361 طفلا، وجريمة لم تحتج إلى باب كي تدخل

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في فنلندا، البلد الذي يبدو في الصور كأنه اخترع الصمت، كانت هناك جريمة تصرخ داخل جهاز صغير. لم يكن الرجل في زقاق مظلم، ولا في قبو رطب، ولا يقترب من مدرسة في ساعة الغروب كما في الحكايات البوليسية القديمة. كان هناك، في المكان الذي دخلناه جميعا تقريبا من دون أن نشعر: شاشة مضيئة، تطبيق اجتماعي، حساب مجهول، رسالة تصل في اللحظة التي يكون فيها الطفل وحيدا في غرفته. وهنا تكمن غرابة الجريمة الحديثة: لم تعد تحتاج إلى باب كي تدخل منه. يكفيها إشعار صغير. في 7 سبتمبر 2026، بدأت أمام محكمة بيركانما في تامبيري محاكمة رجل فنلندي يبلغ 28 عاما، متهم بارتكاب جرائم جنسية عبر الأنترنت ضد 361 طفلا تتراوح أعمارهم بين 9 و15 عاما، خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2022. وتقول النيابة إن التهم تشمل الاعتداء الجنسي المشدد على الأطفال، والاعتداء الجنسي على الأطفال، والنشر المشدد لصور ذات طابع جنسي تصور قاصرين. وقد أُحيلت القضية إلى نحو 45 جلسة، ومن المتوقع أن يستمر نظرها على الأقل حتى نهاية العام.

لكن الرقم 361، على ضخامته، ليس بالضرورة نهاية الحكاية. فالشرطة الفنلندية قالت إنها اشتبهت في أن عدد الضحايا المحتملين قد يصل إلى نحو 900 طفل، وإنها لم تتمكن من تحديد هوية الجميع. وقد احتاج المحققون إلى نحو عامين لتحديد الضحايا الذين أمكن الوصول إليهم من مناطق مختلفة في البلاد، من هلسنكي إلى لابلاند. وهنا يتوقف العقل قليلا أمام الرقم 361. إنه رقم يصلح لأن يكون عدد مقاعد ملعب صغير، أو عدد شقق في بناية ضخمة، أو عدد صفحات كتاب شديد السُمك. لكنه هنا عدد أطفال. أطفال لهم أسماء. وأمهات. وآباء. ومقاعد في المدارس. وأصدقاء. وخوف ربما لم يعرفوا كيف يسمونه في ذلك الوقت. وهذا هو أول خطأ ترتكبه الأرقام: إنها تجعل البشر متشابهين. لكن الجريمة الحقيقية تبدأ حين نعيد إلى الرقم وجهه. 361 وجها . 361 طفولة. 361 غرفة. 361 هاتفا ربما أضاء في منتصف الليل. 361 قصة لا يجوز أن تختصر في عنوان صحفي. والأكثر رعبا أن الجريمة، بحسب التحقيقات، لم تكن تحتاج إلى لقاءات في الشارع. فقد وقع الاستغلال رقميا، وكان المتهم، وفق الشرطة والإعلام الفنلندي، ينتحل هوية امرأة على Snapchat لاستدراج الأطفال إلى التفاعل معه.

هنا، لو كان الجاحظ حاضرا، لربما أمسك بقلمه ثم تركه. فماذا كان سيكتب عن رجل اكتشف أن بإمكانه أن يصنع وجها لا يملكه، وجنسا لا يمثله، وصوتا لا ينتمي إليه، ثم يمد هذا القناع عبر آلاف الكيلومترات ليجلس في غرفة طفل؟ ربما كان سيقول إن الإنسان اخترع القناع قديما ليخفي وجهه، ثم جاء العصر الرقمي واخترع له أقنعة لا تنتهي. لكن قناع المسرح كان ينتهي عندما ينتهي العرض. أما القناع الرقمي فيستطيع أن يعيش في هاتف آخر. المثير في هذه القضية ليس فقط السؤال: كيف فعل ذلك؟ بل السؤال الأكثر أهمية: كيف استطاع أن يفعل ذلك طويلا من دون أن يراه أحد؟ وهنا يجب أن ننتبه إلى شيء بالغ الأهمية: الجرائم الرقمية لا تعمل دائما بالطريقة التي تتخيلها العائلة. فالخطر لا يأتي دائما كغريب يقف أمام باب المنزل. أحيانا يأتي في هيئة شخص «لطيف». حساب بلا تاريخ. صورة شخصية عادية. رسالة تبدو بريئة. حديث يتطور تدريجيا. ثقة تُبنى.ثم حدود تُدفع قليلا إلى الخلف. ثم قليلا. ثم أكثر. وهذه إحدى الحيل الأساسية التي تجعل الاستدراج الرقمي بالغ الخطورة: الشر لا يعلن نفسه دائما عندما يصل. إنه لا يقول: «مرحبا، أنا الخطر.» قد يقول فقط: «مرحبا.» وهذه الكلمة الصغيرة هي التي ينبغي أن تعيد الأسرة والمدرسة والمنصات والشرطة النظر في معنى الحماية في العصر الرقمي. فالأطفال لم يعودوا يذهبون فقط إلى الأماكن التي يختارها الكبار. لقد صاروا يحملون الأماكن معهم. المدرسة في الهاتف. الساحة في الهاتف. الأصدقاء في الهاتف. الغريب في الهاتف. والبيت نفسه أصبح، في بعض الأحيان، غرفة مفتوحة على العالم كله. وهنا تكمن المفارقة التي لم تكن موجودة في زمن الجاحظ: كان الطفل قديما يستطيع أن يعود إلى البيت ويغلق الباب. أما اليوم فقد يعود إلى البيت، ويغلق باب غرفته، ثم يفتح العالم كلّه على الشاشة.

تقول الشرطة إن آلاف الصور ومقاطع الفيديو غير المعروفة الهوية عُثر عليها في هاتف الرجل عام 2022، عندما صادرت الشرطة الهاتف في إطار قضية جنائية أخرى. ومن خلال ذلك الاكتشاف بدأت الخيوط التي قادت إلى التحقيق الأوسع. وهذه واحدة من أكثر المفارقات قتامة في القضية: الجريمة الكبيرة ظهرت من داخل جريمة أخرى. كأن بابا فتح بابا. وكأن الهاتف الذي كان ينبغي أن يكون مجرد قطعة إلكترونية أصبح فجأة أرشيفا أسود يكشف اتساع المتاهة. وفي عام 2023، أُدين الرجل في قضية سابقة تتعلق باستغلال جنسي لقاصر، وهي القضية التي قادت إلى اكتشاف المواد الموجودة في هاتفه وفتح الطريق أمام التحقيق الأوسع. وتفيد تقارير فنلندية بأنه حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في تلك القضية السابقة. وهنا يظهر سؤال أشد قسوة من سؤال التكنولوجيا: ماذا تفعل المؤسسات عندما يظهر إنذار مبكر؟ هل تنظر إليه باعتباره حادثة منفردة؟ أم تسأل: هل وراء هذه الحادثة نمط أكبر؟ هل تملك الشرطة الأدوات الكافية؟ هل تملك المنصات القدرة على كشف السلوكيات المنحرفة قبل أن تتحول إلى شبكة ضحايا؟ هل تعرف العائلة ماذا تبحث عنه؟ هل يعرف الطفل أصلا أن ما يحدث له ليس «صداقة غريبة»، بل استغلال؟ هذه ليست أسئلة اتهام سهلة، ولا يجوز اختزالها في عبارة من نوع «أين كان الأهل؟». فالأهل لا يستطيعون أن يكونوا خلف الطفل في كل ثانية. والشرطة لا تستطيع أن تراقب كل رسالة في العالم. والمدرسة ليست جهاز استخبارات. والمنصة الرقمية ليست أبا وأما. لكن المجتمع كله مسؤول عن تصميم بيئة تجعل اكتشاف الخطر أسرع من انتشار الخطر.

ربما هذه هي الجريمة التي صنعتها التكنولوجيا من دون أن تخترعها. فالأنترنت لم يخترع المفترس. لكنه منحه شيئا لم يكن يملكه بهذه القوة: القدرة على التعدد. في العالم القديم، كان المعتدي يحتاج إلى وقت، ومسافة، ومواجهة، وحركة، ومكان. أما في العالم الرقمي، يستطيع الشخص نفسه أن يرسل رسالة إلى عشرات الأشخاص، ثم مئات، ثم يترك خلفه أثرا لا يشبه حجم الجهد الذي بذله. وهذا يغيّر اقتصاد الجريمة. لم يعد الأمر علاقة بين شخصين فقط. يمكن أن يصبح نموذجا قابلا للتكرار. وهذه الكلمة، «التكرار»، مخيفة هنا أكثر من كلمة «السرعة». لأن التكرار يحول الانحراف الفردي إلى نمط. والنمط إلى شبكة. والشبكة إلى عدد. والعدد إلى ظاهرة اجتماعية. ولهذا فإن القضية الفنلندية ليست قصة «رجل سيئ» فقط. إنها قصة نظام بيئي كامل من الثقة الرقمية، والهوية المجهولة، وقابلية التواصل السريع، وضعف معرفة الأطفال بالمخاطر، وصعوبة اكتشاف السلوك الإجرامي قبل أن يتسع. وهذا لا يعني أن التطبيق نفسه مسؤول عن الجرائم المنسوبة إلى المتهم؛ بل يعني أن تصميم البيئة الرقمية يمكن أن يؤثر في مقدار سهولة إخفاء السلوك الضار واكتشافه.

وهنا تدخل الفلسفة من الباب الذي لا تحبه الصحافة عادة. ما هي الهوية؟ الرجل الذي انتحل شخصية امرأة على الشاشة، هل كان يكذب فقط بشأن صورته؟ أم أنه اكتشف أن الهوية في العصر الرقمي أصبحت قابلة للبناء مثل مسرحية؟ الفيلسوف ديكارت قال: «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» أما الهاتف الحديث فيقول شيئا أكثر غرابة: أنا أظهر، إذن أنا موجود. يمكن أن تكون شخصا لا يعرفه أحد. يمكن أن تمنح نفسك اسما آخر. وجها آخر. عمرا آخر. جنسا آخر. حياة أخرى. ثم تدخل إلى عقل شخص صغير لم يتعلم بعد أن الصورة يمكن أن تكذب. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي عميقا: إذا كان الطفل يعتقد أن الشخص أمامه هو شخص آخر، فمن المسؤول عن انهيار هذا الوهم؟ بالطبع، المسؤولية الجنائية تقع على من ارتكب الفعل، إذا ثبتت التهم أمام القضاء. لكن المسؤولية المجتمعية أوسع. إنها مسؤولية تصميم عالم لا يكون فيه الخداع أسهل من الحقيقة. وفي هذه القضية تحديدا، هناك تفصيل بالغ الدلالة: كثير من الأطفال، بحسب الشرطة، كانوا يعتقدون أن الصور ومقاطع الفيديو التي يرسلونها عبر Snapchat ستختفي تلقائياً بعد فترة قصيرة. وهنا نجد واحدة من أكبر أساطير العصر الرقمي: ما يختفي من الشاشة لا يعني أنه اختفى من العالم. اختفاء الرسالة من واجهة المستخدم لا يعني اختفاءها من الوجود. هناك جهاز آخر. هناك لقطة شاشة. هناك تسجيل. هناك نسخ احتياطية. هناك حسابات. هناك ذاكرة رقمية. هناك شخص آخر يستطيع أن يحفظ ما ظننت أنه سيختفي. لقد اخترع الإنسان في الماضي محو الكتاب. أما الأنترنت فقد اخترع ذاكرة لا تنام. وهذه الذاكرة قد تكون نعمة عندما تحفظ التاريخ، وقد تصبح كابوسا عندما تحفظ ما كان ينبغي ألا يتحول إلى مادة للتداول أصلا.

ومن هنا يجب أن نكون واضحين جدا: لا ينبغي تحويل ضحايا هذه القضية إلى مادة للفضول. لا نحتاج إلى وصف ما طُلب منهم تفصيليا. ولا إلى إعادة إنتاج المواد التي صادرتها الشرطة. ولا إلى معرفة كل تفصيل من تفاصيل الإذلال. لأن الصحافة حين تعيد نشر تفاصيل الاعتداء بلا ضرورة قد تتحول، من حيث لا تريد، إلى امتداد للمشكلة. هناك فرق بين شرح الجريمة وإعادة توزيع أثرها. الأول يخدم المجتمع. الثاني قد يخدم الجريمة مرة ثانية. وهذا درس أخلاقي مهم في عصر الإنترنت: ليس كل ما نملك القدرة على نشره نملك الحق في نشره. أما السؤال «كيف لم تكتشف الأسرة؟» فهو سؤال يحتاج إلى شيء من التواضع. لأن الطفل قد يخاف. وقد يخجل. وقد يظن أنه ارتكب خطأ. وقد يعتقد أن الشخص الآخر يعرف شيئا عنه. وقد يخشى أن يُعاقب إذا أخبر أهله. وقد لا يدرك أصلا أنه ضحية. وهنا تكون قوة المستغل ليست في القوة الجسدية، بل في صناعة الصمت. إنه لا يحتاج إلى قفل الباب إذا استطاع أن يجعل الضحية تخشى فتحه. وهذه فكرة يعرفها علماء النفس والاجتماع منذ زمن: السيطرة ليست دائما قوة تُمارس من الخارج؛ أحيانا تصبح صوتا داخل الضحية نفسها. وهنا يصبح الصمت جزءا من الجريمة. لا لأن الصامت مذنب. بل لأن المعتدي نجح في جعل الكلام يبدو أخطر من السكوت.

والمدهش في القضية أن الضحايا كانوا موزعين على مناطق واسعة من فنلندا. تقول الشرطة إنهم من أنحاء البلاد، من لابلاند إلى هلسنكي. فكروا في هذه المفارقة. بلد واسع وبارد. مسافات طويلة. غابات وبحيرات وثلوج. مدن متباعدة. ثم شخص واحد أمام شاشة. والشبكة الرقمية تلغي المسافة. الطفل في الشمال. والرجل أمام شاشة في مكان آخر. ولا يحتاج الجاني إلى سيارة. ولا إلى طائرة. ولا إلى جواز سفر. إنها واحدة من مفارقات العولمة السوداء: الإنسانية استخدمت التكنولوجيا لكي تقرّب البشر، والجريمة اكتشفت أنها تستطيع استخدام القرب نفسه لتتجاوز الحدود. لقد اختصر الإنترنت العالم. ولم يسأل العالم: هل اختصرنا المسافة بين الخير والشر أيضا؟ في الموروث الشعبي، هناك مثل يقول: «الباب الذي يأتيك منه الريح سده واستريح.» لكن المشكلة أن الباب القديم كان معروفا. أما اليوم فهناك آلاف الأبواب في جيب الطفل. وكل واحد منها يمكن أن يحمل اسما مختلفا. لهذا لم تعد التربية الرقمية رفاهية. لم يعد كافيا أن نقول للطفل: «لا تتحدث مع الغرباء.» فالطفل لا يعرف أحيانا أن الغريب هو غريب. قد يبدو في مثل عمره. قد يستخدم لغة يعرفها. قد يقول الأشياء التي يريد الطفل سماعها. قد يقدم نفسه كشخص آخر. وقد يبدأ الحديث بلا أي شيء مثير للشك. التربية الجديدة يجب أن تعلّم الأطفال شيئا أعمق: لا تثق في الهوية الرقمية لمجرد أنها تبدو مألوفة. ولا ترسل صورة لأن شخصا ضغط عليك. ولا تحافظ على سر يطلب منك شخص بالغ أن تخفيه عن والديك. ولا تخف من إخبار شخص موثوق إذا شعرت أن شيئا ما غير صحيح. وهذه ليست دروسا في الخوف. إنها دروس في الحدود.

وفي المقابل، لا يكفي أن نحمّل الأطفال وحدهم مسؤولية النجاة. فالطفل ليس مهندس أمن إلكتروني. إنه طفل. وهذه الكلمة يجب أن تكون كاملة. المسؤولية موزعة بين الأسرة والمدرسة والمنصات والشرطة والمشرّعين والمجتمع. على المنصات أن تطور آليات أفضل لرصد أنماط الاستغلال. وعلى السلطات أن تملك أدوات تحقيق متطورة وسريعة. وعلى المدارس أن تدمج التربية الرقمية والجنسانية الوقائية المناسبة للعمر في التعليم. وعلى الأسر أن تجعل الحديث عن الإنترنت ممكنا من دون تحويله إلى محكمة. وعلى المجتمع أن يتعلم ألا يسخر من الطفل الذي يقع ضحية. لأن السخرية من الضحية هي هدية ثانية للمعتدي. ولعل أكثر ما يدعو إلى التفكير أن الرجل، وفق المعلومات المنشورة، لم يبدأ من فراغ كامل. كانت له سابقة جنائية مرتبطة باستغلال قاصر، وقد قادت القضية السابقة إلى اكتشاف مواد هائلة في هاتفه. وهنا تعود الدولة إلى السؤال الأبدي: هل تكفي العقوبة إذا لم تمنع الجريمة التالية؟ العقوبة ضرورية. لكنها ليست دائما كافية. فالمجتمع لا يريد فقط أن يعاقب بعد وقوع الكارثة. يريد أن يعرف كيف كانت الكارثة تكبر. كيف تراكمت الإشارات. كيف يمكن تحسين التعاون بين الشرطة والمنصات والمؤسسات التعليمية. كيف يمكن اكتشاف السلوكيات التي تنبئ بخطر على الأطفال. كيف يمكن حماية الأطفال من دون بناء مجتمع يعيش في حالة مراقبة شاملة. وهنا المعضلة الفلسفية الحديثة: نحن نريد الخصوصية. ونريد الأمن. نريد حرية الإنترنت. ونريد حماية الأطفال. ونريد منصات مفتوحة. ونريد في الوقت نفسه أن تكون قادرة على اكتشاف الجريمة. كل هذه الأشياء مشروعة. لكنها لا تجتمع تلقائيا. إنها تحتاج إلى قوانين دقيقة، وتكنولوجيا مسؤولة، ورقابة قضائية، ومؤسسات قادرة على العمل معا.

لو كتب الجاحظ اليوم عن هذا الرجل، لربما لم يسمّه «رجل الهاتف». بل ربما سماه «صاحب الوجه الذي لا وجه له». كان الجاحظ يعرف أن الإنسان يختبئ خلف اللغة. أما عصرنا فقد أعطاه آلاف الوجوه الافتراضية. كان المحتال القديم يغيّر صوته. أما المحتال الحديث فيغيّر هويته. كان المخادع القديم يحتاج إلى جمهور. أما اليوم فيحتاج إلى حساب. كان الكذاب قديما يموت كذبه عندما ينكشف وجهه. أما اليوم فقد يبقى الكذب محفوظا في الخوادم. وهنا يبدو أن التكنولوجيا لم تغير طبيعة الإنسان بقدر ما غيرت مدى قدرته على تمديد أفعاله. فالشر القديم حصل على أدوات جديدة. وهذه الجملة وحدها تكفي لتفسير جزء من مآسي القرن الحادي والعشرين. لكن ثمة شيء آخر لا ينبغي أن ننساه وسط الرعب: الأطفال ليسوا «ضحايا 361» فقط. إنهم أشخاص يمكن أن يتعافوا. قد يحملون آثار التجربة سنوات. وقد يحتاجون إلى دعم نفسي وقانوني وأسري طويل الأمد. وقد يرفض بعضهم الحديث. وقد يحتاج آخرون إلى الكلام. ولا توجد وصفة واحدة للجميع. لكن أول خطوة في العدالة هي ألا نطلب من الطفل أن يحمل عاراً ليس له. العار يجب أن يعود إلى صاحبه. والجريمة يجب أن تبقى باسم مرتكبها. أما الطفل، فيجب أن يعود إلى اسمه. إلى مدرسته. إلى أصدقائه. إلى حياته. إلى حقه في أن يكبر من دون أن يشعر بأن خطأ شخص آخر أصبح هويته.

لقد اعتادت البشرية أن تخاف من الوحش الذي يخرج من الغابة. لكن الوحش الحديث لا يحتاج إلى غابة. قد يجلس في غرفة مضاءة. قد يرتدي ملابس عادية. قد يبدو في الصورة بلا ملامح استثنائية. وقد لا يسمع الجيران شيئا. وهذا تحديدا ما يجعل الجرائم الرقمية مرعبة. إنها لا تصنع ضجيجا يسبقها. إنها تتحرك في الصمت. لكن الصمت ليس دليلا على غياب الجريمة. أحيانا يكون الصمت هو المكان الذي تختبئ فيه. لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء المحاكمة ليس فقط: كم سنة سيقضيها المتهم إذا أُدين؟ بل: ماذا تعلمت فنلندا، وماذا تعلم العالم؟ هل سنجعل الأطفال أكثر قدرة على طلب النجدة؟ هل ستصبح المنصات أكثر مسؤولية؟ هل ستصبح الشرطة أسرع في الربط بين القضايا؟ هل ستصبح الأسرة أقل خوفا من الحديث؟ هل ستفهم المدارس أن الهاتف لم يعد أداة خارج العملية التربوية، بل صار جزءا من حياة الطفل نفسها؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يتحول بعض الألم إلى معرفة. أما إذا انتهت المحاكمة، وأُغلقت الملفات، وعاد الجميع إلى هواتفهم كما لو أن شيئاً لم يحدث، فستكون الجريمة قد ربحت جولة أخرى.

هناك صورة تستحق أن تبقى في الذهن، لا صورة الرجل. بل صورة هاتف صغير في يد طفل. شاشة مضيئة في غرفة مظلمة. نافذة زرقاء صغيرة على عالم هائل. ومن الناحية الأخرى شخص يعتقد أنه يستطيع أن يختبئ إلى الأبد خلف اسم ليس اسمه. لكن التاريخ، مهما تأخر، لديه عادة سيئة بالنسبة إلى الأقنعة: يخلعها. واليوم يقف هذا الرجل أمام القضاء. 361 قضية.45 يوما تقريباً من الجلسات. سنوات من التحقيق. مئات الأطفال. وربما مئات آخرون لم تستطع الشرطة تحديد هوياتهم. وفي الخارج، يستمر العالم في التمرير بإصبعه على الشاشة، كأن الأخبار نفسها صارت صورا. لكن هذه ليست قصة عابرة. إنّها تحذير حضاري. لقد نقلنا جزءا من طفولة أطفالنا إلى الإنترنت، ثم تركنا الإنترنت يتعلم كيف يعيش بينهم قبل أن نتعلم نحن كيف نحميهم فيه. وربما كان الجاحظ، لو رأى ذلك، سيغلق كتابه ويقول: لقد كنتم تخافون قديما من الرجل الذي يطرق الباب. ثم اخترعتم عالما لا يحتاج فيه الرجل إلى طرق الباب. يكفي أن يعرف كلمة السر. ثم يسكت قليلا. ويضيف: أما الطفل، فلا يحتاج إلى عالم مثالي؛ يحتاج فقط إلى عالم يعرف أن براءته ليست ثغرة أمنية.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “361 طفلا، وجريمة لم تحتج إلى باب كي تدخل

  1. من شظابالزمن الرقمي، زمن
    اللا- شيء l’achose، زمن رقمنة العلاقات وأشياء القلب والغريزة والوحدان والحاجة والرغبة، أو أشياء الجسد. لا غرابة هنا، إنه عصر التقنية وقد امتسحت مختلف مناحي الحياة….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *