كيف اصطدمت «صفقة ترامب» بمنطق التفاوض الإيراني؟»
بقلم د. عبد الرحمان المكاوي- باريس
في المفاوضات الدولية، قد لا يكون أخطر ما يهدد الاتفاق هو الخلاف على المضمون، بل الاعتقاد بأن الطرفين يتحدثان اللغة السياسية نفسها. هذا بالضبط ما حدث في المسار الأمريكي ـ الإيراني خلال ربيع 2025. فقد بدا أن واشنطن وطهران تتفاوضان حول اتفاق نووي واحد، بينما كان كل طرف يضع معنى مختلفاً تماماً لكلمة «اتفاق»، ولما يمكن أن يسبقه من «تفاهم». المشكلة لم تكن مجرد خلاف على نسبة تخصيب اليورانيوم. كانت أعمق: خلافاً على تعريف نقطة البداية نفسها.
فخ المصطلح
دخلت إدارة دونالد ترامب المفاوضات بعقلية الصفقة الحاسمة: اتفاق واضح، قابل للإعلان، ويحقق نتيجة سياسية ملموسة. وكان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف صريحاً في تحديد سقف واشنطن. ففي 18 مايو/أيار 2025 قال إن «الخط الأحمر» الأمريكي هو عدم السماح لإيران بأي قدرة على تخصيب اليورانيوم، حتى بنسبة 1 في المئة، مؤكدا أن الاتفاق يجب ألا يتضمن التخصيب. كانت هذه لغة العقد: التزام محدد، شرط محدد، ونتيجة قابلة للتحقق. لكن طهران كانت تتحدث بلغة مختلفة. وزير الخارجية عباس عراقجي أعلن في أبريل/نيسان أن مبدأ التخصيب «غير قابل للتفاوض»، وأن إيران مستعدة لمعالجة المخاوف المتعلقة ببرنامجها النووي، لكنها ليست مستعدة للتفاوض على أصل حقها في التخصيب. وبعد شهر، عندما أعلن ويتكوف مطلب «الصفر»، جاء رد عراقجي أكثر وضوحا: التخصيب في إيران سيستمر «مع أو بدون اتفاق»، لكنه أضاف في الوقت نفسه أن اتفاقا يمنع امتلاك السلاح النووي يمكن الوصول إليه إذا كانت واشنطن تريد ضمان عدم حصول إيران على قنبلة. هنا ظهرت المفارقة الأساسية. واشنطن كانت تقول: لن يكون هناك اتفاق إذا بقي التخصيب. وطهران كانت تقول: يمكن أن يكون هناك اتفاق لمنع السلاح النووي، لكن التخصيب نفسه ليس موضوعاً قابلاً للإلغاء. لم يكن الخلاف إذا على بند واحد فقط؛ بل على معنى كلمة «اتفاق» ذاتها.
منطق الصفقة في مواجهة منطق التفاوض
يمكن قراءة الموقف الأمريكي باعتباره امتدادا لثقافة سياسية تقوم على «الصفقة»: ماذا تحصل عليه الآن؟ وما الذي يلتزم به الطرف الآخر؟ وكيف يمكن للرئيس أن يعلن أمام جمهوره أنه حقق نتيجة واضحة؟ وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف المحتملة في التفاوض مع إيران. فالطرف الإيراني لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان أن المفاوضات فشلت كي يرفض مطلبا أساسيا. يمكنه أن يوافق على استمرار الحوار، وعلى «تفاهم» حول آليات الضمان والرقابة وبناء الثقة، بينما يبقي مسألة السيادة على التخصيب خارج دائرة التنازل. وهذا ليس بالضرورة «خداعاً» بالمعنى المباشر. إنه اختلاف في تعريف ما الذي ينبغي التفاوض عليه أصلا. لقد قالت طهران، عمليا: يمكننا التفاوض على المخاطر، والضمانات، والرقابة، ومستويات التخصيب، والمخزون، وآليات منع تحويل البرنامج إلى سلاح؛ لكن لا يمكننا أن نبدأ التفاوض من فرضية أن وجود التخصيب نفسه قد أُلغي. وهذا الموقف كان متسقا أيضا مع منطق الاتفاق النووي لعام 2015، الذي وضع قيودا كمية وتقنية صارمة على البرنامج الإيراني، بما فيها سقف تخصيب عند 3.67 في المئة، بدلاً من اشتراط إلغاء القدرة على التخصيب كليا. وقد وثقت الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تلك الحدود في تقاريرها المتعلقة بتنفيذ الاتفاق.
عندما يصبح «الصفر» أكثر من رقم
لهذا السبب كان انتقال واشنطن من الحديث عن نموذج قريب من قيود JCPOA إلى المطالبة بـ«صفر تخصيب» نقطة تحول سياسية. فالفرق بين 3.67 في المئة وصفر ليس فرقاً تقنياً صغيراً. إنه الفرق بين تقييد قدرة نووية قائمة وبين إلغاء مبدأ امتلاك تلك القدرة. وقد ظهر هذا التباين مبكراً في المفاوضات. ففي أبريل، أشارت تقارير إلى أن ويتكوف كان قد تحدث عن حدود تخصيب يمكن أن تكون قريبة من نموذج الاتفاق السابق، قبل أن يتبنى لاحقاً موقف «عدم التخصيب». ووصفت RFE/RL الرسائل الأمريكية بأنها متغيرة ومتناقضة، بينما طالبت طهران بتوضيح الموقف الحقيقي لواشنطن على طاولة التفاوض. وهنا يتحول المصطلح إلى أداة استراتيجية. إذا قالت واشنطن «نريد اتفاقا»، فقد تسمع طهران: نريد ضمانات تمنع السلاح النووي. أما إذا قالت واشنطن «لا تخصيب»، فقد تسمع طهران: نريد إزالة جزء من البنية السيادية لبرنامجكم النووي قبل أن تبدأ المفاوضات الحقيقية. والفرق بين العبارتين هو المسافة بين التسوية والانهيار.
هل كان «الفخ» مقصودا؟
من الخطأ، في التحليل الاستخباراتي الجاد، القفز مباشرة من اختلاف المواقف إلى إثبات وجود مؤامرة متعمدة. لكن من الممكن القول إن الجانب الإيراني استفاد بوضوح من الغموض المحيط بكلمة «اتفاق». فكلما بقيت كلمة «صفقة» واسعة بما يكفي، استطاعت طهران أن تحافظ على باب التفاوض مفتوحاً، من دون أن تقدم التنازل الذي تعتبره جوهر برنامجها النووي. وهنا يمكن فهم ما تسميه هذه القراءة بـ«فخ البازاريين»: ليس باعتباره مؤامرة تجارية بسيطة، بل باعتباره أسلوبا تفاوضيا يقوم على شراء الوقت، إبقاء الخيارات مفتوحة، تجزئة القضايا، وتأجيل نقطة الاصطدام النهائية إلى آخر لحظة ممكنة. في المقابل، بدا الجانب الأمريكي أكثر استعجالاً في تحويل التفاوض إلى نتيجة سياسية قابلة للإعلان. وهنا حدث التصادم. واشنطن أرادت صفقة. طهران أرادت مسار تفاوض. والفرق بين الاثنين جوهري.
من الانسداد إلى التصعيد
كانت النتيجة الأولى هي الانسداد. ففي حين كان البيت الأبيض يريد اتفاقاً يزيل قدرة إيران على التخصيب، ظلت طهران ترفض جعل التخصيب نفسه موضوعا للتنازل. وبحلول مايو، أصبحت الفجوة علنية إلى درجة أن الجولة الخامسة من المفاوضات انتهت مع استمرار الخلاف حول التخصيب، رغم حديث الوسيط العماني عن إمكان تحقيق تقدم محدود. ثم جاءت النتيجة الثانية: انتقال الأزمة من طاولة المصطلحات إلى طاولة القوة. في يونيو/حزيران 2025 اندلعت الحرب بين إسرائيل وإيران، وانضمت الولايات المتحدة إلى الضربات على المنشآت النووية الإيرانية في 21 يونيو. وبعد أيام أُعلن وقف إطلاق النار الذي أنهى حربا استمرت 12 يوما. لا يمكن إثبات أن الخلاف الدلالي وحده «سبب» الحرب؛ فالحرب كانت نتيجة تراكمات عسكرية واستخباراتية واستراتيجية أوسع بكثير. لكن يمكن القول إن فشل المفاوضات في إنتاج تعريف مشترك لما يمكن أن يشكل اتفاقا قابلا للتنفيذ ساهم في تضييق مساحة الحل الدبلوماسي. وهذا فارق مهم. فاللغة لا تطلق الصواريخ، لكنها قد تغلق الأبواب التي تمنع إطلاقها.
الثمن الأكبر: انهيار الثقة
الأثر الثالث كان أخطر من مجرد فشل جولة تفاوض. لقد تضررت مصداقية العملية الدبلوماسية نفسها. حين تقول واشنطن في مرحلة ما إن نموذجا مقيدا للتخصيب يمكن أن يكون جزءا من التسوية، ثم تنتقل إلى القول إن أي تخصيب هو خط أحمر، فإن طهران تستطيع تقديم ذلك باعتباره دليلا على أن الشروط الأمريكية قابلة للتغيير. وبالمقابل، حين تقول طهران إن التخصيب «غير قابل للتفاوض»، ثم تستمر في التفاوض حول اتفاق نووي، تستطيع واشنطن أن ترى في ذلك تكتيكا لإبقاء البرنامج قائماً مع كسب الوقت. وهكذا يقع الطرفان في الحلقة نفسها: كل طرف يفسر مرونة الآخر باعتبارها مناورة، ومناورة الآخر باعتبارها دليلا على عدم حسن النية. وهذه هي البيئة المثالية لانهيار الثقة.
الدرس الاستخباراتي
الدرس الأهم من هذه الأزمة ليس أن أحد الطرفين كان «أذكى» من الآخر. بل إن الخطر يكمن في أن كل طرف كان يتفاوض على شيء مختلف من دون أن يعترف بذلك صراحة. فالولايات المتحدة كانت تبحث عن نتيجة نهائية: منع القدرة على إنتاج سلاح نووي، وربما إزالة قدرة التخصيب نفسها. أما إيران فكانت تبحث عن نتيجة مختلفة: الحفاظ على البنية الأساسية لبرنامجها النووي، مع تقديم ضمانات ورقابة وقيود تحول دون الانتقال إلى السلاح. بين الهدفين توجد مساحة واسعة للتفاوض، لكن بشرط واحد: أن يُعرّف الطرفان بوضوح الكلمات التي يستخدمانها. «اتفاق». «تفاهم». «تخصيب». «ضمانات». «منع». «تفكيك». كل واحدة من هذه الكلمات يمكن أن تبدو واضحة في بيان صحفي، لكنها قد تحمل في غرفة التفاوض معنى مختلفا تماما. وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته «فخ المصطلحات».
لا تشتر الكلمة قبل أن تختبر معناها
ربما لم تكن المشكلة أن إيران لم تكن تريد اتفاقا، ولا أن الولايات المتحدة لم تكن تريد تفاوضا. المشكلة أن الطرفين أرادا اتفاقين مختلفين. واشنطن أرادت اتفاقا تستطيع أن تقدمه للرأي العام باعتباره «صفقة ترامب»: نتيجة واضحة، شرط واضح، وتراجع واضح في القدرة النووية الإيرانية. أما طهران فبدت مستعدة لتفاهم يضمن عدم تحول برنامجها إلى سلاح، لكنها لم تكن مستعدة لبيع مبدأ التخصيب نفسه. وهكذا تحولت كلمة «اتفاق» من جسر إلى فخ. وفي المفاوضات المقبلة، سيكون الخطأ الأكبر هو العودة إلى السؤال القديم: «هل اتفقنا؟» السؤال الصحيح يجب أن يكون: اتفقنا على ماذا بالضبط؟ ثم: ماذا يعني كل طرف عندما يقول إنه وافق؟ ففي الدبلوماسية، كما في الاستخبارات، ليست المشكلة دائماً في أن الخصم يكذب. أحيانا تكون المشكلة الأخطر أن الطرفين يقولان الحقيقة، لكن كل واحد منهما يعني شيئا مختلفا تماما بالكلمات نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp