مدينة الأكاذيب التي لا تنام

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في مدغشقر، الجزيرة التي تبدو على الخريطة كأن الطبيعة قررت أن تخبئ قطعة من حلمها في المحيط الهندي، لم تكن هناك حاجة إلى ساحر كي يخرج من القبعة أرنبا. كان يكفي هاتف ذكي. هاتف. شيء صغير لا يزيد حجمه على كف طفل، لكنه يستطيع، في هذا العصر، أن يعبر الحدود أسرع من الجيوش، وأن يحمل في شاشته وجها لا وجود له، وحبا لم يولد، وثروة لم تكن موجودة قط، ثم يمد خيطا من الكذب حتى يصل إلى حساب مصرفي في قارة أخرى. وهكذا، في مكان بعيد عن مراكز المال الكبرى، كانت مصانع الاحتيال تعمل كما تعمل مصانع أخرى: غرف، شاشات، أجهزة، تعليمات، حسابات، موظفون، ومديرون. الفرق الوحيد أن المنتج هنا لم يكن سيارة ولا قميصا ولا دواء. كان المنتج هو الوهم.

في التاسع من سبتمبر 2026، أعلنت السلطات الأميركية أنها ساعدت السلطات في مدغشقر على تفكيك ثلاثة عشر مجمعا لعمليات احتيال إلكتروني تديرها شبكات إجرامية مرتبطة بمواطنين صينيين. وعولج أكثر من 3200 جهاز إلكتروني، فيما تحدثت وزارة العدل الأميركية عن مقابلة قرابة 400 موقوف في إطار التحقيقات، بينهم نحو ثلاثين شخصا وصفتهم السلطات بأنّهم من قادة هذه المجمعات، وقد أعيد بعضهم إلى الصين. لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق ليس عدد الأجهزة ولا عدد الموقوفين. إنه عدد الأرواح التي لا تظهر في محاضر الضبط. فالاحتيال الإلكتروني لا يسرق المال فقط. إنه يسرق شيئا أكثر هشاشة: قدرة الإنسان على تصديق إنسان آخر.

كان الجاحظ، لو رأى هذا العصر، سيعرف فورا أن الحيلة لم تتغير، وإنما تغيرت أدواتها. المحتال القديم كان يحتاج إلى لسان، ووجه، ومجلس، وخاتم، ورسالة مختومة. أما المحتال الحديث فقد استبدل السوق بالمنصة، والدكان بالحساب، والرسالة الورقية بخيط من الرسائل الفورية. لقد انتقلت البلاغة من سوق عكاظ إلى الهاتف. وصار الكذاب يحتاج إلى مهندس. لم تعد عملية النصب مغامرة فردية يقوم بها رجل يجلس في غرفة معزولة. لقد أصبحت، في بعض الحالات، اقتصادا منظما له بنية تحتية وخدمات متخصصة. وهذا بالضبط ما تكشفه قضية Xinbi Guarantee، التي وصفها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية بأنّها منظمة إجرامية عابرة للحدود ومنصة صينية اللغة استخدمت لدعم عمليات الاحتيال وغسل الأموال وأنشطة إجرامية أخرى.

الأخطر أن الجريمة لم تعد مضطرة إلى امتلاك كل شيء. هي تستأجر كل شيء. موقعا إلكترونيا مخصصا للاحتيال؟ هناك من يبنيه. غسل الأموال؟ هناك من يعرض الخدمة. وسيلة لتحريك العملات المشفرة؟ موجودة. تجنيد أشخاص للعمل في مجمعات الاحتيال؟ موجود. قنوات للتواصل؟ موجودة. وسوق للخدمات الإجرامية؟ موجود. كأن الجريمة، للمرة الأولى، قررت أن تصبح شركة. وقد يكون هذا هو التحول الأخطر في عالم الجريمة المعاصرة: لم يعد المجرم مضطرا إلى أن يكون خبيرا في كل شيء. يكفي أن يعرف أين يشتري الخبرة. في قلب هذه القصة تظهر Telegram، لا بوصفها صاحبة الجريمة، وإنما بوصفها البنية التي تقول السلطات الأميركية إن سوق Xinbi استخدمتها لعرض خدماته. وبحسب وزارة العدل الأميركية، كان السوق الصيني اللغة يعرض خدمات من بينها إنشاء مواقع استثمار احتيالية مخصصة، وغسل الأموال، واستقطاب أشخاص للعمل في مجمعات الاحتيال. وقد صادرت السلطات قنوات مرتبطة بالسوق، كما طلبت تقييد عشرات المحافظ الرقمية المرتبطة بالشبكة.

وهنا تتغير صورة المحتال في خيالنا. لم يعد رجلا يرسل رسالة ركيكة تقول: «لقد ربحت مليون دولار». إنه الآن مهندس سردية. يشتري صورة. يشتري اسما. يشتري موقعا. يشتري ثقة. ثم يترك الضحية تفعل الباقي بنفسها. وهذه هي العبقرية السوداء في الاحتيال الحديث: أفضل كذبة ليست التي تجبرك على تصديقها، وإنما التي تجعلك تظن أنك أنت من اكتشف الحقيقة. ولذلك فإن الهاتف ليس بريئا تماما ولا مذنبا تماما. إنه مرآة. يستطيع أن يعكس وجه الطبيب والشاعر والمحب والطفل، لكنه يستطيع أيضا أن يعكس وجه اللص إذا وقف اللص أمامه. كان القدماء يقولون: «حبل الكذب قصير». لكنّهم لم يعرفوا أن الحبل، في القرن الحادي والعشرين، يمكن أن يكون من ألياف ضوئية، وأنه يستطيع أن يلتف حول الكوكب قبل أن يكتشف صاحبه أن يده امتدت إلى جيبه.

ولذلك لم تعد المسافة حماية. الضحية في واشنطن قد تكون جالسة في غرفة هادئة، تشرب قهوتها، بينما الشخص الذي يسلبها مدخرات عمرها يعمل آلاف الكيلومترات عنها، في مدينة لا تعرفها، داخل مبنى قد لا يبدو مختلفا عن أي مبنى آخر. الجريمة هنا بلا جغرافيا. والضحية لها جغرافيا. وهذا هو عدم التكافؤ. وفي مدغشقر، اكتشفت السلطات شيئا أكثر مادية من كل هذا العالم الافتراضي: آلاف الأجهزة. ثلاثة آلاف ومئتا جهاز وأكثر. لكل جهاز ذاكرة. ولكل ذاكرة رسائل. ولكل رسالة شخص. ولكل شخص قصة. يمكن للشرطة أن تصادر الهاتف، لكن من يعيد إلى الضحية صورتها القديمة عن العالم؟ من يعيد لها الثقة؟ من يقول لها إن الإنسان الذي تحدثت إليه كل ليلة لم يكن موجودا إلا بقدر ما كان هناك شخص آخر يكتب خلف الشاشة؟

لهذا فإن الجريمة الرقمية تختلف عن السرقة القديمة. اللص القديم يأخذ مالك. اللص الحديث قد يأخذ مع المال جزءا من قدرتك على الثقة بالبشر. وليس هذا تفصيلا نفسيا هامشيا، بل ربما هو أخطر أثر طويل المدى. لأن المجتمعات لا تقوم على المال وحده. إنها تقوم على الثقة. الثقة في المصرف. في الهاتف. في الاسم. في الصورة. في الرسالة. في الطبيب. في المستثمر. في الشخص الذي يقول: «أنا أحبك». حين تصبح كل هذه الأشياء قابلة للاستئجار والتزييف، يصبح السؤال الفلسفي أعمق من: كيف نمنع الاحتيال؟ السؤال يصبح: كيف نحافظ على الحقيقة في عالم تستطيع فيه الكذبة أن تبدو أكثر أناقة من الحقيقة؟ هنا يأتي التاريخ ليجلس معنا إلى الطاولة. فالاحتيال ليس اختراعا رقميا. منذ أن عرف الإنسان السوق، عرف المساومة والخداع والغش. كتب الجاحظ عن طبائع البشر وحيلهم، ووصف ابن خلدون كيف تتغير أحوال الناس عندما تتغير أحوال العمران والاقتصاد. ولو كان الجاحظ بيننا اليوم، لربما لم يكتب عن «المحتال» فحسب، بل عن «سوق المحتالين». فالطريف في عصرنا أن التكنولوجيا لم تجعل الكذب أكثر ذكاء بالضرورة، لكنها جعلته أكثر قابلية للتوسع. المحتال القديم يستطيع خداع عشرة. المحتال الرقمي يستطيع، إذا امتلك البنية المناسبة، أن يخدع آلافا.

وهنا يكمن الفرق بين الكذبة الفردية والجريمة الصناعية. وقد أظهرت الإجراءات الأميركية ضد Xinbi أن السلطات لم تعد تنظر فقط إلى المحتال الذي يتحدث إلى الضحية، بل إلى السوق الذي يبيع للمحتال الأدوات والخدمات التي تمكنه من العمل. وهذا تحول بالغ الأهمية: ضرب البنية التحتية، لا الواجهة فقط. إنه أشبه بإطفاء النار بالنظر إلى شبكة الأنابيب التي تغذيها، لا إلى اللهب وحده. وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية تجميد أو تقييد أكثر من 52 مليون دولار من العملات المشفرة المرتبطة بالشبكة، ليرتفع إجمالي الأصول التي قالت قوة مكافحة مراكز الاحتيال إنها قيدتْها إلى نحو 938 مليون دولار. لكن حتى هنا، علينا أن نكون عقلانيين. الأرقام الكبيرة تثير الرعب، لكنها لا تكفي لفهم الجريمة. فـ52 مليون دولار رقم هائل، لكنه ليس الضحية. الضحية امرأة قد تكون باعت بيتها. رجل وضع مدخرات تقاعده في منصة ظنها حقيقية. شاب صدق امرأة لم ير وجهها إلا على الشاشة. إنسان وحيد كان يبحث عن الحب، فوجد في الطرف الآخر آلة مالية ترتدي وجه إنسان. وهنا تصبح الجريمة أقرب إلى مأساة يونانية منها إلى ملف جنائي. البطل لا يسقط لأنه غبي. يسقط لأن نقطة ضعفه الإنسانية استعملت ضده. الحب. الطمع. الخوف. الوحدة. الأمل. هذه هي العملات القديمة التي لا تزال الجريمة تتاجر بها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله عن الاحتيال الإلكتروني هو أنه لا يسرق من الإنسان ما يملك فقط؛ إنه يسرق منه ما يتمنى أن يملك. وهذا هو السبب في أن المحتالين لا يبيعون الخوف وحده. إنهم يبيعون المستقبل. «ستصبح ثريا». «ستجد الحب». «ستستعيد أموالك». «استثمر الآن». «هذه فرصتك». الكذبة الناجحة ليست بابا مغلقا. إنها باب مفتوح أكثر مما ينبغي. وفي مدغشقر، ثمة مفارقة تاريخية لا ينبغي تجاهلها. جزيرة بعيدة عن وول ستريت، وعن وادي السيليكون، وعن البورصات الكبرى، تصبح جزءا من معركة مالية عالمية لأن الجريمة الحديثة لا تسأل: أين أنت؟ إنها تسأل: أين توجد ثغرة؟ ولهذا يمكن أن تكون غرفة في مدغشقر متصلة بمحفظة رقمية في مكان آخر، بضحيتها في أميركا، وبخدمة على Telegram، وبشركة تقنية في آسيا، وبأموال تتحرك في شبكة من العملات المشفرة. هذه ليست جريمة عابرة للحدود فحسب. إنها جريمة ولدت من فكرة أن الحدود نفسها أصبحت أبطأ من المال والمعلومة. ولهذا جاءت الاستجابة بالطريقة نفسها: شبكة من الشبكات.

السلطات الأميركية، والسلطات في مدغشقر، والصين في ملف إعادة بعض المحكوم عليهم، وأجهزة إنفاذ القانون والجهات المالية ومزودو التكنولوجيا؛ كل هؤلاء يدخلون في المشهد بدرجات مختلفة. وفي حالة مدغشقر، قالت السلطات الأميركية إن نحو 50 صينيا سبق أن صدرت بحقهم أحكام في قضايا احتيال إلكتروني نقلوا إلى الصين لمواصلة تنفيذ أحكامهم هناك، وهو ما أكدته تقارير عن العملية. وهذا أيضا درس من دروس العولمة. لقد أصبحت الجريمة عالمية قبل أن تصبح العدالة كذلك. والآن تحاول العدالة أن تلحق بها. لكن هناك سؤالا أكبر من كل المداهمات والمصادرات: لماذا تنمو هذه الصناعة أصلا؟ لأن هناك سوقا. ولأن السوق لا يتغذى من الشر وحده. يتغذى من الوحدة. ومن تفاوت الثروة. ومن الجهل الرقمي. ومن الطمع. ومن الرغبة في الربح السريع. ومن عالم أصبح فيه الإنسان يرى حياة الآخرين على الشاشة كل يوم، فيقارن نفسه بهم، ويشعر أنه متأخر، وأن فرصة واحدة قد تقلب حياته. المحتال لا يخترع رغبة الضحية. إنه يكتشفها. ثم يضع أصبعه عليها.

وهكذا تصبح الشاشة مسرحا فلسفيا صغيرا: الممثل لا يرى الجمهور، والجمهور لا يرى الممثل، ومع ذلك تستمر المسرحية. أما المال فهو التصفيق. وحين ينتهي التصفيق، لا يبقى على المسرح سوى شخص وحيد يسأل نفسه: كيف صدقت؟ لكن ربما السؤال الأكثر عدلا هو: كيف صممت هذه الآلة كي تجعل التصديق يبدو عقلانيا؟ هنا ينبغي ألا نكتفي بجلد الضحايا. فالقول إن الضحية «كان ينبغي أن تعرف» مريح، لكنه ساذج. الجريمة الحديثة لا تعتمد دائما على سذاجة الضحية؛ تعتمد أحيانا على هندسة الإقناع. وهذا فرق أخلاقي مهم. لذلك، فإن مواجهة هذه الصناعة لا تكون فقط بملاحقة المحتالين بعد وقوع الكارثة، بل بتجفيف السوق الذي يبيع أدوات الخداع، وتعقب الأموال، وتحليل البنية التقنية، وتبادل المعلومات بين الدول، وحماية الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار كضحايا، والأهم: فهم الآليات النفسية التي تجعل الإنسان قابلا للتلاعب.

إننا لا نحارب لصوصا فقط. نحارب اقتصادا. وحين يصبح الإجرام اقتصادا، لا يكفي أن تسجن العامل في آخر السلسلة. يجب أن تصل إلى المصرف السري في منتصفها، وإلى صاحب الأدوات في أولها. وهذا ما يجعل قضية Xinbi أكثر أهمية من مجرد خبر عن منصة أغلقت أو أموال صودرت. إنها صورة مصغرة عن شكل الجريمة في القرن الحادي والعشرين. جريمة بلا مصنع مرئي. بلا حدود. بلا وجه ثابت. وبلا لغة واحدة. وقد تكون هذه هي المفارقة الكبرى: كلما أصبحت التكنولوجيا أكثر قدرة على ربط البشر، أصبحت قادرة أيضا على ربط المجرمين. الأنترنت الذي وعد بأن يجعل العالم قرية، جعل القرية أيضا سوقا عالمية للكذب. لكن التاريخ لا ينتهي هنا. ففي كل عصر كان الإنسان يبتكر أداة، ثم يتعلم بعد ذلك كيف يمنع الأداة من ابتلاعه. النار أحرقت، ثم طبخنا بها. السيف قتل، ثم صنعنا له قانونا. المال أغرى، ثم بنينا المصارف والقوانين. والذكاء الاصطناعي والمنصات والعملات المشفرة ستحتاج بدورها إلى أخلاق وقواعد ومؤسسات قادرة على ملاحقة السرعة التي تتحرك بها. لأن المشكلة ليست في أن الإنسان اخترع آلة تستطيع أن تكذب. المشكلة في أن الإنسان قد ينسى أن الآلة لا تملك ضميرا. والضمير لا يمكن تنزيله من متجر التطبيقات.

فحين تصمت الشاشات في أحد تلك المجمعات الثلاثة عشر، وحين توضع آلاف الهواتف في صناديق الأدلة، وحين تتوقف الرسائل عن الوصول إلى الضحايا، سيبدو المكان ربما كمدرسة بعد انتهاء الدوام. كراس هنا. كرسي هناك. سلك. شاشة سوداء. غرفة فارغة. لكن الحقيقة أن شيئا لن يكون فارغا. ستبقى في الهواء أرواح أناس صدقوا. وستبقى خلف كل رقم امرأة كانت تريد أن تحب. ورجل كان يريد أن يتقاعد بكرامة. وأم كانت تريد أن تساعد أبناءها. وشاب كان يريد أن يخرج من الفقر. إنها ليست أرقاما. إنها أحلام، والأحلام حين تدخل السوق يصبح لها سعر. وهذا ربما هو الدرس الأكثر قسوة في حكاية مدغشقر: لم تعد الجريمة تسرق الذهب من الخزائن. إنها تجلس أمامك، تبتسم، وتسألك عن حلمك. ثم تسرقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *