بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
لم ينزل الطوفان من السماء هذه المرة. خرج من الجبل. كأن الأرض نفسها، بعد قرون من الصمت، قررت أن تفتح فمها. في السادس والعشرين من أغسطس، انهار جزء من كتلة جليدية في أعالي الهيمالايا، فانطلقت سلسلة من الأحداث انتهت بتحول الماء والصخر والجليد والطين إلى جدار متحرك ابتلع قرى وطرقا وجسورا ومنشآت للطاقة وحيوات بشرية. وبحلول 29 أغسطس تجاوز عدد القتلى في نيبال والتبت 600 شخص، فيما بقي أكثر من ألفين في عداد المفقودين، وسط عمليات إنقاذ تعرقلها التضاريس والطقس وانقطاع الطرق. لكن الأرقام، مهما بلغت، عاجزة عن وصف ما حدث. فالرقم لا يقول إن جبلا تغير شكله. ولا يقول إن نهرا ارتفع في دقائق. ولا يقول إن بيتا كان قبل ساعات مكانا للحياة ثم صار قطعة خشب مبللة تبحث في الطين عن اسم أصحابها. ولا يقول إن أمهات في نيبال والتبت ينظرن إلى صور المفقودين، كأنهن يحاولن استدعاء أبناء ابتلعهم الجبل. الرقم يحصي الموتى. أما الكارثة فتقيس شيئا آخر: مدى هشاشة الإنسان حين تتغير القواعد التي بنى عليها حضارته.
لسنا أمام فيضان فقط. نحن أمام سؤال أقدم من السياسة وأكثر رعبا منها: ماذا يحدث عندما يبدأ الكوكب في تغيير شروط الإقامة عليه؟ لقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى الطبيعة باعتبارها مسرحا. الجبل خلفية. النهر طريق. الغابة مورد. الجليد مخزن ماء. والطقس مجرد شيء ينبغي التنبؤ به كي تستمر الحياة كما خططنا لها. لكن الطبيعة لا تعرف كلمة “كما خططنا”. ولا تعترف بالعقود التي وقعها الإنسان مع نفسه. ةالجبل لا يقرأ ميزانية الدولة. والجليد لا يعرف حدود الدول. والنهر لا يعترف بجواز السفر. والحرارة لا تدخل مكتب أحد لتطلب تأشيرة عبور. لهذا فإن ما يحدث في الهيمالايا ليس شأنا نيباليا فقط. إنه خبر يصل إلى كل مكان على الكوكب، ولو تأخر صوته.
نيبال نفسها تحمل واحدة من أكثر المفارقات قسوة في أزمة المناخ. الدولة التي تسهم بنسبة ضئيلة للغاية في انبعاثات غازات الدفيئة تجد نفسها بين أكثر المجتمعات تعرضا لنتائج الاحترار وتغير المخاطر المناخية في الهيمالايا. وقد عبر وزير الخارجية النيبالي ششير خانال عن هذه المفارقة بوضوح حين قال إن بلاده تنتج أقل من 0.01 بالمئة من انبعاثات غازات الدفيئة، ومع ذلك يعد شعبها من بين أكثر ضحايا تغير المناخ، داعيا المجتمع الدولي إلى التحرك لحماية النظام البيئي في الهيمالايا. هذه ليست شكوى دولة فقيرة من دولة غنية. إنها مسألة عدالة كونية. من صنع الجزء الأكبر من المشكلة ليس بالضرورة من يدفع ثمنها الأكبر. وهنا يتحول المناخ من علم إلى فلسفة سياسية. لأن السؤال لم يعد: كم درجة ارتفعت حرارة الأرض؟ بل: من يملك الحق في النجاة عندما لا يكون العالم عادلا في توزيع المسؤولية؟
الهيمالايا ليست جبالا فقط. إنها جهاز تنفس لقارة. ملايين البشر يعتمدون على المياه القادمة من هذا النظام الجبلي العظيم، وتغذي أنهاره الزراعة والطاقة والمدن في مناطق واسعة من آسيا. ولهذا فإن ذوبان الجليد ليس مجرد خسارة منظر طبيعي. إنه إعادة كتابة لعلاقة القارة بالماء. العلماء يحذرون من أن تراجع الأنهار الجليدية وذوبان التربة الصقيعية وتغير استقرار المنحدرات قد يخلق ظروفا تزيد من مخاطر الانهيارات والفيضانات المفاجئة، بينما توجد في الهيمالايا مئات البحيرات الجليدية عالية الخطورة. الجبل الذي كان يحرس الماء قد يصبح فجأة سلاحا للماء. والجليد الذي كان خزان المستقبل قد يتحول إلى قنبلة مؤجلة. وهذه ربما واحدة من أكثر مفارقات المناخ غرابة: ما ينقذنا من الجفاف يمكن أن يصبح، في لحظة انهياره، سببا في الغرق.
لكن هل تغير المناخ هو الذي “صنع” كارثة نيبال؟ هنا يجب أن نكون أكثر حذرا من اللغة السياسية. العلم لا يعمل بهذه البساطة. الكوارث الجيولوجية والمناخية غالبا ما تكون سلاسل من الأحداث، لا سببا واحدا. في هذه الحالة، تشير التحليلات العلمية إلى انهيار جليدي وصخري أدى إلى سد مؤقت للمجرى، ثم تراكم المياه وانهيار السد الطبيعي، لتندفع كتلة هائلة من الماء والحطام في اتجاه الوديان. كما أن الإشارة الزلزالية التي أبلغ عنها في البداية لم تكن، وفقا لتقييمات لاحقة، دليلا على زلزال تسبب في الكارثة، بل نتجت عن الانهيار نفسه. لكن الحذر العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للإنكار. لأن السؤال ليس هل “سبب” الاحترار كل حجر سقط من الجبل. السؤال الأكثر دقة: هل جعل الاحترار الجبل أكثر هشاشة، والثلج أقل استقرارا، والمخاطر أكثر قابلية للتصاعد؟ وهنا تتراكم الأدلة العلمية على أن تغير المناخ يرفع مخاطر من هذا النوع في المناطق الجبلية العالية.
المرعب في نيبال ليس فقط حجم المياه. بل سرعتها. الإنسان يستطيع أن يتعامل مع الخطر الذي يملك موعدا. يمكنه أن يهرب من عاصفة إذا عرف أنها قادمة. يمكنه أن يخلي مدينة إذا وصله التحذير. لكن ماذا يفعل حين لا تمنحه الطبيعة سوى دقائق؟ هنا تصبح التكنولوجيا مسألة حياة أو موت. الإنذار المبكر ليس رفاهية. الرادار ليس ترفا. صور الأقمار الصناعية ليست مادة للباحثين فقط. شبكات الرصد ليست مشاريع بيروقراطية. إنها، في عالم المناخ الجديد، جزء من الحق الأساسي في البقاء. وقد أشار باحثون إلى أن الأنظمة المبكرة للإنذار كان يمكن أن تقلل الخسائر في مثل هذه الكوارث، خصوصا في منطقة تضم مئات البحيرات الجليدية ذات المخاطر العالية.

لكن هناك سؤالا أكثر عمقا: هل نحن أمام بداية عصر جديد من الكوارث؟ ربما. ليس لأن الكوارث لم تكن موجودة من قبل. بل لأن هامش الخطأ يتقلص. في الماضي، كان هناك مجال بين الحدث الكارثي والحياة اليومية. أما اليوم، فقد بدأ هذا المجال ينكمش. مدينة على سفح جبل. طريق تجاري في واد ضيق. محطة كهرومائية قرب نهر. قرية سياحية. جسر يربط مقاطعتين. كل هذه المنشآت بنتها الحضارة على افتراض ضمني: أن الطبيعة ستبقى ضمن الحدود التي عرفناها. لكن ماذا لو تغيرت الحدود؟ هنا يصبح التطور نفسه سؤالا. يمكنك أن تبني جسرا أكثر قوة. لكن ماذا لو تغير مجرى النهر؟ يمكنك أن تبني سدا أعلى. لكن ماذا لو جاء الماء من مكان لم يكن في حساباتك؟ يمكنك أن تزرع على سفح الجبل. لكن ماذا لو تحرك الجبل نفسه؟
هذه هي اللحظة التي يجب أن نتوقف فيها عن استخدام عبارة “كارثة طبيعية” بسهولة. فالطبيعة لا تحمل وحدها مسؤولية الكارثة. هناك عمران. هناك تخطيط. هناك فقر. هناك بنية تحتية. هناك أنظمة إنذار. هناك قرارات سياسية. وهناك من يعيش في المكان الخطأ لأنه لا يملك ثمن العيش في مكان أكثر أمانا. الكارثة الطبيعية تصبح، في كثير من الأحيان، كارثة اجتماعية عندما تصطدم الطبيعة بعدم المساواة. والفيضان لا يقتل الجميع بالتساوي. الجسر المنهار لا يسقط فوق الجميع بالتساوي. والبيت القريب من النهر ليس دائما اختيارا حرا. لذلك فإن مقاومة تغير المناخ ليست فقط بناء سدود. إنها أيضا بناء عدالة.
في نيبال، تلتقي ثلاث هشاشات في لحظة واحدة: هشاشة المناخ. وهشاشة الجغرافيا. وهشاشة الاقتصاد. وهذا هو المثلث الذي يجب أن يفهمه العالم. لأن الدول الأكثر تعرضا للكوارث ليست دائما الدول الأكثر قدرة على تمويل الإنقاذ وإعادة البناء. وقدرت نيبال حاجتها لإعادة الإعمار بعد هذه الكارثة بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار، أي ما يقارب عُشر اقتصادها، مع تضرر بنية تحتية ومشاريع كهرومائية تمثل جزءا مهما من قدرتها على إنتاج الطاقة. وهنا يعود السؤال القديم بثوب جديد: من سيدفع فاتورة المناخ؟ الإجابة الأخلاقية واضحة. لكن العالم السياسي أكثر بطئا من الأخلاق. ربما علينا أن نعيد تعريف كلمة “المتقدم”. الدولة المتقدمة ليست التي تملك أعلى الأبراج. ولا التي تملك أكثر السيارات. ولا التي تطلق أقوى الأقمار الصناعية. الدولة المتقدمة هي التي تعرف كيف تحمي أضعف إنسان فيها عندما تغير الطبيعة شروط اللعبة. والعالم المتقدم ليس الذي يرسل طائرة إنقاذ بعد الكارثة فقط. بل الذي يستثمر قبل الكارثة في جعل الكارثة أقل احتمالا وأقل دموية.
الهيمالايا اليوم تبدو كأنها تكتب رسالة على جلد الأرض. كل نهر يفيض فيها سطر. كل كتلة جليدية تنهار فاصلة. كل قرية تختفي نقطة سوداء في نهاية جملة. لكن الرسالة ليست لنيبال وحدها. إنها للهند. وللصين. ولباكستان. وبنغلاديش. ولآسيا كلها. بل للعالم. لأن الجبال لا تحتفظ بمياهها في حدود سياسية. والمناخ لا يملك جواز سفر. نحن أمام كوكب بدأ يرد على الإنسان بلغة لم يعد يستطيع تجاهلها. لم يعد الاحتباس الحراري فكرة في تقرير علمي. صار ماء يصل إلى عنق طفل. صار بيتا ينزلق مع الطين. صار جسرا يختفي. صار أما تنتظر ابنا لا يعود. صار جبلا يفقد جزءا من ذاكرته ويسقط. والسؤال الذي يجب أن يخيفنا ليس: هل ستتكرر كارثة نيبال؟ بل: ماذا سيحدث عندما تصبح الكارثة هي القاعدة، ويصبح الهدوء هو الاستثناء؟
قد تكون نيبال اليوم مقدمة لعالم لم نتعلم بعد كيف نسكنه. عالم لا تأتي فيه المخاطر دائما من المكان الذي نتوقعها منه. عالم قد ينهار فيه الجبل بدل أن ينفجر البركان. وقد يأتي الطوفان من الثلج بدل المطر. وقد يصبح الهواء نفسه في مدينة أخرى قاتلا. وقد تتحول الحرارة إلى حدود لا يستطيع الفقراء عبورها. نحن لا نعيش فقط تغيرا في المناخ. نحن نعيش تغيرا في معنى الاستقرار. وهذه هي الكارثة الحقيقية. قبل قرن، كان الإنسان يخاف أن تغضب الطبيعة. ثم اكتشف النفط. فبدأ يظن أن الطبيعة يمكن أن تصمت إلى الأبد. بنى المصانع. وسع المدن. شق الجبال. غير مجاري الأنهار. الغابات. وأطلق في السماء ما يكفي من الغازات كي يرفع حرارة كوكب كامل. ثم عاد يسأل: لماذا تغيرت الطبيعة؟ كان السؤال يشبه رجل أشعل النار في بيته ثم وقف عند النافذة يسأل عن مصدر الدخان.
نيبال لا تحتاج إلى شفقة العالم. تحتاج إلى عدالة. تحتاج إلى معرفة. تحتاج إلى أنظمة إنذار. تحتاج إلى بنية تحتية تستطيع الصمود. وتحتاج قبل كل شيء إلى أن يفهم العالم أن حماية الهيمالايا ليست مساعدة لبلد بعيد. إنها دفاع عن مستقبل ملايين البشر. ربما كان الجبل، طوال تاريخ الإنسان، رمزا للثبات. لكن نيبال تقول لنا اليوم شيئا مرعبا: حتى الجبل يمكن أن يتحرك. وحين يتحرك الجبل، لا تسقط الصخور وحدها. تسقط معها أوهامنا. وهم أن الطبيعة ثابتة. وهم أن النمو بلا حدود. وهم أن التكنولوجيا تستطيع دائما إصلاح ما أفسده الإنسان. وهم أن الكارثة تقع في مكان بعيد ثم تنتهي هناك.
لذلك لا ينبغي أن نقرأ صور نيبال باعتبارها صورا لمكان بعيد تغطيه المياه. إنها ربما تكون صورة مصغرة لمستقبل كامل. مستقبل تصبح فيه الطبيعة أقل قابلية للتنبؤ، وتصبح فيه الدول الفقيرة أكثر تعرضا للخطر، بينما تستمر الدول الأكثر تلويثا في مناقشة التفاصيل. والسؤال في النهاية ليس هل تستطيع البشرية السيطرة على الطبيعة. لقد كان ذلك حلما خاطئا منذ البداية. السؤال الأكثر تواضعا، والأكثر حكمة: هل تستطيع البشرية أن تتعلم كيف تعيش دون أن تدفع الطبيعة إلى تجاوز عتبة الصبر؟ لأن الجبل لا ينتقم. والنهر لا يكره. والجليد لا يعرف الحقد. الطبيعة فقط تتغير. لكن حين تتغير بعد أن دفعناها بعيدا عن توازنها، يبدو التغيير في عيوننا كأنه غضب. وفي نيبال، وسط الطين والجليد والركام، قد يكون العالم قد سمع بالفعل أول صوت من كوكب بدأ يغير شروط العقد. العقد الذي ظن الإنسان، طويلا، أنه وقعه مع الطبيعة وحده. لكن الطبيعة لم توقع. كانت فقط تمنحنا الوقت. والآن… يبدو أن الوقت نفسه بدأ يذوب.
📲 Partager sur WhatsApp