الإرهاب البحري واقتصاد الخوف في مضيق هرمز

مذكرة استراتيجية حول الحروب الهجينة:الولايات المتحدة ـ إيران | مضيق هرمز ـ التأمين ـ ملاك السفن ـ الاقتصاد الدولي

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس

ليست الحرب الهجينة حربا تبحث بالضرورة عن تدمير الخصم في ميدان المعركة. أحيانا يكون هدفها الأكثر كفاءة هو جعل الخصم غير قادر على ممارسة نشاطه الطبيعي. وفي مضيق هرمز، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحا من أي مكان آخر. فالسفينة لا تحتاج إلى أن تُغرق حتى تصبح الحرب ضدها ناجحة. يكفي أن يصبح عبورها مكلفا إلى درجة لا يستطيع معها مالكها أو شركة التأمين أو المصرف أو المستورد تبرير المخاطرة. هنا تتحول الملاحة إلى معادلة مالية: إذا ارتفع الخطر، ارتفع التأمين؛ وإذا أصبح التأمين باهظاً، توقفت السفن؛ وإذا توقفت السفن، أصبح المضيق مغلقا اقتصاديا حتى لو بقي مفتوحا جغرافيا. وهذا هو جوهر السلاح الهجين في هرمز.

من إغلاق المضيق إلى جعله غير قابل للتشغيل

تاريخيا، كان إغلاق مضيق هرمز يتطلب عملا عسكريا مباشرا: ألغام، صواريخ، زوارق، حصار أو مواجهة بحرية واسعة. لكن التكنولوجيا الحديثة تسمح بنموذج أقل كلفة وأكثر غموضاً: تهديد السفن، استهداف بعضها، احتجاز أخرى، التشويش والمخاطر غير المتوقعة، ثم ترك السوق يتولى بقية المهمة. لا تحتاج القوة المهاجمة إلى إغراق مئات الناقلات. يكفي أن تجعل ربان السفينة يسأل: هل أستطيع حماية طاقمي؟ ثم يسأل مالك السفينة: هل أستطيع تأمينها؟ ثم يسأل المؤمن: هل أستطيع تسعير هذا الخطر؟ ثم يسأل المصرف: هل أستطيع تمويل رحلة بهذا المستوى من المخاطر؟ وعندما تصل السلسلة إلى هذه النقطة، تكون الحرب قد انتقلت من البحر إلى مكاتب شركات التأمين. وهنا تكمن أهمية هرمز. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة في شبكة الطاقة والتجارة العالمية. وقد جعلت الحرب الراهنة هذا المعنى أكثر وضوحا: وفق بيانات S&P Global، انخفض متوسط العبور من نحو 135 سفينة يومياً في فبراير/شباط 2026 إلى أقل من عشر سفن يومياً في بداية مارس/آذار، قبل أن يبدأ بعض التعافي لاحقاً. المضيق لم يحتج إلى إغلاق كامل. السوق نفسه بدأ بإغلاقه.

التأمين: الحلقة التي لا تظهر على الخريطة

في الحروب الهجينة، القوة أحيانا هي بنسبة قسط التأمين. وهذه هي النقطة التي كثيرا ما تغيب عن التحليل العسكري التقليدي. في يونيو/حزيران 2025، أظهرت بيانات سوق التأمين البحري أن قسط مخاطر الحرب على الشحنات المتجهة إلى الخليج ارتفع تقريباً من 0.2 ـ 0.3 في المئة إلى نحو 0.5 في المائة من قيمة السفينة، بينما تجاوزت المعدلات للموانئ الإسرائيلية 1 في المئة. وفي الوقت نفسه تجاوزت أسعار استئجار الناقلات العملاقة 60 ألف دولار يوميا. قد يبدو الفرق بين 0.25 و0.5 في المئة صغيراً أمام قيمة سفينة بمئات الملايين من الدولارات. لكنه في سوق شديد الحساسية للمخاطر ليس رقما صغيرا. ثم جاءت الحرب في 2026 لتدفع المعادلة إلى مستويات أكثر قسوة. فقد أشارت بيانات سوقية إلى أن قسط مخاطر الحرب الإضافي بلغ نحو 4.5 ـ 6 في المئة من قيمة بدن السفينة قبل بعض التحسن، مقارنة بنحو 0.25 في المئة قبل الحرب. وبعد ذلك تراجعت المعدلات في بعض الفترات إلى نحو 3 ـ 4 في المئة، لكنها ظلت بعيدة جداً عن مستويات ما قبل الحرب. وهنا تظهر قاعدة السوق التي ينبغي أن تُكتب فوق أبواب غرف التأمين: الأقساط ترتفع بسرعة، لكنها تنخفض ببطء. فالخطر ليس مجرد حادث عابر. عندما تتغير تقديرات شركات التأمين، تصبح العودة إلى الأسعار السابقة مسألة ثقة، لا مسألة أمن عسكري فقط.

لماذا لا تحتاج إيران إلى إغراق السفن؟

إذا كان الهدف الاستراتيجي هو الضغط الاقتصادي، فإن إغراق ناقلة قد يكون أسوأ من تهديدها. السفينة الغارقة تنتج حادثة واضحة، وتوفر دليلا ماديا، وقد تستدعي ردا عسكريا واسعا. أما السفينة التي تتردد في الإبحار، أو التي يرفض المؤمن تغطيتها، أو التي يطلب مالكها علاوة مخاطر لا يستطيع تحملها، فهي تحقق أثراً اقتصادياً أكبر من دون الحاجة إلى تدمير مادي مماثل. هذا هو منطق اقتصاد الخوف. ولا يعني ذلك أن كل حادث بحري أو كل ارتفاع في التأمين يمكن نسبته آليا إلى قرار إيراني مباشر. فالواقع أكثر تعقيداً، والحرب أنتجت مخاطر متعددة ومصادر تهديد مختلفة. لكن من منظور الحرب الهجينة، النتيجة النهائية هي الأهم: كلما أصبح الخطر البحري قابلا للتصديق، أصبح السوق نفسه مضاعفا للقوة العسكرية.

مالك السفينة: من حساب الرحلة إلى حساب حياة الطاقم

قبل الحرب، كان مالك السفينة يسأل عن سعر الوقود، وأجرة الشحن، ورسوم الموانئ، ومدة الرحلة. في الحرب، أصبح السؤال الأول مختلفا: هل يستطيع الطاقم العودة؟ وهذه ليست مسألة أخلاقية فقط؛ إنها مسألة اقتصادية مباشرة. ففي يونيو 2026، قالت المنظمة البحرية الدولية إن حركة السفن عبر هرمز تراجعت بشدة، وربطت ذلك بالمخاطر الأمنية وبصعوبة الحصول على تأمين مناسب. كما أشارت بيانات S&P Global إلى أن متوسط العبور هبط من 135 سفينة يوميا في فبراير إلى أقل من عشر سفن في أوائل مارس. وفي يوليو، كانت المنظمة البحرية الدولية أكثر صراحة: مئات السفن، وعلى متنها نحو 6,000 بحار، ظلوا عالقين في الخليج، بينما حذرت من تعريض البحارة لمخاطر لا يمكن ضمان السيطرة عليها. وفي 28 أغسطس/آب، أعلنت المنظمة أنها تحققت من 70 هجوماً على الملاحة الدولية منذ بداية الصراع، أدت إلى مقتل 19 بحارا. عند هذه النقطة يصبح التأمين نتيجة، وليس السبب الوحيد. فالمالك لا يتوقف فقط لأن المؤمن رفع السعر. قد يتوقف لأن السعر المرتفع أصبح انعكاساً لخطر حقيقي على الإنسان والسفينة. وهذه نقطة جوهرية في فهم الحرب الهجينة: الاقتصاد لا يستبدل الأمن؛ بل يحول الخطر الأمني إلى قرار اقتصادي.

المضيق المفتوح الذي لا تستطيع السفن استخدامه

هذه هي المفارقة الكبرى في هرمز. قد لا يكون هناك إعلان قانوني بإغلاق المضيق. وقد تستمر الخرائط في إظهاره كممر دولي مفتوح. لكن إذا كانت شركات الملاحة لا تستطيع الحصول على تأمين اقتصادي، وإذا كانت الأطقم معرضة للخطر، وإذا كان مالكو السفن لا يستطيعون تبرير الرحلة أمام مساهميهم ومموليهم، فإن «حرية الملاحة» تصبح نظرياً أكثر منها عملية. وهذا ما دفع المنظمة البحرية الدولية في يونيو إلى التحذير من أنه لا يمكن اعتبار المرور آمناً في غياب ضمانات أمنية موثوقة، مؤكدة أن حياة البحارة لا يمكن التضحية بها لأسباب تجارية. وفي يوليو، أدان مجلس المنظمة الهجمات على السفن التجارية في هرمز، وطالب بأن يبقى حق العبور الدولي غير معرقل وغير تمييزي. إذن، لم يعد السؤال: هل المضيق مغلق؟ بل: هل المضيق قابل للتشغيل تجاريا؟ وهذا سؤال مختلف تماما.

من يدفع الفاتورة؟

هنا تظهر المفارقة الجيو-اقتصادية. الولايات المتحدة تستطيع تحمل جزء كبير من آثار اضطراب هرمز بفضل موقعها كمنتج كبير للطاقة، وبفضل قدرتها على الوصول إلى إمدادات من مناطق أخرى. لكن المستورد الآسيوي لا يملك دائما الرفاهية نفسها. كل يوم إضافي في البحر يعني وقودا أكثر. كل رحلة أطول تعني أجورا وتأمينا أعلى. كل خطر إضافي يعني علاوة مخاطر. وكل تحول من الخليج إلى طريق أطول يعني ضغطا على الموانئ والسفن والأساطيل. وقد بدأت بالفعل إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية. وتشير بيانات رويترز في نهاية أغسطس إلى أن صادرات النفط من الأمريكتين بلغت مستويات قياسية، بينما رفعت آسيا وارداتها من نصف الكرة الغربي لتعويض جزء من اضطراب إمدادات الشرق الأوسط. بمعنى آخر، الحرب لا تعيد توزيع المخاطر فقط. إنها تعيد توزيع الجغرافيا الاقتصادية للطاقة.

هرمز كسلاح مالي

من هنا يمكن فهم مفهوم «الإرهاب البحري» في هذه الدراسة بمعناه الاستراتيجي: ليس بوصفه مرادفا لكل عمل مسلح في البحر، بل بوصفه استخدام العنف والتهديد وعدم اليقين لإنتاج أثر اقتصادي يتجاوز حجم القوة المستخدمة مباشرة. وهذا هو جوهر الحرب الهجينة. فالمعادلة ليست: صاروخ ← سفينة غارقة. بل: تهديد ← خوف ← علاوة تأمين ← تردد المالك ← انخفاض حركة السفن ← اضطراب الإمدادات ← ارتفاع الأسعار. أي أن السلاح الحقيقي ليس الصاروخ وحده. السلاح هو سلسلة ردود الفعل التي يطلقها الصاروخ.

الخطأ في قراءة هرمز

الخطأ الاستراتيجي سيكون في قياس نجاح أو فشل الضغط الإيراني بعدد السفن التي أُغرقت. هذا مقياس عسكري تقليدي. المقياس الصحيح للحرب الهجينة مختلف:

– كم ارتفع قسط مخاطر الحرب؟

– كم سفينة قررت عدم العبور؟

– كم يوماً إضافياً تحتاج الرحلات البديلة؟

– كم ارتفعت كلفة الشحن؟

– كم ارتفعت علاوة المخاطر على الطاقة؟

– كم شركة أعادت تقييم سلاسل توريدها؟

– وكم بقي من البحارة عالقين في منطقة الخطر؟

عندما تصبح الإجابات عن هذه الأسئلة كبيرة بما يكفي، يكون السلاح قد حقق أثره حتى من دون معركة بحرية كبرى.

لا تحتاج إلى إغلاق هرمز كي تستخدمه كسلاح

الدرس الاستراتيجي الأهم في أزمة هرمز هو أن السيطرة على الممر ليست بالضرورة السيطرة على الجغرافيا؛ قد تكون السيطرة على قرار الآخرين باستخدام الجغرافيا. إيران، إذا أرادت الضغط على الاقتصاد العالمي، لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق إغلاقا كاملا. يمكن أن يكون الهدف الأكثر كفاءة هو رفع مستوى الخطر إلى الحد الذي يجعل العبور نفسه قرارا اقتصاديا غير عقلاني. وهنا يتحول لويدز من مؤسسة تأمين إلى جزء من معادلة الردع. ويتحول مالك السفينة إلى طرف أمني. ويتحول البحار إلى متغير جيوسياسي. وتتحول الناقلة إلى ورقة في سوق النفط. وتتحول علاوة التأمين إلى مؤشر على درجة نجاح الحرب الهجينة. لهذا فإن هرمز ليس مجرد ممر نفطي. إنه مضخم استراتيجي للخوف. ولا يحتاج من يريد استخدامه كسلاح إلى إغراق العالم في البحر. قد يكفي أن يجعل العالم يخاف من الإبحار فيه. وفي هذه الحالة، تكون المعركة الحقيقية قد انتقلت من سطح الماء إلى عقود التأمين، ومن غرفة عمليات الأسطول إلى مجالس إدارات شركات النقل والطاقة. وهناك، في المكان الذي لا تُسمع فيه أصوات الصواريخ، يمكن أن تتحدد كلفة الحرب الحقيقية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *