بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في البندقية، حيث اعتادت الشاشة أن تلمّع أحلام البشر وتمنح الوحوش أسماء جميلة، جاء فيلم إسرائيلي صغير كحجر أسود في حذاء مهرجان كبير. لم يأتِ «NAZA» ليعرض الحرب، بل ليقترب من المطبخ البارد الذي تُطبخ فيه الحرب: من الغرف التي تتحول فيها حياة الإنسان إلى رقم، ومن الشاشات التي يمكن أن يصبح فيها بيتٌ مأهول مجرد نقطة مضيئة، ومن اللغة حين تُستخدم لتخفيف وقع الدم. ولهذا ربما كان التصفيق الطويل الذي استقبل الفيلم في البندقية أكثر من تصفيق لفيلم؛ كان، في لحظة ما، أشبه بمحاولة جماعية لاستعادة شيء فقدته اللغة نفسها: القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
الفيلم، الذي أخرجه الصحافيان الإسرائيليان يوڤال أبراهام وراشيل زور، وصُوّر جزء منه ليلا فوق أسطح تل أبيب، يدخل إلى البنية التي تقف وراء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، مستندًا إلى شهادات عسكرية واستخبارية إسرائيلية جرى إخفاء هوية أصحابها. وتقول المواد التعريفية الرسمية للمهرجان إن الفيلم يحاول كشف الأنظمة التي تقف وراء ما يصفه بأنّه قتل جماعي محسوب للمدنيين الفلسطينيين. لكن قوة «NAZA» لا تكمن فقط في الاتهام. الاتهام سهل، خصوصا في زمن صار فيه العالم منقسما إلى معسكرات، وكل معسكر يمتلك قاموسه الخاص للدم. القوة الحقيقية تكمن في أن الفيلم، بحسب بنائه، يحاول نقل السؤال من «من الشرير؟» إلى سؤال أشد إزعاجا: كيف تتحول مؤسسة بأكملها إلى آلة تستطيع أن تقتل من دون أن يشعر كل فرد فيها بأنه قاتل؟
وهنا يبدأ الفيلم في مغادرة السياسة ودخول الفلسفة. فالقتل الفردي يحتاج إلى يد. أما القتل المنظم فيحتاج إلى نظام، وإلى لغة، وإلى ملفات، وإلى شاشات، وإلى أوامر، وإلى ألف تفصيل صغير يجعل المسؤولية موزعة إلى الحد الذي يبدو معه الجميع أبرياء، بينما يكون الميت وحده صاحب الحقيقة الكاملة. كأن الحرب الحديثة، في أقصى درجات برودها، اخترعت طريقة لكي تقول للإنسان: لم نقتلك نحن؛ لقد قتلتك المنظومة. وهذا هو الرعب الحقيقي. فـ«NAZA» لا ينظر فقط إلى الجثة؛ ينظر إلى اللحظة التي تسبق الجثة، إلى القرار الذي يسبق الصاروخ، وإلى اللغة التي تسبق القرار. ومن هنا تأتي أهمية عنوان الفيلم نفسه، الذي يرتبط باختصار عسكري يُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة جوية، وفق مواد تعريفية للفيلم.

يا أمي خيرة، لو جلست أمام هذه الشاشة، ربما لم تكن تحتاج إلى كل هذه المصطلحات العسكرية. كانت ستقول، بلهجتها التي تختصر كتبا كاملة: «يا بنتي، كي يولي الإنسان رقم، راه مات قبل ما يموت». وهذه الجملة الشعبية البسيطة تكاد تكون مفتاح الفيلم كله. لأن أخطر مراحل العنف ليست حين تسقط القنبلة، بل حين يسقط الإسم. حين لا يعود الطفل طفلا، بل «خسارة جانبية». وحين لا يعود البيت بيتا، بل «هدفا». وحين لا تعود العائلة عائلة، بل «عددا متوقعا». وحين تصبح كلمة «مدني» مجرد خانة في تقرير. هنا تشتغل الآلة على الإنسان قبل أن تشتغل عليه القنبلة. وما يجعل «NAZA» أكثر إيلاما هو أن أصواتا إسرائيلية هي التي تدخل إلى هذا المكان المظلم. فالمخرجان لا يتحدثان من خارج المجتمع الإسرائيلي فقط، بل يستخدمان موقعهما كإسرائيليين للنظر في النظام الذي يقولان إنه ارتكب هذه الأفعال. وفي بيان لهما نشرته البندقية، قالا إنهما صنعا الفيلم بدافع شعورهما بواجب استخدام موقعهما كإسرائيليين لتحليل الأنظمة التي تقف وراء قتل المدنيين الفلسطينيين. وهنا ينبغي أن نتوقف. لأن في وسط الخراب توجد نافذة صغيرة، وربما هي أجمل ما في الحكاية كلها: أن يخرج من داخل الجماعة صوت يرفض أن يجعل الانتماء عذرا للصمت.
ليست هذه المسألة تفصيلا أخلاقيا. إنها جوهر فكرة المواطنة نفسها. أن تكون إسرائيليا لا يعني أن توافق على كل ما تفعله الدولة الإسرائيلية، كما أن كونك فلسطينيا لا يعني أن تكون مسؤولا عن كل فعل يصدر باسم الفلسطينيين. الإنسان أوسع من العلم المرفوع فوق رأسه، والضمير لا يحمل جواز سفر. وهنا تفوح، وسط رائحة الحرب، رائحة أخرى نادرة: رائحة الأخوّة. ليس المقصود أخوّة رومانسية ساذجة، ولا تلك العبارة الجميلة التي تُقال في المؤتمرات ثم تُدفن في اليوم التالي. بل أخوّة شاقة، تبدأ حين يقول الإنسان: إن دم الآخر ليس أرخص لأنني ولدت خلف حدود مختلفة. الفيلم، بهذا المعنى، لا يصبح مهمًا فقط لأنه يهاجم سياسة أو مؤسسة، بل لأنه يفتح سؤالًا أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يصبح دفاعه عن جماعته أقوى من دفاعه عن إنسانيته؟
قديما، كانت الحروب تحتاج إلى السيوف. اليوم تحتاج أحيانا إلى شيء أكثر خطورة: إلى مفردات نظيفة. فاللغة تستطيع أن تغسل الدم قبل أن يصل إلى الأذن. «عملية»، «هدف»، «أضرار جانبية»، «معلومة استخبارية»، «تهديد»، «ضرورة أمنية»… كلمات تبدو محايدة حين تُقرأ في تقرير، لكنها قد تخفي وراءها مطبخا كاملا من الألم. ولهذا يبدو «NAZA» كأنّه يحاول إعادة الأسماء إلى الأشياء. البيت بيت. والطفل طفل. والأم أم. والميت ليس «رقما». وهذه القضية ليست قضية فلسطينية فقط، ولا إسرائيلية فقط. إنها قضية الإنسان حين يتعلم كيف يقتل الإنسان من دون أن يرى وجهه. لقد حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في البندقية، في دورة كان فيها «Woman Unknown» لماي الطوخي هو الفائز بالأسد الذهبي. وربما كان من اللافت أن يتجاور الفيلمان في مهرجان واحد: فيلم عن جسد امرأة يحمل عار الحرب القديمة، وفيلم عن أجساد فلسطينية تحمل آثار حرب لم تنته. كأن البندقية، من حيث لا تدري، وضعت مرآتين متقابلتين. في المرآة الأولى نرى كيف تستمر الحرب داخل الإنسان بعد انتهائها. وفي الثانية نرى كيف تستمر الحرب لأن الإنسان لم يتعلم بعد كيف ينظر إلى ضحيتها بوصفها إنسانا. وهنا تعود أمي خيرة إلى الكلام: «الظلم كي يدخل من الباب، يخرج العقل من الشرجم». إنها فلسفة شعبية كاملة. فالظلم لا يكتفي بأن يقتل ضحيته؛ إنه يفسد أيضا قدرة الجماعة على رؤية الحقيقة.
ولهذا فإن قيمة «NAZA» لا ينبغي أن تُقاس فقط بما إذا كان كل مشاهد سيقبل استنتاجاته السياسية أم لا. الفيلم الوثائقي الجاد لا يطلب من المشاهد أن يستبدل عقله بعقل المخرج. إنه يفعل العكس: يوقظ العقل من نومه. والجيش الإسرائيلي رفض بشكل قاطع الاتهامات التي يوجهها الفيلم، وهي نقطة يجب ألا تُحذف من أي قراءة مسؤولة للعمل. لكن وجود الرفض لا يلغي السؤال الذي يضعه الفيلم على الطاولة؛ كما أن الفيلم، في المقابل، لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة مكتملة الأركان لمجرد أنه عُرض في مهرجان كبير. بين الوثيقة والحكم مسافة، وبين الشهادة والإثبات أيضا مسافة. وهذه المسافة بالذات هي المكان الذي ينبغي للصحافة الجادة أن تسكنه. لا تقديس الفيلم، ولا شيطنته. لا تحويله إلى منشور سياسي، ولا إفراغه من شحنته الأخلاقية باسم «الحياد». بل النظر إليه بعينين مفتوحتين. عين ترى ما يقدمه من شهادات ووثائق وأسئلة، وعين أخرى تتذكر أن الحقيقة في زمن الحرب تحتاج إلى تدقيق بقدر ما تحتاج إلى شجاعة. وربما هذه هي مفارقة «NAZA» الجميلة: فيلم عن آلة القتل يذكّرنا بأن مقاومة القتل تبدأ أحيانا من فعل يبدو بسيطا جدا: أن نرفض أن يصبح الآخر رقما.

من هنا، لا يعود التصفيق في البندقية مجرد تصفيق سينمائي. قد يكون بعضه تصفيقا للسينما حين تستعيد وظيفتها القديمة: أن تفتح نافذة في جدار مغلق. وقد يكون بعضه تصفيقا لأولئك الإسرائيليين الذين اختاروا أن يقولوا إن نقد القوة ليس خيانة، وإن الاعتراف بألم الفلسطيني لا يمحو ألم الإسرائيلي، وإن العدالة لا تحتاج إلى كراهية أحد كي تنتصر. وهذه الفكرة، وحدها، تستحق أن تُحمى من ضجيج المعسكرات. ففي الشرق الأوسط، حيث صار كل طرف يطلب من الآخر أن يختار بين ذاكرته وذاكرة خصمه، يأتي الفن أحيانا ليقول شيئا أكثر حكمة: يمكن أن نحمل أكثر من جرح في الذاكرة نفسها. يمكن أن نعترف بألم الإسرائيلي من دون أن ننكر ألم الفلسطيني. يمكن أن ندين قتل المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين معا. يمكن أن نرفض معادلة الدم بالدم. ويمكن، وهذا هو الأصعب، أن نقول إن حياة الطفل لا تصبح أقل قيمة لأنّ السماء التي سقط منها الصاروخ تحمل علما لا نحبه.
في آخر الأمر، ليست المسألة أن يكون «NAZA» فيلما فلسطينيا أو إسرائيليا. إنه فيلم عن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مهددا بأن يفقد اسمه. وحين يفقد الإنسان اسمه، تبدأ كل الكوارث. لذلك ربما كانت أعظم مقاومة يمكن أن تقدمها السينما للحرب ليست أن تصرخ أعلى من المدافع، بل أن تفعل شيئا أكثر تواضعًا وأكثر خطورة: أن تجعلنا نرى وجها. وجه طفل. وجه أم. وجه جندي. وجه شاهد. وجه إنسان. وحين نرى الوجه، يصبح قتل صاحبه أصعب قليلا. وهنا، في تلك المسافة الصغيرة بين العين والضمير، قد تبدأ أول حكاية للسلام. ليس سلام الشعارات. بل السلام الذي يشبه خبز أمي خيرة: بسيطًا، ساخنًا، لا يسأل الجائع عن اسمه ولا عن علمه قبل أن يمنحه قطعة. وربما، في عالمٍ امتلأ بالخرائط والحدود والجيوش، لا نحتاج في النهاية إلى معجزة أكبر من هذه: أن يعود الإنسان إنسانا في عين الإنسان. فإذا نجح «NAZA» في أن يجعل هذه العودة ممكنة، ولو للحظة، فقد فعل شيئًا يتجاوز السينما. لقد وضع مرآة أمام عصرنا. والمرايا، كما تقول الحكمة القديمة، لا تقتل أحدا. إنها فقط تمنعنا من الكذب على وجوهنا.
