد ينتهي، في لحظة ما، إلى البحث عن الإنسان. والذي ينصت طويلا إلى صوت الشيخة قد يكتشف أن وراء الأغنية إنسانا يبحث عن الاعتراف. والذي يرسم الجسد الراقص قد يصل، بعد سنوات، إلى الجسد الذي لم يعد يرقص؛ الجسد الذي يحمل وحده عبء الوجود. كأن العيطة كانت إحدى الطرق التي قادت الفنان إلى الإنسان. وكأن المغرب كان الباب. لكن الإنسان أصبح الأفق.

الجسد… حين يضطر الفنان إلى الدخول في لوحته
وهنا لا بد من إعادة النظر في واحدة من أكثر الأفكار إغراء في قراءة تجربة مسكار الأخيرة. قد يبدو للعين أن الجسد دخل تجربته في السنوات الأخيرة بوصفه انعطافا جديدا. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. فالجسد لم يدخل متأخرا. كان ينتظر في مكان ما داخل اللوحة منذ التسعينيات. منذ ذلك الوقت كان مسكار يشتغل على الجسد، وكان من الأعمال التي يعتز بها في تلك المرحلة لوحة «الدمية»، حيث يبدو الجسد كأنه تحركه خيوط غير مرئية، كأن الإنسان نفسه قد يتحول إلى لعبة في يد قوة لا نراها. وحصل العمل على الجائزة الثانية في أحد اللقاءات الفنية المهمة في المغرب. وهنا يصبح الجسد في تجربة مسكار سؤالا قديما، لا موضوعا جديدا. الجسد كان موجودا. لكن شيئا حدث لاحقا. شيء لا يحدث دائما في المرسم. شيء لا تستطيع الريشة أن تتنبأ به. شيء جاء من الحياة نفسها. في سنة 2023، في تامسنا، سقط مسكار في بالوعة متهالكة. حادث عابر في ظاهر الأمر. لكنه لم يكن عابرا بالنسبة إلى فنان ظل يرسم الجسد من الخارج. أصيب في ساقه، وخضع لخياطة بـ28 غرزة، واضطر بعد ذلك إلى التوقف عن العمل والحركة لعدة أشهر.
وهنا حدثت المفارقة التي تبدو، في قسوتها، كأنها خرجت من رواية عن الفن. الفنان الذي كان يرسم الجسد، وجد نفسه فجأة داخل الجسد. الجسد الذي كان موضوعا للنظر أصبح هو نفسه عين الفنان. الجسد الذي كان يتحرك في اللوحة توقف عن الحركة في الحياة. واليد التي كانت تبحث عن الشكل اضطرت إلى انتظار الجسد كي يستعيد قدرته على الحركة. كأن الحياة، في لحظة قاسية، سحبت الفرشاة من يد الفنان وقالت له: الآن انظر. لا إلى الجسد الذي ترسمه. بل إلى الجسد الذي تسكنه. وخلال تلك الأشهر، وجد مسكار نفسه أمام شيء لم يفكر فيه من قبل بهذه الطريقة: جسده هو. ألم. ضعف. حاجة إلى الراحة. حدود الحركة. هشاشة الكائن البشري حين تتخلى عنه بساطة الحركة التي نمارسها كل يوم دون أن نشكرها. وهنا لا يصبح الحادث سببا لاختراع موضوع الجسد. بل يصبح سببا لتغيير العلاقة به. وهذا فارق نقدي مهم. فالفنان لم يبدأ الاشتغال على الجسد بسبب الحادث. بل الحادث غير المسافة بينه وبين الجسد. كان يرسمه من الخارج. ثم أجبرته الحياة على أن يشعر به من الداخل. كان الجسد هيئة. ثم صار تجربة. كان شكلا. ثم صار مصيرا. كان موضوعا. ثم أصبح شاهدا.

عبد القادر مسكار يقول
اهتمامي بالجسد ليس جديدا في تجربتي. منذ التسعينيات وأنا أشتغل عليه، ومن أعمال تلك المرحلة لوحة «الدمية»، حيث كان الجسد يبدو كأنه يتحرك بخيوط خفية، وقد حصلت بها على الجائزة الثانية في أحد اللقاءات الفنية المهمة في المغرب. لكن حادث تامسنا سنة 2023، حين سقطت في بالوعة متهالكة وأصبت في ساقي، وخضعت لخياطة بـ28 غرزة، جعلني أعيش الجسد بطريقة مختلفة تماما. توقفت عن العمل والحركة لعدة أشهر، ووجدت نفسي للمرة الأولى أمام جسدي أنا، أمام الألم، والضعف، والحاجة إلى الراحة، وأمام ذلك الجانب من الجسد الذي لا نراه إلا عندما يخذلنا. لذلك لم يبدأ الحادث اهتمامي بالجسد، لكنه غير علاقتي به. جعلني أراه من الداخل، لا باعتباره شكلا أو هيئة فقط، بل باعتباره كائنا يحمل الألم والذاكرة والهشاشة، ويحمل أيضا قدرة غريبة على الصبر واستعادة نفسه. توقف جسدي عن الحركة لفترة، لكن شيئا آخر بدأ يتحرك في داخلي. كان هناك إحساس جديد يتشكل بصمت، ثم وجد طريقه إلى اللوحة. ربما احتجت إلى أن يتوقف الجسد كي أكتشف ما كان يتحرك في أعماقي.
الجسد الذي توقف… والروح التي بدأت تتحرك
لعل أكثر الجمل كثافة في هذه الحكاية تلك التي يمكن أن نضعها على باب المرحلة الجديدة من تجربة مسكار: توقف جسدي عن الحركة لفترة، لكن شيئا جديدا بدأ يتحرك داخلي، ووجد طريقه إلى اللوحة. هذه ليست مجرد عبارة سيرة ذاتية. إنها تكاد تكون بيانا فنيا. فكم من مرة لا يبدأ الفن حين تتحرك اليد، بل حين يتوقف الجسد؟ وكم من مرة لا يولد الشكل من الحركة، بل من العجز عنها؟ الجسد المصاب يعلم الفنان شيئا لا تستطيع الكتب أن تعلمه: أن الحركة امتياز. وأن الألم ليس فكرة. وأن الضعف ليس استعارة. وأن الإنسان لا يسكن جسده كما يسكن بيتا محايدا، بل يعيش داخله مثل مسافر قد يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن جدران البيت تغيرت. من هنا يصبح اهتمام مسكار بالإنسان في أعماله الأخيرة أكثر قابلية للفهم. لقد انتقل السؤال من: كيف يبدو الجسد؟ إلى: كيف يشعر الجسد؟ ومن: كيف يتحرك الإنسان؟ إلى: ماذا يحدث له حين لا يستطيع الحركة؟ ومن: كيف أرسم الإنسان؟ إلى: ماذا يبقى من الإنسان حين يصبح الجسد نفسه سؤالا؟ وهنا تبدأ منطقة أكثر خطورة في تجربة الفنان. لأن الجسد ليس مجرد شكل. إنه ذاكرة الألم. ومخزن الخوف. ومكان الرغبة. وحدود الحرية. والدليل الوحيد على أننا مررنا من هذا العالم.
من الجسد إلى الإنسان… ومن الإنسان إلى الإنسانية
من هنا يبدو التحول في أعمال مسكار الأخيرة أقل غموضا. لم يعد الإنسان مجرد هيئة راقصة. ولا مجرد ظل في ذاكرة جماعية. ولا جزءا من طقس شعبي. بدأ يحتل مركز اللوحة باعتباره سؤالا قائما بذاته. لكن السؤال هنا لا يتعلق بالإنسان بوصفه جسدا فقط. بل بالإنسان بوصفه مصيرا مشتركا. وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل أصبح الإنسان عندك هو «التراث الأخير» الذي يستحق أن تبحث فيه؟ في بداياتك، كنت تبحث عن الإنسان داخل ذاكرته الجماعية، داخل العيطة والرقص والرمز والمادة. واليوم يبدو أنك تبحث عنه قبل كل هذه العلامات. فهل انتقلت من رسم «الإنسان الذي ينتمي» إلى رسم «الإنسان الذي يبحث عن معنى»؟
عبد القادر مسكار يحكي
لا أعتقد أن الإنسان أصبح عندي «التراث الأخير»، بل أراه نتيجة طبيعية لمسار طويل قطعته في تجربتي. بالنسبة إلي، الماضي والحاضر ليسا زمنين منفصلين، بل نهر واحد. الماضي لا ينتهي حين نعبره، وإنما يظل حاضرا فينا، يبني حاضرنا ويترك أثره في الطريقة التي نرى بها العالم والإنسان. وحين أعود اليوم إلى الإنسان، فأنا لا أبتعد عن تراثي، بل أحاول أن أذهب به إلى أبعد نقطة ممكنة. أبحث عن تلك المساحة التي يمكن من خلالها أن آخذ شيئا من تراثي المغربي، من ذاكرته ورموزه وحساسيته، وأجعله قادرا على الوصول إلى الإنسان في كل مكان؛ في المغرب، وفي إيطاليا، وألمانيا، وأمريكا، وفي أي مكان يمكن للفن فيه أن يجد عينا وقلبا يستقبلانه. وربما لهذا السبب أجد نفسي أعود باستمرار إلى البدايات الأولى، إلى الكهوف، والرسومات القديمة، وآثار الإنسان الأول. عندما أتأمل تلك العلامات التي تركها الإنسان على الصخور وجدران الكهوف، أشعر أنني أمام أول محاولة للإنسان كي يقول: كنت هنا. وشعرت. ورأيت. وحلمت. ما بقي من تلك الحضارات ليس فقط الأدوات التي صنعتها، ولا الأشياء التي تركتها وراءها، بل تلك الرغبة الأولى في التعبير، ذلك الأثر البسيط الذي اختصر وجود إنسان كامل في خط أو شكل أو علامة. ولهذا أعتقد أن الفن، في نهايته، يجب أن يخاطب الإنسان قبل أي شيء آخر. يمكن للفنان أن يبدأ من قرية، أو من ذاكرة، أو من تراث، أو من لون محلي، لكن القيمة الحقيقية للفن تبدأ حين يستطيع هذا المحلي أن يعبر حدوده ويصل إلى الإنساني. أن تبدأ من مكانك، لكن ألا تتوقف عنده. أن تحمل جذورك معك، من دون أن تجعلها حدودا لك.
من العيطة إلى الطفولة… الذاكرة التي لم تكن تعرف أنها ستكون فنا
لكن العيطة، في تجربة مسكار، لا تعود فقط إلى الذاكرة الوطنية. إنها تعود إلى شيء أكثر حميمية: الطفولة. إلى المغرب الذي لم يكن آنذاك موضوعا للتأمل، بل حياة يومية كاملة.
هنا يتدخل عبد القادر مسكار
في الحقيقة، العيطة لم تقُدني فقط إلى الذاكرة، بل أعادتني إلى الطفولة، إلى الحياة التي عشتها في المغرب، وإلى ذلك العالم الشعبي الذي تشكلت داخله ذاكرتي الأولى. كنت، مثل كثير من الأطفال، أعيش في أجواء كانت فيها العيطة حاضرة بقوة، إلى جانب الحلقة، التي كانت فضاء للفرجة واللقاء والحكاية في الساحات والأسواق. كانت تلك الفضاءات بالنسبة إلي أكثر من مجرد أماكن للترفيه؛ كانت مدارس مفتوحة للحياة، يتداخل فيها الصوت والحركة والحكاية والناس، ويتحول فيها الواقع اليومي إلى مشهد حي. لهذا أصبحت العيطة بالنسبة إلي خيطا خفيا يربطني بذاكرة عفوية وبسيطة؛ بطفولتي، وبالأصوات التي سمعتها قبل أن أعرف أنها ستصبح يوما جزءا من لغتي الفنية. حين أعود إلى العيطة، لا أعود فقط إلى أغنية أو إيقاع، بل أعود إلى طفل كان يرى العالم للمرة الأولى. أعود إلى الساحات والأسواق، إلى الحلقة، إلى الوجوه، إلى الحركة، إلى ذلك المغرب الشعبي الذي كان يعيش أمام عيني بكل عفويته وصدقه. وربما لهذا ظلت العيطة حاضرة في تجربتي. لأنها لم تدخل إلى لوحتي من الخارج، بل خرجت منها من الداخل. هي ليست شيئا رسمته فقط، بل شيئا عشته. وليست مجرد موضوع في تجربتي، بل جزء من الذاكرة التي صنعتني كإنسان وفنان.

أبناء المهجر… الذين يصنعون الدهشة من المسافة
وهنا تتسع حكاية عبد القادر مسكار لتصبح حكاية جيل. جيل من أبناء المهجر الذين لم يكتفوا بأن يعيشوا بين عالمين، بل صنعوا من المسافة بين العالمين شيئا ثالثا. هؤلاء لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مجرد مغاربة يعيشون خارج المغرب. إنهم مختبرات حية للهوية. يعرفون المغرب من الداخل. ويعرفون أوروبا من الداخل. يعرفون معنى أن تنتمي إلى ذاكرة لا تعيشها كل يوم. ويعرفون أيضا كيف يراك الآخر حين تحمل هذه الذاكرة في وجهه. وهنا تتولد الدهشة. لأن ابن المهجر قد يرى ما لا يراه المقيم. قد يسمع في الصمت ما لا يسمعه من اعتاد الضجيج. وقد يرى الوطن أوضح لأنه لم يعد واقفا داخله. وهذا ما يجعل الفنانين أبناء المهجر ثروة رمزية لا يجوز للمؤسسات الثقافية أن تتعامل معها باعتبارها هامشا. إنهم ليسوا على هامش المغرب. إنهم، في لحظات كثيرة، إحدى نوافذه على العالم. ومن هنا يصبح السؤال أكبر من تجربة مسكار وحدها: هل المغرب يعرف ماذا يفعل بفنانيه في المهجر؟
السؤال هنا مؤسساتي بقدر ما هو فني. هل تنظر المؤسسات المغربية إلى الفنانين في المهجر باعتبارهم امتدادا حيا للثقافة الوطنية؟ أم باعتبارهم أفرادا غادروا المجال الجغرافي وانتهى الأمر؟ هل الثقافة المغربية في المهجر مشروع متكامل؟ أم أنها ما تزال مجموعة من المناسبات التي تضيء قليلا ثم تنطفئ؟ أين أرشيف الفنان المغربي في المهجر؟ أين الإقامات الفنية؟ أين المراكز التي تجعل الثقافة المغربية ممارسة يومية؟ أين شبكة الفنانين المغاربة في العالم؟ وأين المتحف الذي يقول للأجيال القادمة إن المغرب لم يصدر إلى أوروبا اليد العاملة فقط، بل صدر أيضا الخيال؟
ولو منحنا مسكار سلطة إنشاء مشروع واحد للمغاربة في المهجر، ماذا سيختار؟ متحفا؟ مركزا ثقافيا؟ مدرسة للفنون؟ فضاء للمعارض؟ إقامة فنية؟ أم شبكة عالمية تربط الفنانين المغاربة في القارات؟
هذا ليس سؤالا هامشيا. لأن الفنان الذي عاش المسافة يعرف ما لا يعرفه المركز. يعرف كيف ينظر الآخر إلى المغرب. ويعرف في الوقت نفسه كيف يشعر المغربي حين ينظر إليه الآخر. وهذا موقع معرفي لا يقدر بثمن.
عبد القادر مسكار يعقب
الهوية المغربية ليست ذكرى… بل مشروع للمستقبل. الفنان المغربي في المهجر لديه مسؤولية وفرصة في الوقت نفسه: أن يحمل ثقافته معه، لا ليكررها، وإنما ليعيد اكتشافها وتقديمها بلغة معاصرة تصل إلى العالم. الهوية بالنسبة للفنان ليست شعاراً، بل مصدر قوة وإبداع وحوار مع الآخر. ولهذا، إذا أتيحت لي فرصة اختيار مشروع واحد، فسأختار إنشاء مركز ثقافي مغربي في المهجر، يكون فضاء مفتوحا لكل أشكال الإبداع: الفن التشكيلي، الشعر، الأدب، الموسيقى، المسرح، والندوات الفكرية. أريد مركزاً يعرّف العالم بالثقافة المغربية، ويجمع ذاكرتها الفنية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام الأجيال الجديدة. المغرب لديه رصيد فني كبير وأسماء تركت بصمتها في تاريخ الفن، مثل أحمد الشرقاوي، محمد المليحي، محمد القاسمي، وبلكاهية، وغيرهم. هؤلاء لم يكونوا مجرد فنانين مغاربة، بل كانوا جزءاً من حركة فنية تجاوزت حدود المغرب. ومن واجبنا أن نحفظ هذا الإرث وأن نقدمه للأجيال وللعالم بطريقة تليق به. لكن المركز الذي أدافع عنه ليس مركزاً للحنين إلى الماضي. أريده مؤسسة حية: تعرض أعمال الفنانين، تحتضن الفنانين الشباب، تنظم اللقاءات والورشات والمعارض، وتخلق حواراً بين الثقافة المغربية والثقافات الأخرى.
مسكار… سفير لا يحمل حقيبة دبلوماسية
حصل عبد القادر مسكار سنة 2019 على جائزة تايلور في قسم الرسم في صالون الخريف بباريس، ثم حصل سنة 2025 على جائزة أصدقاء صالون الخريف في قسم Chromatics. كما مثل المغرب رسميا في معارض دولية، وشارك في صالون الخريف بباريس في أكثر من دورة، إلى جانب تجارب وإقامات ومعارض في إيطاليا والمغرب وفرنسا. لكن الجوائز لا تشرح وحدها قيمة الفنان. الجوائز تقول إن مؤسسة ما رأت شيئا. أما الزمن فيقول إن التجربة تستحق البقاء. ومسكار، في تقديري، ينتمي إلى أولئك الذين لا تقاس قيمتهم بعدد الجوائز، بل بعدد الأسئلة التي تتركها أعمالهم خلفها. ولهذا أتمنى أن ينظر المغرب إلى تجربته بعين أخرى. لا بعين المجاملة. بل بعين الاعتراف. أن يكون هناك تكريم وطني يليق بمسار فني امتد أكثر من ثلاثة عقود، وبفنان حمل العيطة من الذاكرة الشعبية إلى فضاء الفن المعاصر، وحمل المغرب من جغرافيته إلى العالم. ولم لا يكون وساما بألوان العلم المغربي؟ ليس لأن كل فنان مغربي في المهجر يحتاج إلى وسام، بل لأن بعض التجارب تتحول، بمرور الزمن، إلى جزء من صورة الوطن عن نفسه. وتكريم مسكار سيكون، في الحقيقة، تكريما لفكرة أوسع: أن المغرب لا يعيش فقط في أرضه، بل يعيش أيضا في أبنائه الذين يحملونه إلى العالم
يسترسل عبد القادر مسكار قائلا:
الجوائز والاعتراف الدولي، مهمة، لأنها تؤكد أن الفنان استطاع أن يصل إلى جمهور أوسع. لكن لا ينبغي أن ننتظر دائما شهادة الخارج حتى نكتشف قيمة الفنان المغربي. نحن بحاجة في المغرب إلى نقد فني جاد ومستقل، يتابع الفنان ويقرأ تجربته ويضعها في سياقها الحقيقي. الاعتراف بالفنان يجب أن يبدأ من بلده، ثم يأتي الاعتراف الدولي ليعزز هذه القيمة، وليس ليصنعها من الصفر. وأنا أعتز بتمثيل المغرب في الخارج، كما أعتز باختيار وزارة الثقافة لي خلال الثمانينيات والتسعينيات لتمثيل المغرب إلى جانب أسماء كبيرة مثل القاسمي وبلكاهية والمليحي. لكن هذا يجعلني أطرح سؤالا مشروعا: لماذا نحتاج أحيانا إلى اعتراف الخارج لكي نعترف بفنانينا وكتابنا داخل المغرب؟ في مشروعي الفني اليوم، أعود إلى الإنسان. أهتم بالإنسان، بحياته، بعقله، بأسئلته وبطريقة تفكيره وتكوينه. لأن الاستثمار الحقيقي، في النهاية، هو الاستثمار في الإنسان. وهذا الإنسان حاضر في تاريخ المغرب منذ زمن بعيد. فاكتشافات جبل إيغود، التي تعود إلى نحو 315 ألف سنة، تضع المغرب في واحدة من أقدم صفحات تاريخ الإنسان. لذلك، حين أتحدث عن الإنسان، فأنا لا أبتعد عن المغرب، بل أعود إلى أحد أعمق جذوره.
وعرفته متواضعا رغم عمقه…
ولعل أجمل ما يمكن قوله عن عبد القادر مسكار لا يتعلق بالجوائز. إنه التواضع. عرفته متواضعا رغم عمقه. وهذه واحدة من الصفات التي أحبها في المبدعين الحقيقيين. فالتواضع عند الفنان الكبير ليس انحناء. إنه مساحة داخلية تسمح للدهشة أن تبقى حية. من يعتقد أنه عرف كل شيء يتوقف عن البحث. وأما الفنان الذي لا يزال مندهشا، فإنه يستطيع أن يرى في اللون شيئا لم يره بالأمس. ومسكار يبدو، في تجربته، كأنه لا يزال يصغي. يصغي إلى العيطة. إلى الرمل. إلى القماش. إلى الأرشيف. إلى الإنسان. إلى الصمت. وإلى ذلك الشيء الغامض الذي يحدث بين اليد واللوحة قبل أن تولد الصورة.
ثلاث قوى تصنع فنانا
في تجربة مسكار تتصافح ثلاث قوى نادرة: الذائقة، والخيال، والعقل. الذائقة التي تعرف أن الجمال ليس زينة. والخيال الذي يستطيع أن يحول الواقع إلى احتمال. والعقل الذي يمنع الخيال من التحول إلى فوضى. وحين تتآلف هذه القوى، يولد شيء نادر: الفن بوصفه تفكيرا مرئيا. تصبح اللوحة نوعا من الفلسفة التي نسيت أنها فلسفة، وقررت أن ترتدي ثوبا من اللون. وهنا ربما نفهم لماذا لا تبدو تجربة مسكار أسيرة للعيطة، رغم عمق اشتغاله عليها. لأن الفنان الذي يعرف كيف يدخل إلى الجذر يستطيع أن يخرج منه دون أن يقتلع الشجرة.

من أبناء المهجر… إلى أبناء المسافة
وهنا ربما تصبح تجربة مسكار أكثر اتساعا من سيرته الشخصية. إنها تفتح نافذة على أولئك الذين يعيشون بين الأماكن، أولئك الذين لم تعد المسافة بالنسبة إليهم فراغا بين وطنين، بل أصبحت وطنا ثالثا. أبناء المهجر لا يحملون حقيبة واحدة. يحملون طبقات. لغة إلى جانب لغة. صورة إلى جانب صورة. رائحة إلى جانب رائحة. ذاكرة لا تستقر في مكان واحد. ولهذا قد تكون الغربة، paradoxalement، واحدة من أكثر المدارس قسوة وخصوبة في الوقت نفسه. إنها تنتزع الفنان من بداهة المكان، ثم تعيده إليه بعين جديدة. وفي حالة مسكار، يبدو أن هذه المسافة لم تمح المغرب من اللوحة. بل جعلته يظهر بطريقة أخرى. المغرب لم يعد قرية أو مدينة أو شارعا. صار إيقاعا. وصار مادة. وصار لونا. وصار امرأة تغني. وصار جسدا يتألم. وصار طفلا يقف في حلقة وسط سوق قديم، ولا يعرف أن المشهد الذي يراه بعين البراءة سيعود بعد عقود ليطل من لوحة معلقة في قاعة بعيدة. وهكذا يصبح الفن رحلة لا تبدأ من الوطن وتنتهي في العالم. بل تبدأ من الوطن، وتذهب إلى العالم، ثم تعود من العالم إلى الإنسان. وربما لهذا السبب تبدو تجربة عبد القادر مسكار، في جوهرها، رحلة من المغرب إلى الإنسان. بدأت بالذاكرة. مرت بالعيطة. عبرت الجسد. دخلت المنفى. اختبرت أوروبا. ثم عادت إلى السؤال الأصعب: ما الذي يبقى من الإنسان حين تسقط عنه كل الخرائط؟ ربما يبقى أثر. خط. لون. صرخة. حركة. أو أغنية. وربما تبقى لوحة. لوحة لا تقول لنا من أين جاء الفنان فقط، بل تسألنا نحن: إلى أين نمضي؟
وفي هذا السؤال تحديدا تكمن قوة مسكار. فالفنان الذي يبدأ من العيطة ولا ينتهي عندها، والذي يدخل إلى الجسد ولا يتوقف عند شكله، والذي يحمل المغرب إلى العالم دون أن يحوله إلى بطاقة هوية، لا يكون قد غادر جذوره. إنه يكون قد ذهب إليها عميقا إلى درجة اكتشف فيها أنها أوسع من المكان. وأكثر رحابة من الهوية. وأقرب إلى الإنسان. لهذا ربما لا يكون عبد القادر مسكار مجرد فنان مغربي في المهجر. ربما يكون فنانا مغربيا اكتشف أن المنفى يمكن أن يتحول إلى مرآة، وأن الذاكرة يمكن أن تتحول إلى مادة، وأن العيطة يمكن أن تصبح لغة بصرية، وأن الجسد يمكن أن يصبح أرشيفا للألم، وأن اللون يمكن أن يحمل وطنا دون أن يرفعه كراية. وفي النهاية، حين ننظر إلى لوحته، قد لا نرى المغرب وحده. ولا إيطاليا. ولا فرنسا. ولا العيطة. ولا الجسد. بل نرى شيئا أكثر غموضا وأقل قابلية للتسمية: نرى الإنسان وهو يحاول، منذ أول رسم على جدار كهف، وحتى آخر خط على قماش معاصر، أن يترك أثرا يقول للعالم: كنت هنا. رأيت. شعرت. وحاولت أن أجعل ما شعرت به مرئيا.
باريس تحتاج إلى رئة مغربية
ومن هنا يأتي ضرورة إنشاء المركز الثقافي المغربي الذي لا أراه بناية أخرى تضاف إلى خرائط باريس، ولا لافتة تُعلّق على باب ثم تنام تحت الغبار، وإنما أراه رئة مغربية في قلب باريس؛ رئة يتنفس منها مبدعو أبنائنا في المهجر حين تضيق بهم الأمكنة، وحين تتحول الأبواب الثقافية إلى جدران لا تُفتح إلا لمن يحمل مفتاحا اسمه المعرفة. لقد آن الأوان لأن تكون للمبدع المغربي في المهجر نافذة لا تحتاج إلى واسطة كي تُفتح. أحلم كمثقفة بمركز ثقافي مغربي في باريس يشبه سفينة نجت من غرق الذاكرة، تحمل معها أصوات أبنائنا المهاجرين: تشكيليا يبحث عن جدار، وشاعراً يبحث عن أذن، وكاتبا يبحث عن قارئ، وموسيقياً يبحث عن خشبة، وشابا يحمل في داخله عالماً كاملاً ولا يجد سوى الممرات الضيقة.
هذا المركز يمكن أن يكون المكان الذي لا يُسأل فيه المبدع: من تعرف؟ بل يُسأل: ماذا تحمل في قلبك ويديك وعقلك؟ وهنا تكمن ضرورته. فثمة طاقات إبداعية مغربية تعيش في المهجر مثل بذور معلقة بين سماءين؛ لا هي فقدت صلتها بالأرض الأولى، ولا وجدت دائماً التربة التي تسمح لها بأن تنبت في الأرض الثانية. تحتاج إلى فضاء يحتضنها، لا ليمنحها صدقة ثقافية، وإنما ليمنحها حقها الطبيعي في الظهور والتعبير والمشاركة. إن باريس، بما تمثله من مركز عالمي للفنون والفكر، يمكن أن تكون المكان الطبيعي لهذا المشروع. مركز مغربي فيها لا يغلق الثقافة المغربية داخل قفص الهوية، بل يجعلها هوية ذات نوافذ كثيرة؛ تطل على المغرب، وعلى إفريقيا، وعلى أوروبا، وعلى العالم. أريده مركزا يفتح أبوابه لمن لا يملك مفتاحا، ويضيء لمن يقف طويلا في آخر الصف، ويمنح المنصة لمن لم تسعفه العلاقات، ويمنح الفرصة لمن لم يجد اسمه مكتوبا في دفتر أصحاب النفوذ. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة هو أن تتحول إلى ناد مغلق يتداول فيه القريبون المقاعد نفسها، بينما تبقى المواهب الحقيقية في الخارج، تطرق الأبواب حتى تتعب أصابعها. وهنا يأتي دور هذا المركز الذي لا أرى مؤسسة أخرى قادرة على لعبه بالصيغة نفسها كما يؤكد فناننا عبد القادر مسكار:
أن يكون مساحة مستقلة وواسعة للطاقات الإبداعية المغربية في المهجر، وأن يردم المسافة بين المبدع والجمهور، وبين الموهبة والمؤسسة، وبين المغرب والعالم. إنه ليس مشروعا للحنين، ولا متحفا للماضي، ولا غرفة نضع فيها صور كبار الفنانين ثم نغلق عليها الباب. إنه، في تصوري، مختبر للمستقبل. مكان تلتقي فيه ذاكرة الشرقاوي والمليحي والقاسمي وبلكاهية مع أصوات الجيل الجديد؛ حيث لا تكون الذاكرة قبرا، بل جسرا، ولا يكون التراث قيدا، بل مادة لإنتاج الجديد.
وبصفتي مثقفة وكاتبة، أدافع عن هذا المشروع وأعلن مساندتي الصريحة لإنشاء مركز ثقافي مغربي في باريس؛ لأنني أؤمن أن الثقافة لا يمكن أن تبقى رهينة للأبواب المغلقة، وأن الإبداع لا ينبغي أن يكون امتيازاً لمن أسعفته معارفه. الموهبة لا تحتاج إلى واسطة كي تكون موهبة. والإبداع لا ينبغي أن يقف عند باب أحد كي يستأذن في الوجود. نحن بحاجة إلى مكان يقول للمبدع المغربي في المهجر: تعال، فهنا مساحة لصوتك. تعال بلوحتك، بقصيدتك، بكتابك، بموسيقاك، بلغتك المختلطة، بأسئلتك، حتى بحيرتك. تعال كما أنت. فالمركز الذي نحلم به ليس مجرد عنوان في باريس؛ إنه اعتراف بأن أبناء المغرب في المهجر ليسوا هامشا من هامش الثقافة، بل جزء من امتدادها الحي. إنه الرئة التي يمكن أن يتنفس فيها الإبداع المغربي بعيدا عن الاختناق، والمنصة التي يمكن أن يصعد إليها من لم يجد سلّما، والمرآة التي يرى فيها المبدع نفسه دون أن يطلب من أحد أن يعرّفه إلى نفسه. نحن لا نطلب بابا آخر في مدينة الأبواب؛ نحن نريد أن نصنع بابا لا يُغلق. بابا يدخل منه المبدع المغربي إلى العالم، ويدخل منه العالم إلى المغرب. وهذا، في نظري، هو الدفاع الحقيقي عن الهوية: أن نحول الذاكرة إلى قوة، والغربة إلى جسور، والموهبة إلى حضور، والثقافة إلى مؤسسة، والحلم إلى مكان.
📲 Partager sur WhatsApp
الفن التشكيلي ابن النور والخفيف، ما يقتضي تربة خاصة للعين والأذن، من أجل الإصغاء إلى الأشياء التي تشي بأفق الذاكرة والتاريخ وعالندم الغراف.