بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة كذبة صغيرة، مهذّبة، ترتدي بدلة ثقافية وتدخل كل مساء إلى الصالونات الأدبية من الباب الأمامي، وتجلس إلى جوار المثقّفين، وتضع ساقا فوق ساق، ثم تقول بصوت خفيض يشبه صوت موظف أرشيف: ينبغي أن نتحاور. ولا أحد يسألها: مع من؟ ولا أحد يجرؤ على تفتيش جيوبها ليرى ماذا تحمل في داخلها. ربما تحمل مصباحا. وربما تحمل سكّينا. وربما، وهذا هو الاحتمال الأكثر رعبا، لا تحمل شيئا على الإطلاق. لأنّ الحوار بين المثقفين، في صورته التي صارت مألوفة في زماننا، قد يكون أحيانا واحدا من أكثر الأسماء أناقة للفراغ. يجلس اثنان أو خمسة أو عشرون حول طاولة، يتبادلون الجمل التي سبق أن قيلت، ويهزون رؤوسهم في اللحظة المناسبة، ويستعملون الكلمات نفسها التي تستعملها الصحف والمهرجانات والندوات: «المشهد الثقافي»،«الراهن»، «الأسئلة الكبرى»، «التحولات الجمالية»،«الخطاب»، «الهوية»، «الحداثة»، ثم يعود كل واحد منهم إلى بيته حاملا حقيبته كما جاء بها، إلا أن شيئا واحدا يكون قد حدث: لقد تكاثرت الكلمات. والكلمات، مثل الجراد، تستطيع أن تأكل حقلا كاملا دون أن تترك وراءها سوى عروق اليابس.
ليس الحوار إذن فضيلة في ذاته. كما أنّ الصمت ليس فضيلة في ذاته. ليست المسألة في أن نتكلم أو نصمت، وإنما في أن يكون للكلام ثمن، وللصمت معنى. هناك حوارات تغيّر الإنسان. وهناك حوارات لا تغيّر حتى ترتيب الكراسي. والفارق بين الإثنين ليس في ارتفاع الصوت ولا في عدد الحاضرين، بل في مقدار المخاطرة التي يقبلها العقل حين يدخل الحوار. فالحوار الحقيقي ليس اجتماعا بين آراء؛ إنه اصطدام بين عوالم. وكل اصطدام حقيقي يترك شظايا. أما الحوار الذي ينتهي فيه الجميع إلى الطاولة نفسها التي جلسوا إليها، وإلى الآراء نفسها التي حملوها في جيوبهم، فهو ليس حوارا. إنه طقس اجتماعي للتأكد من أن أحدا لم يتغير. ولعل أخطر ما أصاب الثقافة الحديثة أنها جعلت المثقف مرئيا أكثر مما جعلته عميقا. صار الحضور فضيلة، والظهور دليلا على القيمة، وكأن الكتاب الذي لا يظهر صاحبه في الندوات يموت في الصفحة، وكأن الشاعر الذي لا يعرفه الناس من وجهه وصوته وملابسه ومقهى جلوسه ليس شاعرا بما يكفي.
وهنا تبدأ المأساة. لأن الأدب، في جوهره، ليس فنا للحضور. إنه فن الغياب. الكاتب الحقيقي لا يدخل النص لكي يري القارئ وجهه؛ يدخل لكي يترك وراءه أثرا لشيء لم يعد له وجه. منذ أن كان الإنسان الأول يرسم حيوانا على جدار كهفه، لم يكن يريد أن يقول فقط: «هذا حيوان». كان يريد أن يستدعي الغائب، أن يمسك بالشيء الذي لا يستطيع الإمساك به. كانت اليد ترسم لأنّ العالم يفلت. وكان الرسم، منذ البدء، محاولة لتأجيل الفناء. وهكذا كانت اللغة. نحن لا نتكلم لأنّ الأشياء واضحة، بل لأنّ الأشياء تفلت منا. نحن نسمي الأشياء لأنّنا نخاف أن تختفي. الإسم هو الحبل الذي نلقيه في بئر الوجود. لكن المفارقة أنّ الحبل نفسه قد يتحول إلى قيد. حين تصبح اللغة سهلة أكثر من اللازم، جاهزة أكثر من اللازم، مستهلكة أكثر من اللازم، فإنّها تكف عن اكتشاف العالم وتبدأ بتغطيته. هناك لغة تقول لنا ما نعرف. وهناك لغة تجعلنا نكتشف أنّنا لم نكن نعرف شيئا.
والقصيدة، في أجمل لحظاتها،لا تقدم المعنى مثل نادل يحمل صينية. القصيدة تترك المعنى في غرفة أخرى، وتطفئ الضوء، وتعطينا مفتاحا لا نعرف لأيّ باب يصلح. من هنا تأتي أهمية الغموض. لكن الغموض ليس أن يكتب الشاعر كلاما لا معنى له ثم يطلب من القارئ أن يصفق لعجزه عن الفهم. ذلك ليس شعرا؛ ذلك كسل يرتدي معطفا أسود. الغموض الحقيقي شيء آخر. إنّه فائض المعنى على العبارة. أن تكون الجملة قابلة للفهم، لكنها لا تستنفد نفسها في الفهم. أن تقول القصيدة شيئا، ثم يكتشف القارئ بعد ساعة أنّها كانت تقول شيئا آخر، وبعد سنة أنّها لم تكن تقول شيئا محددا أصلا وإنما كانت تفتح فيه مكانا جديدا لرؤية العالم. المعنى، في هذه الحالة، ليس ما تقوله القصيدة خلف اللغة، كما لو كان هناك رجل صغير مختبئ وراء الستار ينتظر أن نسحبه من ياقته ونقول: «ها هو المعنى!»
المعنى هو ما يحدث عندما تتحرك الستارة. إنه الارتعاش. إنّه المسافة بين العين وما تراه. إنه ذلك الشيء الذي يتولد في الرأس حين تصطدم كلمة بكلمة لا ينبغي لها، في الظاهر، أن تجاورها. حين تقول شاعرة مثلا:«الليل يربّي حصانا في جيب العاصفة»، فإن السؤال الساذج هو: ماذا يعني هذا؟ أما السؤال الشعري فهو: ماذا حدث لي حين قرأت هذه الجملة؟ هنا تتحول اللغة من وسيلة نقل إلى كائن. وهنا يصبح النص مكانا لا رسالة. ولذلك فإنّ أجمل القصائد ليست تلك التي يمكن تلخيصها، وإنّما تلك التي تقاوم التلخيص كما تقاوم السمكة يد الصياد. القصيدة التي يمكن اختصارها في فقرة نقدية قد تكون قصيدة جيدة. أما القصيدة التي تبقى بعد التفسير، والتي يتضاعف غموضها كلما ازداد فهمنا لها، فهي التي تقترب من سر الشعر. لقد كان أفلاطون يخشى الشعراء لأنّهم لا يكتفون بتسمية الأشياء؛ كانوا يستطيعون أن يجعلوا الظلّ يبدو أكثر إقناعا من الحقيقة. ثم جاءت قرون كاملة من الفلاسفة والشعراء والنقاد وهم يتصارعون مع السؤال نفسه: هل اللغة تكشف الحقيقة أم تخفيها؟ وسوف يأتي فيلسوف آخر بعدنا، ربما في مدينة لم تُبن بعد، ليكتشف أن السؤال نفسه كان فخا؛ فاللغة لا تكشف ولا تخفي فقط، بل تصنع المنطقة التي نسميها «حقيقة».
ولهذا فإن الكاتب الذي يعبث باللغة لا يعبث بوسيلة بريئة. إنه يحرك أثاث العالم. وحين يفكك الشاعر الجملة، فإنه قد يكون، دون أن يدري، يفكك الطريقة التي اعتدنا أن نرى بها الأشياء. لذلك أخطأ الذين جعلوا الوضوح دينا، كما أخطأ الذين جعلوا الغموض صنما. الوضوح بلا عمق منشور إداري. والغموض بلا ضرورة دخان. الفن الحقيقي هو أن تجعل القارئ يقف على حافة المعنى، لا أن تدفعه منها. أن تترك له قدما على الأرض وقدما في المجهول. أن يشعر، وهو يقرأ، بأنه فهم شيئا، ثم يشك في هذا الفهم، ثم يعود إلى النّص لا ليجد الإجابة، وإنما ليجد نفسه قد تغير قليلا. ذلك التغير الصغير هو المعجزة التي تبحث عنها القصيدة.
أمّا النقاد الصغار الذين ينتظرون في الصفحات الثقافية، فليسوا المشكلة في حد ذاتهم. المشكلة أن النقد نفسه قد يفقد شجاعته، فيتحول من مغامرة عقلية إلى جهاز تفتيش. النقد الذي لا يغامر ليس نقدا؛ إنه محضر شرطة. والناقد الذي يريد من القصيدة أن تعترف بجريمتها، وأن تحدد له مكان السكين، ووقت الجريمة، واسم القاتل، لا يقرأ القصيدة؛ إنه يستجوبها. كأن القصيدة متهم. وكأن وظيفة الناقد أن ينتزع منها اعترافا. لكن القصيدة لا تعترف. القصيدة تراوغ. ومن حقها أن تراوغ. بل ربما كان من واجبها أن تراوغ، لأن العالم نفسه مراوغ. منذ هوميروس ونحن نعرف أن الحقيقة لا تصل إلينا ماشية على قدميها. تصل إلينا في هيئة أسطورة، أو استعارة، أو حكاية، أو شبح، أو أغنية. التاريخ نفسه، حين لا يستطيع أن يشرح جثثه، يصنع منها تماثيل. فكيف نطالب القصيدة بأن تكون أكثر صدقا من التاريخ؟
النقد الجيد لا يسأل النص: «ماذا كنت تقصد؟» يسأله: «ماذا فعلت؟» هذه النقلة الصغيرة في السؤال تصنع فرقا هائلا. لأن الكاتب قد يقصد شيئا، لكن النص يفعل شيئا آخر. وقد يكتب الشاعر قصيدة عن الحب فتكتشف أن القصيدة، دون علمه، كانت عن الموت. وقد يكتب عن الوطن فتظهر في السطر الثالث امرأة مكسورة تحمل مفتاح بيت لا وجود له، فيكتشف القارئ أن الوطن لم يكن سوى اسم آخر للفقد. وقد يكتب عن الليل، فيظهر الصباح فجأة في حاشية القصيدة كأنه شاهد لم تستدعِه المحكمة. هنا يبدأ الأدب. لا حين يسيطر الكاتب على النص، بل حين يفقد السيطرة عليه قليلا. ولذلك فإن النقد الذي يريد أن يشرح النص شرحا نهائيا يشبه شخصا يدخل البحر حاملا مسطرة. إنه يريد قياس الموج. ولكن كيف يمكن قياس شيء مهمته أن يتغير؟ هل يمكن نقد النقد؟
بالطبع. بل ينبغي. النقد الذي لا يقبل النقد يتحول إلى سلطة، وكل سلطة ثقافية معرضة لأن تصاب بالعمى من كثرة ما ترى نفسها في المرآة. نحتاج إلى نقد النقاد لا لكي نذبحهم، وإنما لكي نعيد النقد إلى وظيفته الأولى: المغامرة. الناقد ليس قاضيا يقف فوق النص. إنه قارئ محترف، نعم، لكنه يظل قارئا. وإذا نسي هذه الكلمة الصغيرة، فقد ضاع كل شيء. القارئ ليس أدنى من الناقد، كما أنّ الشاعر ليس أعلى منه. هناك قارئ يقرأ القصيدة في قطار ولا يعرف شيئا عن تاريخ الرمزية، لكنّه يبكي. وهناك ناقد يعرف تاريخ الرمزية والسريالية والبنيوية والتفكيك ونظريات التلقي، ثم يكتب عشرين صفحة لا يتحرك فيها قلبه مليمترا واحدا. من منهما كان أقرب إلى القصيدة؟ ربّما كلاهما. وربّما لا أحد. لأنّ الأدب ليس امتحانا. وهذا تحديدا ما يخيف المؤسسات الأدبية. المؤسسة تريد المقاييس. الأدب يهرب منها. المؤسسة تريد الأسماء. النص يريد أن يكون بلا اسم. المؤسسة تريد الحضور.
القصيدة تريد قارئا وحيدا في الثانية صباحا، يفتح كتابا قديما، ثم يتوقف فجأة لأنّ جملة واحدة جعلت الغرفة التي يجلس فيها تبدو غريبة. هناك، في تلك اللحظة الصغيرة، يحدث الأدب. لا في التصفيق. ولا في الصور الجماعية. ولا في الميكروفونات. ولا في العبارة التي تبدأ بـ«يسعدني أن أكون بينكم». قد يحتاج الأدب إلى الجمهور، لكنه لا يحتاج إلى الجمهور كي يوجد. وهنا ينبغي أن نكون قساة مع الوهم الذي جعل الحضور شرطا للشرعية. كم من كاتب لم يعرفه أحد في حياته، ثم جاءت حياته الثانية بعد موته، فأصبح صوته أعلى من أصوات الذين ملأوا الصحف والصالونات؟ وكم من أسماء كانت تلمع في زمنها مثل عملة جديدة، ثم لم يبق منها سوى غبار في هوامش الكتب؟
التاريخ الأدبي طويل الذاكرة، لكنّه شديد القسوة على الصراخ. الزمن لا يحفظ الذين كانوا حاضرين. يحفظ الذين تركوا شيئا يصعب محوه. ولهذا لا أؤمن كثيرا بالسؤال: هل يجب على الكاتب أن يكون حاضرا؟ أقول: ليحضر إذا كان حضوره ضروريا لعمله، وليختف إذا كان الاختفاء شرطا لكتابته. العزلة ليست مرضا. كما أنّها ليست فضيلة تلقائية. يمكن للعزلة أن تكون معمل اللغة، ويمكنها أن تكون مقبرة. يمكن أن يخرج الكاتب من غرفته وفي يده لؤلؤة، ويمكن أن يخرج منها وهو يحمل نسخة أخرى من نفسه. العزلة التي تنتج الأدب ليست انفصالا عن العالم، بل طريقة أخرى للإصغاء إليه. كان الناس قديما يقولون: «من عاشر القوم أربعين يوما صار منهم». لكن الكاتب قد يحتاج أحيانا إلى أربعين عاما كي يتخلص مما صار منه. العزلة تمنح الكاتب هذه المسافة. تسمح له أن يرى الجماعة من خارجها، وأن يسمع ضجيجها كما يسمع المرء مدينة من فوق جبل.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة: الكاتب يحتاج إلى الناس لكي يكتب عن الإنسان، لكنّه يحتاج إلى الابتعاد عنهم كي يرى الإنسان. إنّه يشبه الصياد الذي لا يستطيع رؤية السمكة وهو داخل الماء. ينبغي أن يخرج قليلا كي يرى النهر. وهذا هو سر العزلة الأدبية. ليست أن تكره الناس. إنها أن تمنح الأشياء مسافة كافية كي تظهر. والكاتب الذي يكتب وسط الضجيج قد يكتب عن الضجيج. أما الكاتب الذي يدخل صمته طويلا، فقد يسمع صوتا لا يسمعه الآخرون. ليس صوت الملائكة بالضرورة. قد يكون صوت حشرة تحت حجر. لكن الأدب كلّه ربّما بدأ من تلك الحشرة. ومن هنا نعود إلى القصيدة. كيف نطلق سراحها من قبضة التفاهة؟ ليس بتعقيدها اعتباطا. ولا بإغراقها في الاستعارات. ولا بجعل كل بيت منها لغزا. بل باستعادة الخطر. التفاهة هي أن لا تخاطر اللغة بشيء. أن تقول الجملة ما يتوقعه القارئ. أن تأتي الاستعارة مرتدية ملابسها الرسمية. أن تكون القصيدة مؤدبة.
الأدب العظيم لم يكن مؤدبا دائما. هوميروس كان يضع الآلهة في الوحل. دانتي جعل من التاريخ جحيما شخصيا. شكسبير جعل الملوك يتحدثون إلى الأشباح والمهرجين. دون كيشوت حطم الحدود بين الكتاب والعالم. بودلير وجد الجمال في الجيفة. كافكا جعل الباب أكثر رعبا من الوحش الذي يقف خلفه. بروست جعل الزمن مادة يمكن أن تذوب في قطعة حلوى. بيكيت جعل الانتظار مسرحا للعدم. والشعر العربي نفسه لم يكن، في أصفى لحظاته، مجرد زخرفة لفظية. كان امرؤ القيس يقف على الأطلال لا لأن الحجارة جميلة، بل لأن الإنسان اكتشف مبكرا أن المكان يمكن أن يكون جرحا. وفي المثل الشعبي نقول: «اللي ما يعرف الصقر يشويه».وهو مثل بسيط، لكنه يحمل فلسفة كاملة: الأشياء قد تفقد طبيعتها حين تقع في يد من لا يعرف قيمتها. وهذا بالضبط ما يحدث للقصيدة حين تقع في يد القارئ الذي يريد منها إجابة جاهزة، أو الناقد الذي يريد منها أطروحة، أو الشاعر الذي يريد منها أن تثبت أنّه شاعر.
القصيدة لا تريد أن تثبت شيئا. إنها تريد أن تكون. مثل شجرة لا تشرح سبب وقوفها. مثل بئر لا يعتذر عن عمقه. مثل امرأة تمشي في آخر الليل ولا يعرف أحد إلى أين. ربما لهذا ينبغي أن نعيد للقصيدة حقها في أن تكون صعبة. ليس لأن الصعوبة فضيلة، بل لأن بعض الأشياء لا يمكن قولها بسهولة. هناك حقائق إذا قيلت مباشرة ماتت. الحب مثلا. الموت. الذاكرة. الخوف. الطفولة. المنفى. الله. الجسد. الأم. الوطن. كل هذه الكلمات تبدو واضحة حتى نحاول لمسها. عندها تتحول إلى متاهات. وكل كاتب حقيقي يعرف أن الكلمات الأكثر شيوعا هي الكلمات الأكثر خطرا، لأنّها مستهلكة حتى العظم. «حب». «وطن». «حرية». «روح». «ليل». «موت». هذه الكلمات مثل العملات القديمة: مرت عليها أياد كثيرة حتى فقدت لمعانها. وظيفة الكاتب ليست أن يرميها، بل أن يعيد صهرها. أن يضع «الوطن» في النار حتى يعود كلمة قادرة على إيلامنا. أن يأخذ «الحب» من قاموس الأغاني ويعيده إلى جسد إنسان يرتجف أمام باب مغلق. أن يأخذ «الموت» من خطب الرثاء ويضعه في كوب ماء على طاولة رجل يعرف أن يده لن تصل إلى الصباح. هنا تصبح اللغة فعلا. لا مرآة. لا زينة. فعلا.
ولهذا فإن الشاعر الحقيقي لا يكتب كي يُفهم. إنّه يكتب كي يحدث شيء. والفهم واحد من الأشياء الممكنة. لكن الدهشة شيء آخر. والقلق شيء آخر. والتذكّر شيء آخر. والجرح شيء آخر. وأحيانا يكون أعظم ما تفعله القصيدة أنها تجعل القارئ يشك في اللغة التي كان يثق بها. أن تجعله ينظر إلى كلمة «باب» بعد قراءة النص، فيشعر أن الباب لم يعد بابا. إنّه احتمال. إنّه خروج. إنّه موت. إنّه طفولة. إنّه شخص لم يعد في الداخل. وهنا تكون اللغة قد تحررت من قاموسها. وهنا أيضا تتحرر القصيدة من التفاهة. التفاهة لا تُقتل بالصراخ. تُقتل بالدقة. وبالمغامرة. وبأن يعرف الكاتب أنّ كل كلمة زائدة قد تكون مسمارا في نعش النص. الاقتصاد لا يعني الفقر. والكثافة لا تعني الغموض. القوة ليست أن تقول كثيرا. القوة أن تجعل القليل يواصل النمو بعد انتهاء القراءة. مثل بذرة دفنتها في جملة. ثم تمضي. وبعد سنوات، وأنت في مدينة أخرى، وفي عمر آخر، تسمع فجأة شيئا ينكسر داخلك. فتتذكر القصيدة. هكذا يعيش الأدب. ليس في الصفحة. بل في الزمن الذي يأتي بعدها.
ولهذا فإنّني لا أثق كثيرا في النص الذي ينتهي بانتهاء قراءته. النص الحقيقي يبدأ عندما يغلق القارئ الكتاب. ربّما لهذا السبب تكون العزلة ضرورية أحيانا. فالكاتب يحتاج إلى مكان لا يسمع فيه التصفيق. مكان لا يعرف فيه أحد ماذا كتب. مكان يستطيع فيه أن يفشل دون شهود. أن يكتب جملة سخيفة، ثم يقتلها. أن يكتب قصيدة كاملة، ثم يكتشف أنها لم تكن سوى قشرة. أن يبدأ من جديد. الكاتب الذي لا يسمح لنفسه بالفشل لا يستطيع أن يكتب شيئا عظيما. لأن الأدب العظيم ولد دائما قريبا من الهاوية. أما الصحافة الثقافية، بكل ما فيها من قيمة وضجيج وضرورات، فهي تستطيع أن تنقل الخبر عن الأدب، لكنها لا تستطيع أن تضمن بقاءه. الصحيفة تنشر النص. الزمن يقرر إن كان النص سيبقى. وهذا هو الامتحان الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يزور نتيجته. قد تستطيع أن تستدعي عشرين ناقدا. قد تستطيع أن تنظم ندوة. قد تستطيع أن تكتب عشر مقالات عن أهمية كتابك. لكن لا تستطيع أن تأمر قارئا مجهولا بعد ثلاثين سنة بأن يحبك. هناك، في تلك اللحظة، يسقط كل شيء: العلاقات، المجاملات، الصور، الجوائز، الألقاب، الضجيج. ويبقى النص وحده. وحيدا. كما ينبغي للنص العظيم أن يكون.
ربما كان الأدب، في نهاية الأمر، شكلا راقيا من أشكال مقاومة الموت. لكن الموت لا يخاف من الكاتب الذي يتحدث كثيرا. الموت يخاف من الجملة التي لا يستطيع أن يمحوها. من صورة تبقى في رأس شخص لم يولد بعد. من قصيدة يقرأها غريب في بلد لم يعرفه الشاعر، فيشعر فجأة أن شخصا مات قبل مئة عام كان يعرف وحدته. هذه هي المعجزة. وهذا هو الحوار الحقيقي. ليس أن يجلس المثقفون معا حول طاولة. بل أن يجلس ميت مع حيّ داخل كتاب. أن يتحدث شاعر عاش في القرن الثامن إلى قارئ يعيش في القرن الحادي والعشرين. أن تعبر جملة ألف عام ولا تشيخ. أن يصبح الغائب حاضرا. أن تتحول العزلة إلى جسر. عندها فقط نفهم المفارقة الكبرى: الكاتب يحتاج إلى العزلة لكي يصنع صوته، لكنه لا يكتب للعزلة. يكتب لكي يعبرها. والقارئ، حين يفتح الكتاب، يعبر بدوره.
لهذا لا ينبغي أن نسأل الكاتب: هل أنت حاضر في المشهد؟ السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا سيبقى منك إذا اختفى المشهد؟ إذا أُغلقت الصحيفة؟ إذا انطفأت المنصة؟ إذا انتهى المهرجان؟ إذا نسي الناس وجهك؟ إذا لم يعد أحد يعرف أين جلست ومن صافحت؟ ماذا يبقى؟ إذا بقيت جملة واحدة، فقد نجوت. إذا بقي إيقاع واحد في ذاكرة شخص، فقد نجوت. إذا جعلت امرأة مجهولة تبكي في قطار لأنّها تذكرت بيتا لم يعد موجودا، فقد نجوت. إذا جعلت رجلا يرفع رأسه عن الكتاب وينظر إلى اللّيل كأنه يراه للمرة الأولى، فقد نجوت. أمّا إذا لم يبق شيء، فلا تنفعك كلّ النّدوات. ولا كلّ الحوارات. ولا كلّ النقاد. ولا كلّ الصور. ولا كلّ الأبواب التي دخلتها من الباب الأمامي. الأدب ليس في أن يكون الكاتب مرئيا. الأدب في أن يجعل ما لم يكن مرئيا يظهر. وهنا فقط تصبح اللغة، حين تتشابك وتكثف وتراوغ وتضللنا قليلا، أكثر من لغة. تصبح غابة. يدخلها القارئ وهو يعرف الطريق. ثم يفقده. ثم يخاف. ثم يكتشف شجرة لم يرها أحد. ثم يسمع ماء تحت الأرض. ثم يجد، في مكان لم يكن موجودا على الخريطة، بابا. يفتحه. ولا يجد وراءه تفسيرا. يجد نفسه.
وربما لهذا لا نحتاج إلى إطلاق سراح القصيدة من اللغة. بل إلى إطلاق اللغة نفسها من سجن ما نعرفه عنها. فالقصيدة لا تموت حين تكون غامضة. تموت حين تكون متوقعة. ولا تموت حين تكون صعبة. تموت حين لا يكون وراء صعوبتها شيء. ولا تموت حين تعتزل. تموت حين تعتزل الحياة. ولا تموت حين تحضر. تموت حين يصبح حضورها مجرد رغبة في أن يراها الآخرون. والحوار الذي يستحق أن نؤمن به ليس ذلك الذي يجعلنا أكثر اتفاقا، بل الذي يجعلنا أقل اطمئنانا إلى أنفسنا. النقد الذي يستحق أن نقرأه ليس الذي يمدح القصيدة ولا الذي يهدمها، بل الذي يجعلها أكبر مما كانت عليه قبل القراءة. والكاتب الذي يستحق أن ننتظره ليس الذي يرفع يده طالبا دوره في المشهد، بل الذي يعود من عزلته وفي يده شيء لا يعرف كيف يشرحه، شيء يشبه جمرة صغيرة، أو مفتاحا صدئا، أو ريشة طائر انقرض، أو كلمة لم تُخلق بعد. حينها فقط يصبح الأدب ممكنا. وحينها فقط يصبح الصمت حوارا. وتصبح العزلة حضورا. ويصبح الغموض معرفة. وتصبح اللغة، بعد أن ظننا طويلا أنّها قفصنا، نافذة تطل على شيء لا اسم له. شيء يقف هناك. خلف ستار اللغة. ولا يريد منا أن نسحبه إلى الضوء. بل يريدنا، ربما للمرة الأولى، أن نتعلم كيف نرى في العتمة.
