الطائرات المسيرة، الصواريخ الفرط صوتية، المسيرات البحرية والذكاء الاصطناعي
بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
منذ نحو عشرين عاما، كنت أطرح فرضية بدت في حينها أقرب إلى استشراف بعيد منها إلى توصيف عسكري قابل للتحقق: أن الحروب المقبلة ستنتقل تدريجيا من منطق المنصة العسكرية الضخمة إلى منطق السلاح الرخيص، الذكي، المتعدد، القابل للتضحية، والقادر على العمل في البر والجو والبحر وتحت الماء. كان الحديث آنذاك عن الطائرات المسيرة، والأسلحة الفرط صوتية، والمركبات البحرية غير المأهولة، باعتبارها أدوات مساعدة في الحروب غير المتكافئة أو التقليدية. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة جذريا. لم تعد هذه الأسلحة جزءا من الحرب، بل تقترب من أن تصبح الحرب نفسها.
أولا: أوكرانيا وهرمز… نقطتا التحول
إذا كانت حرب أوكرانيا قد شكلت المختبر العملياتي الأهم للحرب الحديثة، فإن مضيق هرمز قد يكون الاختبار المقبل للنظرية نفسها في بيئة بحرية شديدة التعقيد. لقد أظهرت أوكرانيا أن السلاح الرخيص يستطيع، في ظروف معينة، أن يفرض تكلفة استراتيجية هائلة على خصم يمتلك منصات أغلى بعشرات أو مئات المرات. وتجسدت هذه الفكرة بصورة صارخة في عملية «شبكة العنكبوت» في يونيو 2025، حيث استخدمت أعداد كبيرة من المسيرات لضرب أهداف جوية روسية عالية القيمة. وبغض النظر عن اختلاف التقديرات المتعلقة بحجم الخسائر الفعلية وكلفتها، فإن الدرس العسكري الأهم لم يعد قابلا للتجاهل: لم تعد قيمة السلاح تقاس بسعره، وإنما بنسبة التكلفة بين الهجوم والدفاع، وبقدرته على إصابة الهدف ذي القيمة الأعلى. مسيرة رخيصة يمكنها، إذا أصابت هدفا استراتيجيا، أن تفرض على الخصم فاتورة دفاعية بمئات الآلاف أو ملايين الدولارات، فضلا عن قيمة المنصة المستهدفة نفسها. إنها حرب الاختلال الاقتصادي المتعمد.
ثانيا: البحر لم يعد آمنا
التحول الثاني جاء من البحر. المسيرات البحرية غير المأهولة، التي طورتها أوكرانيا واستخدمتها ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود، أثبتت أن السفينة الحربية الثقيلة لم تعد تتمتع بالحصانة التي ارتبطت بها لعقود. لقد دخلت الحرب البحرية عصر المطاردة الجماعية والاستنزاف منخفض التكلفة. مركبة سطحية صغيرة غير مأهولة، يصعب اكتشافها، ويمكن إنتاجها بأعداد كبيرة، لا تحتاج إلى طاقم ولا إلى منظومة حياة ولا إلى العودة بعد تنفيذ مهمتها، تستطيع أن تتحول إلى تهديد حقيقي لسفينة تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات. وهذا المنطق لا يتوقف عند البحر الأسود. مضيق هرمز هو البيئة المثالية لهذا النوع من الحرب. ممر بحري ضيق، كثيف الحركة، شديد الحساسية، محاط بالسواحل والجزر والمنشآت العسكرية، ويعبره جزء بالغ الأهمية من تجارة الطاقة العالمية. في مثل هذه البيئة، لا تعود المعركة بالضرورة: سفينة ضد سفينة. بل تصبح: شبكة استشعار ضد شبكة استشعار، وسرب ضد سرب، وخوارزمية ضد خوارزمية.
ثالثا: من السلاح الموجه إلى السرب المستقل
هنا ندخل المرحلة الأكثر حساسية: الذكاء الاصطناعي. المسيرة بحد ذاتها ليست الثورة. الثورة هي أن تصبح المسيرات قادرة على الرؤية، والتصنيف، وتبادل المعلومات، وتوزيع المهام، وإعادة تشكيل السرب، واتخاذ قرارات تكتيكية بسرعة تتجاوز قدرة الإنسان على المتابعة. لقد دخلنا بذلك من عصر السلاح الموجه إلى عصر السرب المتكيف. وهذا يطرح سؤالا عسكريا وأخلاقيا وسياسيا بالغ الخطورة: عندما تصبح دورة القرار أسرع من قدرة الإنسان على التدخل، أين ينتهي دور الإنسان وأين تبدأ الآلة؟ وقد عبر روبرت وورك، نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق، عن جوهر المعضلة حين طرح السؤال: When you’re dealing at machine speed, at what point is the human an impediment? المشكلة ليست في أن الآلة أذكى من الإنسان بالضرورة. المشكلة أن سرعة المعركة نفسها قد تصبح أكبر من قدرة الإنسان على اتخاذ القرار. فإذا واجه سرب من مئات المسيرات سربا آخر، وكانت الصواريخ والمسيرات تتحرك بسرعات عالية، وكانت الرادارات والمستشعرات تنتج كما هائلا من البيانات، فإن القرار البشري التقليدي، اكتشاف ثم تحليل ثم تشاور ثم إصدار أمر ثم تنفيذ، قد يتحول من عنصر قوة إلى عنصر تأخير. وهنا يظهر مفهوم Kill Web، شبكة القتل.
رابعا: من Kill Chain إلى Kill Web
في الحرب التقليدية، كان التفكير يقوم على سلسلة محددة: اكتشاف الهدف، تحديده، اتخاذ القرار، إطلاق السلاح، إصابة الهدف. أما في الحرب الشبكية المقبلة، فنحن أمام نموذج مختلف: كل شيء متصل بكل شيء. المسيرة ترى. القمر الصناعي يراقب. الرادار يكتشف. المقاتلة تنقل البيانات. المدفعية تضرب. الصاروخ يناور. المسيرة البحرية تغلق الممر. والخوارزمية توزع الأهداف. لم تعد هناك منصة واحدة تحمل العبء كله. بل شبكة قتالية موزعة تستطيع الاستمرار حتى بعد فقدان أجزاء منها. وهذا هو جوهر مفهوم Kill Web. وتأتي المشاريع الأوروبية والأمريكية الحديثة لتدفع بهذا الاتجاه إلى الأمام، بما في ذلك منصات تنسيق الضربات والأنظمة القابلة للإنتاج الكثيف، حيث يصبح الهدف ليس إنتاج عدد قليل من الأسلحة الباهظة، وإنما إنتاج عدد كبير من الأنظمة الذكية القابلة للتعويض والاستبدال. إنها فلسفة عسكرية جديدة: لا تحم المنصة، كثّر المنصات. لا تجعل السلاح ثمينا، اجعله قابلا للتضحية. لا تعتمد على عقل واحد، ابن شبكة من العقول الاصطناعية.
خامسا: الحرب تنتقل إلى تحت الماء
وإذا كان البحر قد أصبح ساحة للمسيرات، فإن المرحلة التالية ستكون أكثر تعقيدا: المسيرات تحت سطح البحر. مركبات ذاتية التشغيل قادرة على البقاء لفترات طويلة في البحر، والمراقبة والاستطلاع، وربما تنفيذ مهام مضادة للسفن أو للغواصات أو لحماية السواحل، ستغير طبيعة البيئة البحرية بصورة جذرية. هنا تصبح الحدود بين السلاح والمستشعر والمنصة والروبوت شبه معدومة. مركبة صغيرة تستطيع أن تبقى أسابيع أو أشهرا في منطقة معينة، دون طاقم بشري، يمكنها أن تتحول إلى عين دائمة في قاع البحر. وعندما تتكامل هذه المنظومات مع الذكاء الاصطناعي، يصبح البحر نفسه شبكة استشعار وقتال موزعة.
سادسا: الاقتصاد هو السلاح الخفي
ربما يكون التحول الأكبر ليس تقنيا، بل اقتصاديا. الحرب الحديثة كانت لعقود تقوم على قاعدة: السلاح الأكثر تطورا هو السلاح الأفضل. أما الحرب القادمة فقد تفرض قاعدة أخرى: السلاح الذي تستطيع إنتاجه بأعداد هائلة قد يكون أخطر من السلاح الذي لا تستطيع إنتاجه إلا بأعداد محدودة. وهذا هو المنطق الكامن خلف برامج مثل Replicator الأمريكي: بناء كتلة كبيرة من الأنظمة المستقلة والمنخفضة التكلفة نسبيا، بحيث تستطيع القوات تعويض خسائرها والاستمرار في القتال. المعادلة الجديدة ليست: مقاتلة بمقاتلة. ولا: صاروخ بصاروخ. بل: مئات المسيرات الرخيصة في مواجهة منظومة دفاعية باهظة. وهنا تظهر معضلة اقتصادية خطيرة للدفاعات التقليدية. إذا كان المهاجم يستطيع إنتاج المسيرة بعشرات الآلاف من الدولارات، بينما يحتاج المدافع إلى صاروخ اعتراضي تبلغ كلفته مئات الآلاف أو ملايين الدولارات، فإن إسقاط كل مسيرة قد يكون نجاحا تكتيكيا وفشلا اقتصاديا. ومن هنا يمكن أن تصبح الحرب المقبلة معركة استنزاف للذخائر قبل أن تكون معركة استنزاف للجنود.
سابعا: الفرط صوتي… حين تصبح الثواني أهم من الجنود
على الطرف الآخر من الطيف، تظهر الصواريخ الفرط صوتية. هنا لا نتحدث عن سلاح أسرع فقط، بل عن سلاح يشتري شيئا أكثر قيمة: الزمن. كلما زادت السرعة وانخفض زمن الإنذار، تقلصت نافذة القرار أمام الدفاع. ولهذا فإن الأسلحة الفرط صوتية ليست مجرد صواريخ أسرع. إنها محاولة لتغيير زمن الحرب نفسه. وعندما تصل المنظومة الهجومية إلى سرعات هائلة، تصبح عملية الاكتشاف والتصنيف والتتبع والاعتراض سباقا بين الخوارزميات. ومن هنا تتقاطع الثورة الفرط صوتية مع ثورة الذكاء الاصطناعي. السرعة وحدها لا تكفي. والذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي. لكن جمع السرعة بالشبكات وبالاستقلالية يمكن أن يغير قواعد الاشتباك جذريا.
ثامنا: المستقبل ليس F-35 أو حاملة الطائرات وحدهما
لا أقول إن المقاتلات المتقدمة أو حاملات الطائرات ستختفي. سيكون ذلك تبسيطا خطيرا. لكنني أقول إن احتكار المنصة الكبيرة للحرب الجوية والبحرية قد انتهى. حاملة الطائرات ستظل منصة استراتيجية. المقاتلة المأهولة ستظل ذات قيمة. الغواصة النووية ستظل من أخطر الأسلحة. لكن هذه المنصات ستعمل بصورة متزايدة كعقد داخل شبكة أكبر. قد تطلق الطائرة عشرات المسيرات. وقد تطلق السفينة صواريخ ومركبات غير مأهولة. وقد تعمل الغواصة مع أسراب استشعار تحت الماء. وقد تقود المنصة المأهولة شبكة من المنصات غير المأهولة. لذلك فإن السؤال العسكري في المستقبل لن يكون: ما أقوى طائرة؟ بل: ما أقوى شبكة قتالية؟ ولن يكون السؤال: كم سفينة تمتلك؟ بل: كم هدفا تستطيع اكتشافه، وكم منصة تستطيع تحريكها، وكم سلاحا تستطيع إطلاقه في الدقيقة، وكم خسارة تستطيع تعويضها؟
تاسعا: هرمز… نموذج الحرب المقبلة
إذا أردنا تصور سيناريو مستقبلي في مضيق هرمز، فإن الحرب لن تبدأ بالضرورة بإبحار الأساطيل العملاقة نحو بعضها. قد تبدأ بشيء أكثر غموضا. مسيرات جوية للاستطلاع. مسيرات بحرية انتحارية. ألغام بحرية. غواصات غير مأهولة. صواريخ ساحلية. أسراب تشويش إلكتروني. أقمار صناعية. شبكات ذكاء اصطناعي. ثم يبدأ كل نظام في رؤية جزء من الصورة. وتقوم الخوارزميات بدمج هذه الأجزاء. الهدف ليس تدمير كل شيء. الهدف هو شل قدرة الخصم على الرؤية، ثم شل قدرته على القرار، ثم شل قدرته على الحركة. وهنا تصبح المعركة على هرمز حربا من نوع جديد: من يملك السرب الأكبر؟ من يملك الشبكة الأسرع؟ من يستطيع إعادة تكوين منظومته بعد الضربة الأولى؟ ومن يستطيع الدفاع بتكلفة أقل من تكلفة الهجوم؟ في هذه البيئة، قد لا يكون التفوق لمن يمتلك أغلى الأسلحة. قد يكون لمن يستطيع إنتاج أكبر عدد من الأسلحة الذكية، بأسرع وقت، وبأقل تكلفة، مع شبكة قيادة أكثر مرونة.
عاشرا: أخطر ثورة عسكرية ليست في السلاح… بل في القرار
لقد دخلنا مرحلة تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الإنسان والسلاح. المشكلة المقبلة ليست أن الآلة ستصبح قادرة على إطلاق النار. لقد كانت الآلات قادرة على ذلك منذ زمن. المشكلة هي أن الآلة قد تصبح قادرة على اختيار اللحظة، وتحديد الأولوية، وتوزيع الأهداف، والتكيف مع الخطر، والعمل ضمن سرب. وهنا تقع أخطر نقطة في التحول. لأن الحرب عندما تصبح أسرع من الإنسان، فإن خطر الخطأ لا يختفي. بل قد يتضاعف. خطأ الإنسان بطيء. أما خطأ الآلة فقد ينتشر بسرعة السرب. ولهذا فإن السباق الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون فقط على الذكاء الاصطناعي العسكري، بل على قواعد استخدامه، وحدود استقلاليته، ودرجة الرقابة البشرية على قرارات القتل. فالسؤال الحاسم ليس: هل نستطيع بناء سرب يقتل؟ نحن نقترب من القدرة على ذلك. السؤال الحقيقي هو: هل نستطيع بناء سرب يعرف متى لا يقتل؟
توقعت ذلك منذ عشرين عاما
منذ عشرين عاما، كان من الممكن النظر إلى المسيرات البحرية، والطائرات غير المأهولة، والصواريخ المتقدمة باعتبارها أسلحة ثانوية إلى جانب الجيوش والطائرات والسفن التقليدية. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المنظومات في قلب عملية التحول العسكري العالمي. ولذلك أعود إلى الفكرة التي طرحتها منذ عقدين: مستقبل الحرب لن يكون بالضرورة حرب المنصات العملاقة، بل حرب الكتلة الذكية. لن تختفي حاملة الطائرات. لن تختفي المقاتلة. لن تختفي الغواصة. لكنها ستتحول تدريجيا إلى مراكز قيادة واستشعار وإطلاق داخل منظومة أكبر. أما القوة الحقيقية، فستكون في السرب. سرب في السماء. سرب على سطح البحر. سرب تحت الماء. سرب من الصواريخ. سرب من المستشعرات. وسرب من الخوارزميات. وعندما تتصل هذه الأسراب بشبكة واحدة، يصبح الجيش الذي يمتلكها قادرا على تحويل المعركة من مواجهة بين عدد محدود من المنصات إلى فيض قتالي لا يستطيع الخصم اعتراضه بالكامل. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: قد تكون أغلى حاملة طائرات في العالم عاجزة عن ضمان أمنها إذا كانت محاطة بمئات الأهداف الرخيصة. وقد تكون أرخص مسيرة في السماء قادرة على تغيير قرار دولة إذا استطاعت الوصول إلى الهدف الصحيح. إنها ليست نهاية عصر السلاح التقليدي. إنها نهاية احتكار السلاح التقليدي لمفهوم القوة. ومن أوكرانيا إلى البحر الأسود، ومن البحر الأسود إلى هرمز، ومن المسيرة إلى السرب، ومن السرب إلى الذكاء الاصطناعي، تتشكل أمامنا ملامح حرب جديدة: حرب أقل اعتمادا على عدد الجنود، وأكثر اعتمادا على عدد الآلات؛ أقل اعتمادا على حجم المنصة، وأكثر اعتمادا على حجم الشبكة؛ وأقل اعتمادا على قوة السلاح منفردا، وأكثر اعتمادا على قدرة آلاف الأسلحة على العمل كأنها عقل واحد. وهنا، تحديدا، يصبح المستقبل الذي كان يبدو قبل عشرين عاما بعيدا…حاضرا.
📲 Partager sur WhatsApp