بوب ليبونج ومصر… الكرتون كلغة سياسية

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

كان يمكن للسلطة المصرية أن تخشى مقالا. وكان يمكن أن تخشى هتافا. وكان يمكن أن تخشى تجمعا في ميدان. لكن أن تخشى إسفنجة صفراء تعيش في قاع البحر؟ هنا تبدأ الحكاية في التحول من السياسة إلى الفلسفة. لأن السلطة حين تجد نفسها أمام شخصية كرتونية، لا تعاديها بالسلاح ولا تواجهها بالمنطق، وإنما تشعر بالحاجة إلى إسكاتها، تكون قد دخلت دون أن تدري إلى أكثر المناطق غرابة في السياسة الحديثة: منطقة الخوف من الضحك. في مصر، تحولت خلال أيام صفحة على فيسبوك تحمل اسم “شكاوى أهل قاع الهامور”، في إحالة ساخرة إلى مدينة Bikini Bottom التي يعيش فيها بوب ليبونج، إلى مساحة واسعة للسخرية من الحكومة وانتقاد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. اقترب عدد متابعيها من مليوني شخص قبل أن يتم تعليق الصفحة في 23 غشت لمدة يفترض أن تستمر 59 يوما، وفقا لما أورده المصدر الذي نقلت عنه وسائل الإعلام هذه القصة. لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أحب المصريون بوب ليبونج؟ السؤال الأكثر خطورة هو: لماذا استطاع بوب ليبونج أن يقول، بالنيابة عنهم، ما قد يصعب قوله بوجوه حقيقية؟

في السياسة القديمة كان المعارض يحتاج إلى منبر. أما في السياسة الرقمية فقد يحتاج إلى ميم. كان يحتاج إلى صحيفة. أصبح يحتاج إلى صورة. كان يحتاج إلى خطاب. أصبح يكفيه مشهد كرتوني. وهنا حدث شيء عميق في بنية السلطة والمعارضة معا. فالكلمة السياسية المباشرة يمكن اتهامها. يمكن محاصرتها. يمكن نسبها إلى حزب. يمكن وضعها داخل ملف أمني. لكن النكتة تدخل من نافذة أخرى. النكتة لا تأتي مرتدية بدلة المعارضة. تأتي حافية القدمين. تضحك. تتظاهر بالبراءة. ثم تترك في رأس المتلقي قنبلة صغيرة من المعنى. وهذا هو سر قوتها. بوب ليبونج لم يتحول إلى سياسي. السياسة هي التي اقتحمته. وهذه نقطة تستحق التأمل. فالشخصية الكرتونية التي خلقت أصلا للترفيه خرجت من عالم الأطفال لتدخل إلى عالم بالغ القسوة، حيث البطالة والغلاء والفساد والتفاوت الاجتماعي ومشكلات الحياة اليومية. لم يعد قاع البحر مجرد مدينة خيالية. أصبح استعارة لمدينة أرضية. مدينة يشعر سكانها أحيانا أنهم يعيشون تحت الماء، يتنفسون بصعوبة، ويبحثون عن نافذة لا تغلق في وجوههم. وهنا تصبح السخرية أكثر من ضحكة. تصبح طريقة للتنفس.

حين يختار الناس شخصية كرتونية للتعبير عن غضبهم، فهذا لا يعني بالضرورة أنهم فقدوا الجدية. قد يعني العكس تماما. قد يعني أن الجدية نفسها صارت عاجزة عن حمل غضبهم. في المجتمعات التي تضيق فيها المساحات المباشرة للتعبير، تبحث السياسة عن أجساد بديلة. تارة تختبئ في الشعر. وتارة في النكتة. وتارة في الأغنية. واليوم تختبئ في شخصية مرسومة. بوب ليبونج هنا ليس هو القضية. القضية هي القناع. لأن القناع يسمح للوجه أن يتكلم دون أن يكشف نفسه بالكامل. وكل سلطة تخاف من الأقنعة تعرف في العمق أن المشكلة ليست في القناع. المشكلة في الوجه الذي قد يظهر خلفه. الأكثر إثارة في هذه القصة أن الصفحة لم تكتف بالسخرية من شخصيات السلطة. صنعت عالما موازيا. “شكاوى أهل قاع الهامور”. ثم ظهر “وزارة الداخلية لقاع الهامور”، بشعار يستعير بصريا لغة المؤسسة الرسمية المصرية. فجأة لم تعد السخرية تعكس الواقع. لقد بدأت بناء واقع بديل. وهذه خطوة شديدة الذكاء في الثقافة السياسية الرقمية. لأن السخرية حين تكتفي بانتقاد السلطة تقول: انظروا إلى ما تفعله السلطة. لكن حين تبني وزارة ساخرة، ومؤسسات ساخرة، ومدينة ساخرة، وشخصيات ساخرة، فإنها تقول شيئا أكبر: نحن قادرون على تخيل دولة أخرى. وهنا تبدأ السخرية في الاقتراب من السياسة الحقيقية.

قد نستطيع أن تغلق صفحة. لكن هل نستطيع أن نغلق الفكرة التي جعلت الصفحة ممكنة؟ هذا هو السؤال. يمكن حذف صورة. يمكن تعليق حساب. يمكن إطفاء شاشة. لكن السخرية ليست ملفا رقميا. إنها حالة ذهنية. وإذا خرجت من شاشة واحدة، قد تظهر في ألف شاشة. لأن النكتة لا تسافر مثل الخبر. الخبر يحتاج إلى قارئ. النكتة تحتاج إلى شخص واحد فقط يبتسم. ثم يعيد إرسالها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. كلما حاولنا أن نشرح أن السخرية مؤامرة، ازدادت السخرية قدرة على الحياة. لأن اتهام صفحة كرتونية بالارتباط بجماعة سياسية محظورة، كما ورد في التغطيات، ينقل الشخصية الكرتونية من عالم الرسوم المتحركة إلى عالم الملفات الأمنية. وبمجرد أن يحدث ذلك، تصبح الإسفنجة الصفراء أكثر من إسفنجة. تصبح سؤالا. لماذا يحتاج نظام سياسي إلى أن يأخذ شخصية كرتونية على محمل الجد؟

قد تبدو المسألة مضحكة. لكنها ليست كذلك. فالأنظمة السياسية لا تخاف دائما من أقوى خصومها. أحيانا تخاف من أكثرهم بساطة. لأن القوة السياسية ليست دائما في مضمون الرسالة. قد تكون في شكلها. الخطاب المعارض يمكن أن يكون ثقيلا. أما السخرية فخفيفة. تدخل من شقوق الرقابة. تسافر عبر الهواتف. تتحول إلى صورة. ثم إلى نكتة. ثم إلى لغة مشتركة. وفي اللحظة التي تصبح فيها النكتة مفهومة من ملايين الأشخاص دون الحاجة إلى شرح، تكون قد حققت ما تعجز عنه أحيانا عشرات المقالات. لقد صنعت قاموسا شعبيا للغضب. بوب ليبونج في هذه الحكاية يشبه مهرجا خرج من مسرح الأطفال ووجد نفسه في قاعة برلمان لا تعترف بالمهرجين. لكنه لم يدخلها بخطاب. دخلها بالابتسامة. وهذه الابتسامة تحمل في داخلها سؤالا سياسيا شديد القسوة: ماذا يحدث عندما يصبح الضحك أكثر حرية من الكلام؟

في علم الاجتماع السياسي، ليست السخرية مجرد تفريغ نفسي. إنها يمكن أن تكون أداة لإعادة تعريف الواقع. فالسلطة تحاول عادة أن تفرض قاموسها: الأزمة تصبح تحديا. الاحتجاج يصبح فوضى. الغضب يصبح مؤامرة. الفشل يصبح ظرفا استثنائيا. أما السخرية فتفعل العكس. تخلع عن الكلمات الرسمية ثيابها. تضعها في شارع شعبي. ثم تجعل الناس يرونها بحجمها الحقيقي. لهذا كانت السخرية السياسية دائما خطرة. لأنها لا تجادل السلطة في لغتها. إنها تغير اللغة نفسها. لكن ينبغي أيضا ألا نبالغ في قراءة الظاهرة. صفحة بوب ليبونج ليست ثورة. والميم ليس برنامجا سياسيا. والسخرية لا تسقط الحكومات وحدها. لكنها تكشف شيئا ربما يكون أكثر أهمية من سقوط حكومة: تكشف درجة الحرارة النفسية للمجتمع. حين يضحك ملايين الناس على صورة سياسية، فالصورة ليست مجرد صورة. إنها جهاز قياس. مقياس حراري للغضب. مقياس للثقة. مقياس للمسافة بين المواطن والخطاب الرسمي. وقد تكون المجتمعات قادرة على تحمل أزمات اقتصادية كثيرة. لكنها تصبح أكثر حساسية عندما تشعر أن السلطة لم تعد تفهم اللغة التي يتحدث بها الناس.

لهذا فإن القضية ليست بوب ليبونج. القضية أن الثقافة الشعبية أصبحت إحدى الساحات الجديدة للصراع السياسي. الشخصية الكرتونية. الأغنية. المقطع القصير. الصورة الساخرة. الفيديو. كلها أصبحت أدوات لصناعة معنى سياسي خارج المؤسسات التقليدية. السياسة لم تعد فقط ما يحدث داخل المؤسسات الرسمية . لقد انتقلت إلى الهاتف. إلى شاشة صغيرة يحملها شخص في حافلة. إلى غرفة شاب يسهر وحيدا. إلى يد امرأة تفتح تطبيقا قبل النوم. وهناك، في تلك المساحة الصغيرة، يمكن لصورة واحدة أن تهزم خطابا كاملا في سرعة البرق. وربما لهذا السبب تحديدا يبدو بوب ليبونج في هذه الحكاية أكثر شبها بالفيلسوف منه بالرسام الكرتوني. الفيلسوف يسأل الأسئلة التي لا تحب السلطة سماعها. وبوب ليبونج، من دون أن يقصد، صار يفعل الشيء نفسه. لم يقل: هذا نظام سياسي. ولم يقل: هذه بنية سلطوية. ولم يقدم نظرية في الاقتصاد. فقط ضحك. لكن الضحكة حملت خلفها سؤالا: لماذا تبدو الحياة اليومية أحيانا أكثر عبثا من الكرتون؟

هناك شيء سحري في أن تختار الشعوب شخصية تعيش تحت البحر كي تتحدث عن الحياة فوق الأرض. كأن الواقع نفسه انقلب. البحر صار مدينة. والمدينة صارت قاعا. والإسفنجة صارت مواطنا. والنكتة صارت صحيفة. والصورة صارت منشورا سياسيا. والابتسامة صارت احتجاجا. وفي لحظة كهذه، لا يعود السؤال: هل بوب ليبونج سياسي؟ بل: هل السياسة نفسها تحولت إلى كرتون، حتى صار الكرتون مضطرا إلى استعادة الواقع؟ ربما هذا هو الدرس الأكثر عمقا في الحكاية. حين تضيق الأبواب، لا تختفي الرغبة في الكلام. إنها تبحث عن نافذة. وإذا أغلقت النوافذ، تبحث عن ثقب. وإذا أغلقت الثقوب، تدخل من الضحك. والضحك، على عكس الأبواب، لا يحتاج إلى مفتاح.

في مصر، قد تغلق صفحة. وقد تختفي صورة. وقد يهدأ البحر الرقمي لبعض الوقت. لكن الفكرة التي ولدت من تلك السخرية لن تختفي بمجرد أن تختفي الصفحة. لأن المجتمعات لا تحتفظ دائما بأسماء صفحاتها. لكنها تحتفظ بالأشياء التي جعلتها تضحك. والضحكة السياسية، في لحظتها الأكثر كثافة، ليست صوت الفم. إنها صوت مجتمع يقول: نحن ما زلنا نرى. وهنا يصبح بوب ليبونج مرآة. ليس لوجه السلطة وحده. بل لوجه المجتمع. مجتمع يستخدم الخيال كي يقول ما لا يستطيع قوله مباشرة. يستعير شخصية طفولية ليكتب بلغة الكبار. يضع السخرية حيث وضعت السياسة حدودها. ويصنع من عالم تحت الماء خريطة سرية لمدينة فوق الأرض. وربما كان أخطر ما فعلته تلك الإسفنجة الصفراء أنها لم تدع المصريين ينسون شيئا بسيطا: أنه قد يمنع الصوت أحيانا، لكن لا نستطيع بسهولة أن نمنع الناس من اختراع صدى جديد. وإذا كان البحر عميقا بما يكفي لإخفاء مدينة كاملة، فهو عميق أيضا بما يكفي لإخفاء ضحكة. لكن الضحكة، على خلاف المدينة، تعرف كيف تصعد إلى السطح. وتطفو. وتنتشر. ثم تنظر إلى أهل السياسة من بعيد وتقول لهم، بابتسامة طفل: أنا لا أملك مفتاح بابكم. لكنني اكتشفت أنني لا أحتاج إليه كي أفتح نافذة في جداركم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *