سبتة ومليلية بين صخب الشارع الإسباني وحكمة الدولة المغربية

حين تتحول أزمة الهجرة إلى معركة على السيادة… من يحرك المشهد؟

بقلم: حيمري البشير, بركان-المغرب

هناك لحظات في العلاقات الدولية لا يكون فيها السؤال عما يحدث فقط، بل عمن يدفع الأحداث نحو اتجاه معين، ومن المستفيد من تحويل أزمة محدودة إلى مواجهة سياسية مفتوحة. وما يجري اليوم في إسبانيا حول سبتة ومليلية يستحق قراءة هادئة وعميقة، بعيدا عن الانفعال، وبعيدا كذلك عن الانجرار وراء الشعارات التي ترفعها بعض القوى السياسية الإسبانية. فإذا كانت سبتة ومليلية موضوعا تاريخيا وسياديا حاضرا في الوعي الوطني المغربي، فإن تحويل كل أزمة هجرة أو كل احتجاج إسباني إلى مواجهة مباشرة بين الشعبين المغربي والإسباني قد يكون تحديدا هو الفخ الذي ينبغي تجنبه. المغرب يعرف جيدا ما يريد. ويعرف أيضا متى يتحدث، وكيف يتحدث، ومتى يترك الزمن يعمل لصالحه.

سبتة ومليلية… قضية وطنية لا تحتاج إلى مزايدة

في الوعي المغربي، لا توجد ازدواجية في الموقف من سبتة ومليلية. هناك إجماع وطني واسع على أن المدينتين جزء من المجال الجغرافي والتاريخي الذي يرتبط بالمغرب، وأن استمرار الوجود الإسباني فيهما يمثل ملفا سياسيا وتاريخيا لم يغلق بعد. لكن الإجماع على المبدأ لا يعني بالضرورة الاتفاق على التوقيت أو الوسيلة أو شكل المطالبة. وهذه نقطة جوهرية. فالدول لا تدير القضايا السيادية الكبرى بمنطق الشارع وحده، ولا بمنطق رد الفعل السريع، وإنما بمنطق تراكم القوة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقانونية، وانتظار اللحظة التي تصبح فيها المطالبة أكثر قابلية للتحول من شعار إلى نتيجة. ومن هنا، فإن عدم خروج الشارع المغربي إلى الشوارع اليوم لا يعني تراجعا عن مغربية سبتة ومليلية. بل قد يعني شيئا أكثر عمقا: أن الدولة المغربية لا تريد أن تسمح لأحد بأن يختار لها توقيت المعركة.

ولكن ماذا يحدث في إسبانيا فعلا؟

هنا يجب التمييز بين الحقيقة السياسية والدعاية الحزبية. الاحتجاجات الأخيرة في إسبانيا ارتبطت بصورة أساسية بأزمة الهجرة التي شهدتها سبتة، وبالانتقادات الموجهة إلى حكومة بيدرو سانشيز بسبب طريقة تعاملها مع تدفق المهاجرين، وبمطالب تتعلق بأمن الحدود وإعادة المهاجرين. وقد استثمرت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الحزب الشعبي و«فوكس»، الأزمة للضغط على الحكومة المركزية. كما خرجت احتجاجات مضادة تندد بالعنصرية والإسلاموفوبيا. لكن «فوكس» ذهب أبعد من ذلك، وحول المسألة إلى خطاب سيادي صريح، مطالبا بالدفاع عن «إسبانية» سبتة ومليلية، بل وداعيا إلى إجراءات أكثر تشددا تجاه المغرب. وهنا تظهر المفارقة. الأزمة في أصلها أزمة هجرة، لكن اليمين الإسباني يريد تحويلها إلى أزمة سيادة. وهذا التحول ليس بريئا من الحسابات الانتخابية. فالهجرة، والأمن، والحدود، والمغرب، وسبتة ومليلية، كلها ملفات شديدة الحساسية بالنسبة للناخب الإسباني، ويمكن جمعها في خطاب سياسي واحد يقوم على التخويف من فقدان السيطرة على الحدود. ولهذا فإن تحميل الشارع الإسباني كله مسؤولية خطاب اليمين المتطرف سيكون خطأ. كما أن وصف كل احتجاج إسباني بأنه مظاهرة من أجل «استمرار الاحتلال» سيكون تبسيطا للواقع. الصورة أكثر تعقيدا.

اليمين يضغط… والحكومة الاشتراكية تحاول الإمساك بالخيط

رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يجد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة. من جهة، لا يستطيع التراجع عن الموقف الإسباني التقليدي بشأن سيادة سبتة ومليلية. ومن جهة أخرى، يعرف أن المغرب شريك أساسي في ملفات الهجرة والأمن والتجارة والاستثمار والطاقة والتعاون الإقليمي. ومن جهة ثالثة، يواجه ضغطا متزايدا من اليمين الإسباني الذي يريد تحويل أي توتر مع المغرب إلى مادة سياسية داخلية. ولهذا تبدو الحكومة الاشتراكية حريصة على عدم تحويل أزمة الهجرة إلى قطيعة مع الرباط. بل إن مدريد رفضت أخيرا أي نقاش حول السيادة على سبتة ومليلية، وأكدت تمسكها بموقفها السيادي، في الوقت الذي دعت فيه شخصيات مغربية إلى الحوار حول مستقبل المدينتين. إذن نحن أمام معادلة دقيقة: المغرب يرفع ملفا تاريخيا، وإسبانيا ترفض مناقشة السيادة، واليمين الإسباني يحاول تحويل الرفض إلى تعبئة انتخابية، بينما تحاول حكومة سانشيز إبقاء العلاقات المغربية الإسبانية تحت سقف المصالح المشتركة. وهذا هو جوهر المشهد.

وهل يتحرك الشارع الإسباني بسبب ترامب؟

هذا السؤال يحتاج إلى كثير من الحذر. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول سبتة جاءت في سياق أزمة الهجرة، وقد وصف ما جرى بأنه «غزو» واستخدم الأزمة في سياقه السياسي الداخلي المرتبط بالهجرة والحدود. لكن لا توجد، في المعطيات المتاحة، أرضية كافية للقول إن ترامب أعلن دعما أمريكيا لاسترجاع المغرب لسبتة ومليلية، أو أن المظاهرات الإسبانية جاءت ردا على موقف أمريكي من هذا النوع. وهنا يجب عدم الخلط بين أمرين: انتقاد ترامب لسياسة الهجرة الإسبانية شيء، ودعم المطالبة المغربية بالسيادة على سبتة ومليلية شيء آخر. والخلط بينهما قد يخدم الدعاية السياسية أكثر مما يخدم التحليل الاستراتيجي.

وهل هناك من يريد إشعال الخلاف بين الرباط ومدريد؟

هذا احتمال سياسي يمكن مناقشته، لكن لا ينبغي تحويله إلى حقيقة مؤكدة من دون أدلة. في العلاقات الدولية، توجد دائما قوى تستفيد من توتر العلاقات بين الدول. والمغرب وإسبانيا دولتان تجمعهما مصالح ضخمة، من التجارة إلى الأمن، ومن الهجرة إلى الاستثمار، ومن التعاون البحري إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. كل أزمة بينهما تفتح الباب أمام أطراف أخرى للاستثمار السياسي فيها. لكن القول بأن جهة خارجية بعينها تقف وراء كل مظاهرة أو كل خطاب سياسي يحتاج إلى أدلة واضحة، وإلا تحول التحليل إلى نظرية مؤامرة. المطلوب هو أن نقرأ المصالح قبل أن نقرأ النوايا. ومن هذه الزاوية، فإن المستفيد الحقيقي من القطيعة المغربية الإسبانية ليس بالضرورة المغرب ولا إسبانيا. المستفيد هو كل طرف إقليمي أو دولي يريد إضعاف التعاون بينهما.

الجزائر… هل تحاول الركوب على الأزمة؟

من الطبيعي أن يراقب المغرب أي تحرك إقليمي يمكن أن يستثمر في التوتر بين الرباط ومدريد، خصوصا في ظل التنافس المغربي الجزائري المعروف. لكن الحكمة السياسية تقتضي عدم منح الجزائر أكثر مما تستحق من التأثير في كل أزمة مغربية إسبانية. فالعلاقات المغربية الإسبانية ليست ملفا هامشيا يمكن لطرف ثالث أن يديره بسهولة. إنها شبكة مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية عميقة. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن مدريد والرباط، رغم الأزمات الحادة، قادرتان على العودة إلى منطق التعاون عندما تقتضي مصالحهما ذلك. ولهذا فإن تحويل كل أزمة إلى «مؤامرة جزائرية» قد يكون في حد ذاته خدمة غير مقصودة لمن يريد دفع المغرب إلى ردود فعل عاطفية. القوة ليست في رؤية المؤامرة في كل مكان، بل في القدرة على إفشالها حتى لو كانت موجودة.

لماذا لم يتحرك الشارع المغربي؟

هذا هو السؤال الأكثر أهمية. لماذا لم نشهد، في المقابل، تعبئة شعبية مغربية واسعة للرد على المظاهرات الإسبانية؟ الجواب في تقديري بسيط وعميق في الوقت نفسه: لأن الدولة المغربية لا تريد أن تدخل في معركة يحدد خصمها توقيتها. هناك فرق بين قضية وطنية ثابتة وبين معركة سياسية عاجلة. مغربية سبتة ومليلية بالنسبة إلى الوعي الوطني المغربي ليست قضية ظهرت اليوم حتى تحتاج إلى إثبات في الشارع. أما استرجاع المدينتين، فهو ملف يحتاج إلى بناء طويل للنقطة السياسية والقانونية والدبلوماسية. وكلما كانت الدولة واثقة من قضيتها، ازدادت قدرتها على الانتظار. التريث ليس تراجعا. والصمت ليس تنازلا. وعدم التصعيد لا يعني التخلي عن الحق. بل قد يكون في بعض اللحظات أعلى درجات القوة السياسية.

ماذا لو خرج الشارع المغربي غدا؟

هنا يجب التفكير قبل التحرك. إذا خرج مئات الآلاف في المغرب للمطالبة بانسحاب إسبانيا من سبتة ومليلية، فإن الرسالة ستكون قوية من الناحية الشعبية. لكن السؤال ليس هل ستكون الرسالة قوية. السؤال: إلى أين ستقود هذه الرسالة؟ هل ستفتح مدريد باب الحوار؟ أم ستدفع اليمين الإسباني إلى مزيد من التشدد؟ هل ستساعد على تدويل الملف؟ أم ستمنح خصوم المغرب فرصة لتقديمه باعتباره مصدر تهديد إقليمي؟ هل ستقوي الموقف المغربي؟ أم ستضر بالمصالح الاقتصادية والأمنية التي تجمع البلدين؟ هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها. لذلك فإن التعبئة الشعبية، إذا جاءت في يوم من الأيام، ينبغي أن تكون جزءا من استراتيجية دولة، لا مجرد رد فعل على مظاهرة في مدينة إسبانية.

المغرب وإسبانيا: المصالح أقوى من الشعارات

العلاقات المغربية الإسبانية اليوم ليست علاقات دولتين متجاورتين فقط. إنها علاقات اقتصادية وأمنية وإنسانية عميقة. إسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات عديدة، والمغرب أيضا يستفيد من علاقاته مع إسبانيا. والجغرافيا لا يمكن تغييرها بالشعارات. المغرب وإسبانيا سيبقيان جارين. وسيبقى البحر المتوسط بوابة مشتركة بينهما. وستبقى الهجرة قضية مشتركة. وسيظل الأمن المشترك ضرورة للطرفين. ولهذا فإن الحكمة تقتضي الفصل بين الخلاف السيادي وبين المصالح المشتركة. يمكن للمغرب أن يتمسك بموقفه التاريخي والسياسي من سبتة ومليلية، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقاته الاستراتيجية مع مدريد. وهذا ليس تناقضا. بل هو جوهر الدبلوماسية.

أما جبل طارق… فله حساب آخر

ربط مستقبل سبتة ومليلية بمستقبل جبل طارق فكرة استراتيجية تستحق النقاش. فجبل طارق يمثل بدوره ملفا سياديا مفتوحا بين إسبانيا وبريطانيا، بينما ترى مدريد أن السيادة عليه قضية لم تحسم نهائيا. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح الملفان جزءا من نقاش أوسع حول بقايا النزاعات السيادية في غرب المتوسط. لكن يجب الانتباه إلى أن لكل ملف ظروفه التاريخية والقانونية والسياسية الخاصة. لذلك فإن الربط بينهما قد يكون مفيدا كورقة دبلوماسية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى شرط معلن أو معادلة جامدة. الدبلوماسية الذكية تترك دائما أبوابا مفتوحة.

التوقيت… هو نصف السياسة

في القضايا الكبرى، لا يكفي أن تكون محقا في نظر شعبك. يجب أن تعرف أيضا متى تطالب، وكيف تطالب، ومن تخاطب، وما الذي تملك من أوراق ضغط. وهذا بالضبط ما يجعل قضية سبتة ومليلية مختلفة عن مجرد قضية حدودية. إنها قضية ترتبط بالتاريخ والجغرافيا والسيادة والقانون الدولي والتوازنات الأوروبية والمصالح المغربية الإسبانية. ولهذا فإن استرجاعهما، إذا تحول يوما إلى مسار سياسي جدي، لن يكون نتيجة مظاهرة ولا خطاب ناري. سيكون نتيجة تراكم طويل للقوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الجاران إلى خصمين

هناك من يريد للمغرب وإسبانيا أن ينظرا إلى بعضهما باعتبارهما خصمين دائمين. لكن التاريخ والجغرافيا والمصالح تقول شيئا آخر. يمكن أن يختلف البلدان حول سبتة ومليلية. يمكن أن يختلفا حول الصحراء. يمكن أن يختلفا حول الهجرة. يمكن أن تختلف الحكومتان حول ملفات كثيرة. لكن الاختلاف لا يعني العداء. وهنا تكمن المسؤولية التاريخية لحكومة سانشيز وللدولة المغربية معا. على مدريد أن تدرك أن تجاهل الحساسية المغربية تجاه سبتة ومليلية لن يلغي القضية من الذاكرة الوطنية المغربية. وعلى الرباط أن تدرك أن التصعيد غير المحسوب لن يجعل إسبانيا أكثر استعدادا للتنازل. الهدوء ليس ضعفا، كما أن الصراخ ليس قوة.

المغرب لا يحتاج إلى استعجال التاريخ

المغرب بلد له ذاكرة طويلة. والقضايا الوطنية الكبرى لا تقاس بالأسابيع ولا بالأشهر. قد يأتي يوم تصبح فيه الظروف الإقليمية والدولية أكثر ملاءمة لفتح نقاش حقيقي حول مستقبل سبتة ومليلية. وقد يأتي هذا اليوم في إطار تفاوض مباشر بين الرباط ومدريد. وقد يرتبط بتحولات أوسع في العلاقة بين أوروبا وشمال إفريقيا. وقد يتطلب ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تجعل الانتقال ممكنا من دون هزات إقليمية. لكن ما ينبغي ألا يحدث هو أن تفرض مظاهرة في مدريد أو تصريح لسياسي من اليمين الإسباني إيقاعها على القرار المغربي. الدولة التي تعرف قيمة قضيتها لا تسمح للشارع الآخر بأن يحدد لها ساعة التحرك.

كلمة أخيرة

سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين على الخريطة. هما جزء من ذاكرة سياسية وجغرافية عميقة في المغرب. وفي المقابل، فإن إسبانيا تعتبرهما جزءا من منظومتها السياسية والإقليمية، وتؤكد اليوم أن سيادتها عليهما غير قابلة للتفاوض. وهذا التعارض لن يحل بالصراخ. ولن يحل بالمظاهرات. ولن يحل بتبادل الاتهامات. سيحل، عندما تنضج الظروف، بالسياسة التي تملك من القوة ما يكفي لحماية مصالحها، ومن الحكمة ما يكفي لتجنب الحرب، ومن الصبر ما يكفي لانتظار اللحظة المناسبة. أما الشارع المغربي، فلا ينبغي أن ينجر إلى معركة يريد البعض تحويلها إلى مواجهة شعبية بين المغاربة والإسبان. فالمغرب ليس في حاجة إلى إثبات وطنيته كلما رفع متطرف إسباني علما. وليس في حاجة إلى الرد على كل خطاب استفزازي بخطاب أشد استفزازا. مغربية سبتة ومليلية موقف راسخ في الوعي الوطني المغربي. أما استرجاعهما، فهو قرار دولة. والفرق بين الموقف والقرار هو الفرق بين امتلاك قضية وامتلاك القدرة على تحقيقها. لذلك، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله المغرب اليوم هو أن يواصل بناء قوته، وتوسيع علاقاته، وترسيخ موقعه الدولي، والحفاظ على شراكاته، وترك باب الحوار مفتوحا. وعندما يأتي الوقت المناسب، لن يكون السؤال: هل يريد المغرب سبتة ومليلية؟ فهذا السؤال محسوم في الوعي المغربي. بل سيكون السؤال الحقيقي: هل أصبحت الظروف الدولية والإسبانية والمغربية ناضجة لفتح الصفحة التي لم تفتح بعد؟ وهنا تحديدا تظهر قيمة الدولة. فالدول الكبرى لا تطارد التاريخ. إنها تنتظر اللحظة التي يصبح فيها التاريخ مستعدا لأن يعمل لصالحها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *