القارب الذي انتهى إلى ساحل بورتسموث

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في الليل، حين تكون المدن أقلّ يقينا بنفسها، وحين تتحول أعمدة الإنارة إلى عيون صفراء معلقة فوق الشوارع، وصلت إلى بورتسموث قارب صغير يحمل نحو مائة وأربعين إنسانا. لم يصلوا في سفينة ترفع راية دولة، ولا في قطار، ولا عبر مطار ذي أبواب زجاجية؛ وصلوا من البحر، من ذلك الكائن القديم الذي لم يتعلم طوال تاريخه أن يعترف بالحدود التي يرسمها البشر على الخرائط. كان القارب قد خرج من منطقة غرب خليج السين في فرنسا، وسلك طريقا بحريا طويلا وغير مألوف انتهى به إلى ساحل بورتسموث، في رحلة وصفتها التقارير بأنها من أطول رحلات القوارب الصغيرة من هذا النوع، وأن الوصول إلى هذا الجزء من الساحل الإنجليزي نادر مقارنة بمناطق الإنزال التقليدية قرب دوفر. وقد نقلت قوارب تابعة لخدمات الإنقاذ البحري هؤلاء الأشخاص إلى بورتسموث، قبل أن تهيَّأ عملية نقلهم إلى مركز مانستون في كنت لإتمام إجراءات المعالجة. لكن القصة الحقيقية لم تبدأ عندما وصل القارب. بدأت عندما رآه الناس. ففي مكان ما من المدينة، كان الخوف يخرج من البيوت كما يخرج الدخان من مدفأة قديمة. مئات المحتجين تجمعوا في الليل، بعضهم يرتدي الأسود، وبعضهم يغطي وجهه، وقطعوا الطرق المؤدية من منطقة إيستني مارينا، في محاولة لمنع نقل المهاجرين إلى مركز المعالجة. تشكلت في الشوارع مواجهة متوترة مع الشرطة، وظهرت الدروع الواقية، وتجمعت الحافلات خلف خطوط الأمن، بينما ظل المحتجون يرددون شعارات تطالب بـ«إيقاف القوارب» وإعادة القادمين. واستمر التوتر حتى الساعات الأولى من صباح الإثنين، قبل أن تفرض الشرطة أمرا بالتفرق وتهدد المخالفين بالاعتقال. هكذا، في مدينة إنجليزية على البحر، أصبح البحر فجأة متهما.

وهذه إحدى مفارقات التاريخ الكبرى: المدن التي بنت ثروتها على الموانئ والسفن والتجارة والهجرة البحرية تستطيع، في لحظة خوف، أن تنظر إلى البحر لا باعتباره طريقا، بل باعتباره ثقبا في جدارها. بورتسموث ليست مجرد نقطة على الساحل. إنها مدينة بحرية، والبحر في مدن كهذه ليس منظرا طبيعيا فقط؛ إنه ذاكرة. سفن خرجت ولم تعد، سفن عادت محملة بالبضائع والأخبار والجنود، وأناس عبروا الماء بحثا عن عمل أو نجاة أو إمبراطورية أو وطن جديد. ولعل أكثر ما يثير السخرية التاريخية أن المدينة التي عاشت قرونا وهي تنظر إلى الخارج عبر الماء، وجدت نفسها في تلك الليلة تنظر إلى الماء بوصفه مصدرا للخطر. المفارقة لا تنتهي هنا. فالذين وصلوا لم يأتوا في موكب منتصر. لم يكن البحر ينتظرهم بالورود. كانوا في قارب صغير، في رحلة محفوفة بالمخاطر، يبحثون عن اليابسة كما يبحث الغريق عن إصبع يتشبث به. وبينما كان هؤلاء يبحثون عن مكان لا يغرقون فيه، كان آخرون على اليابسة يبحثون عن طريقة لمنعهم من النزول. بين الموجتين كان هناك سؤال واحد: من يملك الحق في الأرض؟

وهنا تبدأ المعضلة التي لا تستطيع الشرطة حلها، ولا القوانين وحدها، ولا الشعارات. الهجرة ليست مجرد حركة أجساد من نقطة إلى نقطة. إنها في جوهرها حركة اضطرارية للإنسان داخل التاريخ. حين يغادر شخص بيته، فهو لا يحمل حقيبة فقط؛ يحمل مقبرة أبيه، وصوت أمه، ورائحة الخبز في حارته، وصورة شارع لا يعرف إن كان سيراه مرة أخرى. يحمل لغة كاملة في رأسه، ثم يصل إلى مكان قد تصبح فيه لغته فجأة شيئا غريبا. المهاجر يعبر الحدود بجسده، لكنه في الحقيقة يعبر حدودا أكثر قسوة: من الأمان إلى الخوف، من الاسم إلى الرقم، من المواطن إلى «الوافد»، من الإنسان الذي كان يعرف أين ينتمي إلى الإنسان الذي يُطلب منه أولا أن يثبت لماذا يستحق أن يكون موجودا. ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية المهاجر وحده ستكون ناقصة أيضا. فالخوف الذي ظهر في بورتسموث ليس كله وهمًا، حتى وإن تحولت بعض أشكاله إلى عداء، وحتى وإن تجاوز بعض المحتجين حدود الاحتجاج السلمي. هناك مواطنون يرون الدولة عاجزة عن السيطرة على حدودها، ويشعرون بأن قرارات كبرى تتخذ بعيدًا عنهم، وأن أحياءهم ومدنهم أصبحت مسرحًا لنتائج سياسات لم يشاركوا في صياغتها. هناك قلق حول السكن، والخدمات العامة، والقدرة الاستيعابية، والأمن، وتكلفة اللجوء، ومستقبل الدولة نفسها. وهنا ينبغي أن يكون العقل أكثر شجاعة من الغضب: أن يعترف بأن القلق الشعبي يمكن أن يكون حقيقيا، من دون أن يسمح بتحويل الإنسان الهارب إلى كبش فداء. فالخوف من الهجرة شيء، وتحويل المهاجر إلى عدو مطلق شيء آخر.

وفي هذه المسافة الصغيرة بين الأمرين تسكن الحضارة. الحكومة البريطانية أدانت ما وصفته بالسلوك «الترهيبي والمشاغب»، لكنّها أكدت في الوقت نفسه أن حق الاحتجاج السلمي جزء أساسي من الديمقراطية، وأن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى فوضى. وفي بورتسموث اضطرت الشرطة إلى التعامل مع حشد كبير، بينما أشارت السلطات إلى الحاجة إلى دعم من قوات أخرى، في مؤشر على أن المسألة لم تعد مجرد تجمع محلي عابر. والأهم أن بورتسموث لم تكن حادثة منفردة. قبلها بيوم واحد، شهدت دوفر، المدينة المقابلة تقريبا لفرنسا عبر القناة، احتجاجا آخر؛ حيث قام مئات المحتجين، وبعضهم ملثمون ويرتدون الملابس السوداء، بإغلاق طرق تؤدي إلى الميناء، مرددين شعارات مناهضة للقوارب والمهاجرين، ما تسبب في تعطيل حركة المرور والوصول إلى أحد أهم الموانئ البريطانية. وهكذا بدا الأمر كأنه انتقال للغضب من ميناء إلى ميناء. دوفر قالت: لا نريد القوارب. وبورتسموث قالت: لا نريد أن تخرجوا من هنا. وبين المدينتين، بدت بريطانيا وكأنها ترسم خطا جديدا على الأرض، لا يفصلها عن فرنسا فحسب، بل يفصل مواطنيها أيضا عن سؤال أشد عمقا: ماذا تفعل أمة حين تشعر أن حدودها لم تعد جدارا؟ لقد أصبح القارب المطاطي، في المخيال السياسي الأوروبي، شيئا أكبر من حجمه. قطعة مطاط صغيرة تحمل عشرات البشر، لكنها في الخطاب العام تحمل معها كل مخاوف العصر: العولمة، انهيار الحدود، الحرب، الفقر، التهريب، اللجوء، الإسلاموفوبيا، صعود اليمين، فشل الحكومات، القلق من المستقبل، والحنين إلى زمن متخيل كانت فيه الدول أكثر صلابة. وهذا هو سر قوة الرمز. القارب صغير، لكن المعنى الذي أُسند إليه هائل. إنه مثل مرآة سوداء؛ كل طرف يرى فيه صورته. يرى المهاجر فيه آخر فرصة. ويرى المهرب فيه تجارة. ويرى السياسي فيه أزمة انتخابية. ويرى اليميني فيه اقتحامًا للحدود. ويرى رجل الشرطة فيه أزمة أمنية. ويرى الصحفي فيه خبرا عاجلا. ويرى الفيلسوف فيه السؤال القديم نفسه: إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يختار المكان الذي يولد فيه، وإلى أي حد يحق للدولة أن تقرر المكان الذي يموت فيه أو يعيش فيه؟

منذ أن كتب أرسطو عن المدينة والمواطن، ظل مفهوم الانتماء مرتبطًا بفكرة من هو «داخل» الجماعة ومن هو «خارجها». ومنذ أسوار المدن القديمة، كانت الحدود تقول شيئًا واحدًا: هنا نحن، وهناك الآخر. لكن التاريخ نفسه هو الذي يسخر من الحدود. الحضارات قامت على الهجرة. اللغات انتقلت مع الجيوش والتجار والعبيد والرحالة. الأديان عبرت الصحارى والبحار. العلوم سافرت من بغداد إلى قرطبة، ومن الإسكندرية إلى روما، ومن الأندلس إلى أوروبا. والمدن الكبرى التي تتباهى اليوم بهويتها الوطنية هي في الغالب مقابر هائلة للهويات القديمة التي ذابت فيها. لا توجد أمة نقية بالمعنى الذي يتخيله خطاب الكراهية. هناك أمم متراكمة. طبقات فوق طبقات. غزاة ومهاجرون ولاجئون وتجار وعبيد وجنود وأزواج وزوجات وأطفال ومغامرون ومنفيون. التاريخ لا يبني البيوت من حجر واحد. إنه يبنيها من بقايا البيوت التي هدمها قبله. لكن ذلك لا يعني أن الحدود يجب أن تُلغى، أو أن الدولة لا حق لها في تنظيم الهجرة، أو أن عبور القنوات البحرية بالقوارب الصغيرة يمكن أن يصبح نظاما طبيعيا. على العكس، الدولة التي لا تضبط حدودها ولا تنظم اللجوء ولا تواجه شبكات التهريب تدفع الناس إلى طرق أخطر، وتترك المهاجرين في يد المهربين، وتحوّل البحر إلى مقبرة محتملة. المفارقة أن تشديد الحدود وحده لا ينهي الهجرة. فالإنسان الذي لا يستطيع العبور قانونيا لا يصبح بالضرورة أقل رغبة في العبور. قد يصبح فقط أكثر استعدادا للمخاطرة.

وهنا تكمن مأساة القوارب الصغيرة: إنها ليست مجرد وسيلة نقل؛ إنها نتيجة لسوق سوداء ينشأ عندما يصبح الطلب على الوصول أكبر من قدرة الطرق القانونية على استيعابه. وحين تغلق الدول الباب، لا تختفي الحاجة إلى الباب. ينتقل الناس إلى النوافذ. ثم إلى الأسطح. ثم إلى البحر. والبحر لا يسأل عن جواز السفر. البحر لا يعرف اللجوء السياسي. الموجة لا تميز بين بريطاني وسوري وإريتري وأفغاني. الماء ديمقراطي بطريقة مرعبة: الجميع يغرقون بالطريقة نفسها. لهذا فإن المشهد الذي وقع في بورتسموث ينبغي ألا يُقرأ فقط بوصفه مواجهة بين «سكان غاضبين» و«مهاجرين قادمين». إنه مشهد أكبر: دولة تحاول استعادة السيطرة على حدودها، بشر يحاولون عبور حدود الحياة، شبكات تهريب تستثمر في اليأس، مجتمع محلي يخشى تغير واقعه، ويمين سياسي يعرف أن الخوف مادة انتخابية شديدة الاشتعال. والأكثر إثارة للتأمل أن عدد القادمين عبر القوارب الصغيرة في بريطانيا كان، بحسب أرقام حكومية نقلتها تقارير حديثة، أقل بأكثر من 40 في المئة خلال الفترة من يناير إلى بداية سبتمبر مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. أي أن الاحتجاج جاء في وقت كانت فيه الأرقام نفسها تسير في الاتجاه الذي يطالب به المحتجون: الانخفاض. وهنا تظهر واحدة من أعقد آليات السياسة الحديثة: الغضب لا يقيس الواقع دائما؛ أحيانا يقيس الإحساس بالواقع. قد تنخفض الأرقام، لكن إذا بقي الشعور بأن «الأمور تخرج عن السيطرة»، فإن الانخفاض الإحصائي لا يكفي لإقناع الناس.

الخوف لا يقرأ الجداول. الخوف يقرأ الصور. صورة قارب. صورة حافلة. صورة شرطي. صورة رجل غريب. ثم يبني منها قصة كاملة. وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن تخيف الديمقراطية أكثر من القارب نفسه: حين تصبح الصورة أقوى من الحقيقة، والشعار أقوى من الرقم، والوجه الغريب أقوى من الإنسان الذي وراءه. من السهل أن تقول: «أوقفوا القوارب». لكن ماذا تفعل بعد إيقافها؟ هل توقف الحروب؟ هل توقف الفقر؟ هل توقف شبكات التهريب؟ هل تعيد بناء البلدان التي خرج منها هؤلاء؟ هل تنشئ ممرات قانونية كافية؟ هل تعيد تعريف نظام اللجوء؟ هل تتفق الدول الأوروبية على توزيع المسؤولية؟ هل تمنع موت البحر؟ إن لم تفعل، فإن القارب سيعود، ربما من نقطة أخرى. وهذا ما يجعل وصول القارب إلى بورتسموث مهمًا استراتيجيا؛ لأنه يشير إلى احتمال تغير تكتيكات المهربين ومسارات العبور، وإلى أن الاعتماد على مراقبة نقاط الإنزال التقليدية قد لا يكون كافيا. وقد أثار وصول القارب إلى هذا الجزء من الساحل تساؤلات محلية حول ما إذا كان المهربون يستكشفون مسارات جديدة. إن الحدود الحديثة تشبه جلدا حيا: إذا ضغطت عليه في مكان، انتفخ في مكان آخر.

وهكذا، فإن الحرب ضد الهجرة غير النظامية ليست حربا يمكن الانتصار فيها بالشعارات وحدها. إنها تحتاج إلى سياسة. والسياسة، حين تكون جادة، مملة أحيانا: اتفاقات مع فرنسا، مراقبة شبكات التهريب، معالجة طلبات اللجوء بسرعة، إعادة من لا يحق له البقاء وفق القانون، فتح قنوات قانونية حيث يكون ذلك ممكنا، استثمار في المدن التي تستقبل الوافدين، ومساعدة البلدان التي تدفع أبناءها إلى البحر. لكن الإنسان الحديث يحب الحلول السريعة. ولهذا يحب القارب أن يكون مذنبا. القارب لا يتكلم. المهاجر يتكلم، ولذلك يمكن تجاهله. أما القارب، فيمكن تصويره. يمكن وضعه في عنوان. يمكن جعله رمزا. يمكن أن يتحول إلى عدو مثالي. لكن لا ينبغي أن ننسى الحقيقة البدائية التي تسبق كل الأيديولوجيات: قبل أن يكون المهاجر «ملف لجوء»، كان إنسانا؛ وقبل أن يكون المحتج «عنصريا» أو «يمينيا»، كان مواطنا يشعر بالخوف أو الغضب أو فقدان السيطرة؛ وقبل أن تكون الدولة «آلة قمع»، كانت أيضًا جماعة بشرية تحاول حماية نظامها وحدودها. العقل لا يبدأ عندما نختار طرفا. العقل يبدأ عندما نستطيع رؤية الطرفين دون أن نفقد إنسانيتنا. في بورتسموث، لم تكن الشرطة تحرس المهاجرين وحدهم، كما قد يبدو لأول وهلة؛ كانت تحرس أيضا فكرة أعمق: أن الدولة هي التي تدير حدودها، لا الحشود. وهذا فارق جوهري. إذا كان لكل مجموعة غاضبة الحق في إيقاف الحافلات، أو احتجاز الطرق، أو منع الدولة من تنفيذ إجراءاتها، فإن الدولة لا تعود دولة؛ تصبح ساحة تتنازعها الجماعات. الديمقراطية لا تعني أن الأكثر غضبا يملك الشارع. تعني أن القانون يحمي حق الغضب، لكنه لا يسمح للغضب بأن يصبح قانونا.

ولهذا فإن ما حدث في بورتسموث يحمل مفارقة مؤلمة: المحتجون قالوا إنهم يدافعون عن بلدهم، لكن بعض صور الاحتجاج نفسها بدت وكأنها تصنع المشهد الذي يخشونه؛ فحين يرتدي الغاضب قناعا، ويغلق الطريق، ويواجه الشرطة، ويمنع حركة الناس، يصبح السؤال: من الذي يحمي المدينة ممن؟ ثم هناك ذلك المشهد البديع في غرابته: البحر خلف الشرطة، والشرطة خلف الدروع، والحافلات تنتظر، والرجال المقنعون في الأمام، وفي مكان ما وراء كل ذلك مائة وأربعون إنسانا ينتظرون مصيرهم. كأن الحضارة كلها تجمعت في شارع ضيق. من جهة: أناس يريدون أن يبقى الباب مغلقا. ومن جهة أخرى: أناس قطعوا آلاف الكيلومترات النفسية قبل أن يطرقوا الباب. وفي الوسط: شرطي يحمل درعا. ما أغرب التاريخ. أحيانا تختصر قرون الفلسفة في درع شرطي. وأحيانا تختصر مأساة إنسان في قارب مطاطي. وأحيانا تختصر أزمة دولة في شارع مغلق. قال القدماء إن الإنسان حيوان سياسي، لكنهم ربما لم يتخيلوا أنه سيصبح أيضا حيوانا حدوديا؛ يعرّف نفسه بما يسمح للآخرين بالدخول إليه، وبما يمنعهم من الدخول. ومنذ سور الصين إلى جدار برلين، ومن أسوار القلاع إلى الأسلاك الحديثة، ظل الإنسان يبني الحواجز ثم يكتشف أن الحاجز لا يستطيع منع التاريخ. يساعده أحيانا على تأخير التاريخ فقط.

والهجرة، في النهاية، ليست ظاهرة اخترعها المهاجرون. إنها واحدة من أقدم حركات الإنسان. الإنسان الأول نفسه كان مهاجرا. خرج من مكان إلى آخر. تبع الماء. تبع الحيوان. هرب من الجفاف. هرب من الحرب. بحث عن أرض. بحث عن خبز. ثم، بعد آلاف السنين، رسم أبناء ذلك المهاجر الأول خطوطا على الخرائط وقالوا: هنا يمكنك أن تكون إنسانا، وهناك عليك أن تثبت أولا أنك تستحق الإنسانية. هذه هي المفارقة التي ينبغي ألا تضيع وسط ما حدث في بورتسموث. نعم، للدولة الحق في الحدود. نعم، للمواطن الحق في الأمن. نعم، للمجتمع الحق في معرفة من يدخل إليه وكيف يدخل ولماذا. ونعم، من حق الناس أن يحتجوا على سياسة حكومتهم. لكن للمهاجر أيضا حق في أن يُعامل كإنسان، ولطالب اللجوء حق في أن يُنظر في قضيته وفق القانون، وللدولة واجب ألا تسمح للغضب الشعبي بأن يتحول إلى محكمة شارع. أما البحر، فيبقى هناك. هادئا في النهار. أسود في الليل. لا يحمل ذاكرة الدول. ولا يهتم بشعاراتها.

وفي كل مرة تعبر فيه قوارب صغيرة، يبدو كأن التاريخ يرسل إلى أوروبا رسالة قديمة جدا، لكنها لم تجد بعد من يجيب عنها: لماذا يهرب الإنسان من وطنه؟ ولماذا تخاف الأوطان من الإنسان الهارب؟ ربما لأن الهجرة تضع المرآة أمام العالم. فالذين يصلون في القوارب يحملون في أجسادهم أسئلة البلدان التي خرجوا منها، ويحمل الذين ينتظرونهم على الشاطئ أسئلة البلدان التي وصلوا إليها. وإذا كان هناك درس واحد يمكن أن يخرج به العالم من ليل بورتسموث، فهو أن المشكلة ليست في القارب وحده، ولا في المهاجر وحده، ولا في المحتج وحده. المشكلة في عالم صنع حروبا لاجئين، واقتصادات تدفع الملايين إلى الرحيل، وحدودا شديدة الصلابة، وطرقا قانونية لا تكفي، وشبكات تهريب تعرف كيف تحول اليأس إلى تجارة، وسياسة تعرف كيف تحول الخوف إلى أصوات انتخابية.أما الإنسان، المسكين، فيظل بين كل هذه الآلات يمشي. يمشي حتى تنفد منه الطرق. ثم يجد البحر. وعندما يجد البحر، يصبح السؤال الأخير بسيطا ومخيفا: هل اليابسة التي في الجهة الأخرى وطن محتمل، أم جدار آخر لا يراه إلا بعد أن يصل؟ في بورتسموث، لم يصل مائة وأربعون إنسانا فقط. وصلت معهم حكاية البشرية كلها: الخوف من الغريب، الحنين إلى الأمان، الرغبة في الانتماء، وحلم الإنسان القديم بأن يجد قطعة من الأرض يستطيع أن يقول فوقها، دون أن يطلب إذنا من أحد: هنا لن أغرق.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *