بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أشياء لا تلوث الأنهار وحدها، بل تلوث أيضا الخيال. من بينها تلك الفكرة العجيبة التي أقنعتنا، على مدى سنوات، بأن الثوب الذي سبق أن لبسه شخص آخر يحمل عارا لا يحمله الثوب الجديد، وأن أن تلبس ابنتك فستان ابنة جارتك ليس اقتصادا ولا تضامنا ولا احتراما للأرض، بل «حشومة» و«تبهديل». يا لها من كلمة صغيرة، «الحشومة»، حين تكبر في الرأس تصبح مصنعا. مصنعا للكبرياء. ومصنعا للقمامة. ومصنعا آخر يرسل نساء ورجالا آلاف الكيلومترات بحثا عن قميص لم يعد يريده الأوروبي، بعد أن أقنعنا السوق أن ما رفضه الآخر هو بالضبط ما ينبغي لنا أن نتباهى به. ثمة شيء عبثي في المشهد: أوروبا التي بدأت تتحدث بجدية عن إعادة الاستعمال والاقتصاد الدائري وتقليل هدر الملابس، بينما نرى في مجتمعات عربية نساء يركبن الطائرات، أو يعبرن الحدود والأسواق والمسافات، من أجل أن يعدن بحقائب ممتلئة بأشياء كان من الممكن أن تعيش حياة ثانية في مكان آخر. وليس في الأمر ما يدعو إلى جلد الذات. فالمسألة أعمق من امرأة اشترت فستانا. إنها قصة مجتمع كامل أعاد تعريف الكرامة حتى صارت الكرامة أحيانا هي القدرة على شراء ما لا تحتاج إليه.
في تقرير جديد لـOxfam France، تظهر مفارقة شديدة الدّلالة: ليست كل «ثانية يد» متساوية بيئيا. فالمنظمات التضامنية التي تجمع الملابس وتفرزها وتعيد بيعها محليا يمكن أن تكون أقل أثرا من بعض نماذج إعادة البيع الرقمية التي تحتاج إلى تغليف وشحن ونقل ومرتجعات. وفي النموذج الذي درسه التقرير، تبلغ البصمة الكربونية لخمسة كيلوغرامات من الملابس نحو 0.6 كيلوغرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون عبر نموذج إعادة الاستخدام التضامني، مقابل 3.1 كيلوغرامات عبر منصات إعادة البيع الإلكترونية. أي أن حتى «الثوب المستعمل» صار له اقتصاد أخضر واقتصاد أقل اخضرارا. صار للفضيلة نفسها كربون. وهذه مفارقة من النوع الذي يجعل المرء يشك في قاموسه كله. فنحن كنا نظن أن المشكلة هي في شراء الجديد، ثم اكتشفنا أن طريقة شراء القديم مهمة أيضا. لكن Oxfam لا يقول إن شراء المستعمل سيئ؛ بل على العكس، يؤكد أن اقتناء الملابس المستعملة يظل عموما أفضل من شراء الجديد، ويدعو في الوقت نفسه إلى تقليل حجم الملابس الجديدة التي تدخل السوق أصلا. وهنا ينبغي أن نخرج من لعبة «من الأفضل؟» إلى سؤال أكثر إزعاجا: لماذا نحتاج إلى كل هذه الملابس أصلا؟
السؤال ليس عن الفستان. السؤال عن الفراغ الذي جعلنا نحتاج إلى فستان جديد كي نملأه. في التسعينيات، كان الثوب في المغرب، بالنسبة إلى كثير من الأسر، شيئا له عمر طويل. كان القميص يعرف صاحبه، ثم أخاه، ثم ابن الجيران. وكانت ملابس الأطفال تنتقل من يد إلى يد كما تنتقل الأسرار الجميلة في القرى: بلا ضجيج. أتذكر، وأنا أدرس مع أستاذات وباحثات ونساء عاملات، كيف كانت بعضهن يتبادلن ملابس الأطفال. واحدة تقول للأخرى: «هذا لم يعد يناسب ابني، خذيه لابنتك». لا أحد كان يشعر بأنه ارتكب جريمة ضد الطبقة الاجتماعية. كان الأمر طبيعيا. اقتصاديا. بيئيا. وإنسانيا. لكن في بعض بيئاتنا، إذا اقترحت اليوم على امرأة واعية أن ترتدي ابنتها فستان ابنة صديقتها، فقد تنظر إليك كأنك دعوتها إلى النوم في محطة قطار. «حشومة.» وهنا تبدأ الكارثة. لأن «الحشومة» حين تنفصل عن الأخلاق تصبح مجرد حارس شخصي للغرور.
يا جاحظنا لو رأيت هذا الزمان لقلت ربما بدارجتنا: «العيب ماشي تلبس كسوة الناس، العيب تلبس عقلك بالمقلوب». وكان سيضحك. ثم يضيف: «اللي كيحشم من رقعة، ما كيحشمش من الخرقة». لأن الإنسان يستطيع أن يخجل من الثوب القديم، ولا يخجل من الإسراف الذي صنعه. وهنا تكمن المفارقة العربية الموجعة: أحيانا نعامل إعادة استعمال الملابس كأنها علامة فقر، بينما هي في مجتمعات أخرى علامة وعي. في أوروبا، يمكن أن تجد أستاذة جامعية، أو باحثة، أو مهندسة، أو موظفة، تشتري من متجر تضامني، أو تلبس معطفا مستعملا، أو تعطي ملابس أطفالها إلى أسرة أخرى. لا أحد يسألها عن «مستواها». لأن المستوى الثقافي لا يقاس بعدد الأكياس التي تخرج بها المرأة من المتجر. هذه نقطة ينبغي أن نضع تحتها خطا أحمر: الوعي لا يعني أن تشتري أكثر؛ الوعي يعني أن تعرف متى تتوقف. ولا ينبغي أن نرسم أوروبا بألوان الملائكة. فالوكالة الأوروبية للبيئة تكشف صورة أكثر تعقيدا بكثير: استهلاك الملابس والأحذية والمنسوجات المنزلية في الاتحاد الأوروبي بلغ في المتوسط 19 كيلوغراما للفرد سنة 2022، بينما بلغ نفايات المنسوجات نحو 16 كيلوغراما للفرد. كما أن أوروبا صدرت نحو 1.4 مليون طن من المنسوجات المستعملة في 2023، وتذهب كميات كبيرة منها إلى إفريقيا وآسيا، حيث قد يعاد استخدامها أو تدويرها، لكن جزءا منها ينتهي أيضا في مطامر أو حرق مفتوح أو مسارات نفايات غير رسمية.

إذن ليست الحكاية أن «الأوروبي صار أخضر ونحن صرنا ملوثين». لا. الحكاية أكثر قسوة وأجمل في الوقت نفسه. إنها حكاية منظومة استهلاك عالمية. الشمال ينتج ويستهلك ويتخلص. والجنوب يستقبل جزءا من فائضه. ثم نشتري أحيانا هذا الفائض بعد أن يكون قد مر عبر سلسلة طويلة من النقل والتجارة والفرز. إنها ملابس تسافر أكثر من أصحابها. قميص يولد في مصنع بعيد، يسافر إلى أوروبا، يدخل متجرا، يلبس مرة أو مرتين، يخرج من الخزانة، يوضع في كيس، يعبر البحر، يصل إلى سوق إفريقي، ثم قد ينتهي في مكب نفايات. قميص واحد. لكن جواز سفره أطول من جواز سفر إنسان. والوكالة الأوروبية للبيئة نفسها تحذر من أن صادرات المنسوجات المستعملة لا تعني بالضرورة «هبة خيرية» ناجحة؛ فقد تضاعفت تقريبا ثلاث مرات منذ عام 2000، من أكثر قليلا من 550 ألف طن إلى نحو 1.4 مليون طن في السنوات الأخيرة. هنا ينبغي أن نكون أكثر ذكاء من الخطاب الأخلاقي السهل. ليس المطلوب أن نقول للأوروبي: «أعطنا ملابسك». ولا أن نقول للعربي: «لا تشتر». المطلوب أن نسأل النظام كله: لماذا ننتج كل هذه الملابس؟ لماذا نحتاج إلى خزانة لا تتسع إلا بعد أن نشتري خزانة أخرى؟ لماذا صار الفستان الذي لم نلبسه منذ عامين أكثر أهمية من الماء الذي نشربه؟ ولماذا أصبح ظهور المرأة في مناسبة اجتماعية امتحانا اقتصاديا؟
هنا يدخل التباهي من النافذة، حافي القدمين، لكنه شديد الذكاء. التباهي ليس مجرد رغبة في الجمال. الجمال بريء. أما حين يصبح الثوب رسالة تقول «أنا أملك أكثر منك»، فقد تحول إلى لغة طبقية. وهكذا لا تشتري بعض النساء الثوب لأنهن يحتجن إليه، بل لأن المجتمع يحتاج إلى أن يراهن به. وهذا فرق هائل. الثوب الذي نحتاج إليه يحمي الجسد. أما الثوب الذي نحتاج إليه كي يرانا الآخرون فهو يحمي صورة اجتماعية. وهذه الصورة لا تشبع. إنها وحش صغير يعيش في الخزانة. كلما أطعمته فستانا طلب معطفا. وكلما أعطيته معطفا طلب حقيبة. وكلما اشتريت الحقيبة سأل: وماذا سيقول الناس؟ وهكذا تتحول الخزانة إلى فم. والإنسان إلى ممون دائم لها. ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتصب البنزين على هذا الحريق. كل يوم وجه جديد. كل أسبوع «لوك» جديد. كل مناسبة تحتاج إلى صورة. كل صورة تحتاج إلى ثوب. وكل ثوب، بعد أن يلمع أمام الكاميرا، يبدأ موته البطيء داخل الخزانة. هكذا أصبحت الملابس في بعض البيئات تشبه الأخبار: عمرها قصير، وسرعة استهلاكها مذهلة.
لكن البيئة لا تملك زر «حذف». المحيط لا يستطيع أن يمسح صورة. والقطعة البلاستيكية التي خرجت من خزانة امرأة لم تعد موضة قد تبقى في دورة الطبيعة زمنا أطول بكثير من الذاكرة التي اشترتها من أجلها. والوكالة الأوروبية للبيئة تحذر من ضغوط واسعة مرتبطة بالمنسوجات، من استهلاك المياه والمواد الخام إلى انبعاثات الغازات الدفيئة والتلوث بالألياف الدقيقة. وتقدر أن استهلاك المنسوجات في الاتحاد الأوروبي كان يتطلب للفرد الواحد نحو 9 أمتار مكعبة من المياه و391 كيلوغراما من المواد الخام، مع بصمة كربونية تقارب 270 كيلوغراما في 2020. تأملوا الرقم الأخير. 270 كيلوغراما. ثم تخيلوا أن كل ذلك قد يبدأ أحيانا من سؤال صغير جدا: «ماذا سألبس في العرس؟» يا لها من مفارقة. نحن نبحث عن فستان لليلة واحدة، بينما تبحث الأرض عن عمر إضافي. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نستعيده من عاداتنا القديمة ليس الفقر، بل الحكمة. أن يتبادل الأطفال الملابس. أن تعطي المرأة صديقتها معطفا لم تعد تحتاج إليه. أن نصلح الثوب بدل رميه. أن نعيد الخياطة إلى مكانها الطبيعي في الحياة. أن نتوقف عن اعتبار القطعة التي سبقتنا إليها يد أخرى قطعة «ناقصة». فالملابس ليست مثل الكرامة. الكرامة لا تنتقل بالاستعمال. أما القميص، فيمكنه أن يعيش ثلاث حيوات. والكرسي عشرا. والكتاب عشرات. والعقل، إذا أحسن استعماله، عمرا كاملا. ربما نحن بحاجة إلى إعادة تعريف كلمة «مستعمل». المستعمل ليس ما مات. المستعمل ما زال حيا. الحياة نفسها إعادة استعمال. الأرض تعيد استعمال الماء. الشجرة تعيد استعمال الضوء. الطبيعة لا تعرف «الاستهلاك النهائي»؛ تعرف الدوران. نحن وحدنا اخترعنا خطا مستقيما غبيا: نشتري. نستهلك. نرمي. ثم نشتري. ثم نرمي. ثم نتساءل لماذا اختنقت الأرض. وفي هذا المعنى، قد تكون المرأة التي ترتدي فستان صديقتها أكثر حداثة من المرأة التي تسافر آلاف الكيلومترات لتشتري عشرين قطعة لا تحتاج إليها. ليس لأن الأولى أفقر. بل لأنها فهمت شيئا لم يفهمه السوق: ليس كل ما تستطيع شراءه يستحق أن تشتريه. وهذه ليست فلسفة فقر. إنها فلسفة حرية. فالعبد الحقيقي ليس من لا يملك. قد يكون العبد هو من لا يستطيع أن يقول: «لا أحتاج».
إن أخطر ما فعلته الموضة بنا أنها جعلت كلمة «لا» تبدو كأنها هزيمة. والمرأة الواعية التي تقول «لن أشتري» قد تكون أكثر تحررا من امرأة تملك خزانة كاملة ولا تستطيع أن تخرج منها دون أن تسأل: ماذا سيقول الناس؟ لذلك، حين نتحدث عن البيئة، لا ينبغي أن نذهب مباشرة إلى البلاستيك والسيارات والمصانع. علينا أن ندخل إلى الخزانة. هناك، بين فستان لم يلبس منذ عامين وحذاء اشتريناه لأن صديقتنا اشترت مثله، توجد واحدة من أكبر معارك القرن. معركة الإنسان ضد حاجته المصطنعة. معركة الكرامة ضد التباهي. معركة العقل ضد الإعلان. ومعركة «الحشومة» ضد الحكمة. وربما ستضحك أمي خيرة مرة أخرى وتقول: «يا بنتي اللي كيشري باش الناس يشوفوه، راه ما شراش الثوب؛ شرا عيون الناس.» ثم تسكت. وهذه المرة لن يكون في البيت من يجيبها. لأن الجملة تكون قد خرجت من فم امرأة بسيطة ودخلت مباشرة إلى قلب الاقتصاد الحديث. فالإنسان لا يحتاج إلى ملابس أكثر. يحتاج إلى معنى أكثر. والثوب الذي يعطى لطفلة من طفلة أخرى ليس مهانة. إنه رسالة. أن العلاقات الاجتماعية يمكن أن تكون أقوى من السوق. أن الجيرة يمكن أن تكون نظاما اقتصاديا صغيرا. أن الصداقة يمكن أن تقلل النفايات. أن التضامن ليس صدقة دائما؛ قد يكون ذكاء جماعيا. وهنا ربما تكون أوروبا قد بدأت تتعلم شيئا نسيناه، أو نحن بدأنا ننسى شيئا كانت جداتنا تعرفنه دون أن يسمينه «اقتصادا دائريا». كانت الجدة تقول: «ما ترميش اللي يقدر ينفع.» أما نحن فصرنا نقول: «هذا قديم.» والفرق بين الجملتين هو الفرق بين حضارة تعرف قيمة الأشياء وحضارة تعرف فقط سعرها.
ربما آن لنا أن نعيد للثوب ذاكرته. أن نسمح له بأن يمر من يد إلى يد دون أن يشعر أحد بالعار. أن نعلّم أطفالنا أنّ المحافظة على البيئة ليست مشروعا للأغنياء ولا موضة للطبقات المتعلمة، بل أدب يومي يبدأ من الخزانة وينتهي عند حدود الكوكب. وأن نكتشف، أخيرا، أنّ أكثر ما يهدد الأرض ليس أن نملك قليلا، بل أن نعتقد أننا بحاجة إلى الكثير كي نشعر أننا شيء. ليست المشكلة في أن نلبس ثوبا مستعملا. المشكلة أن نعيش حياة مستعملة من الآخرين: نشتري ما يريد السوق أن نشتريه، ونخجل مما ينبغي أن نفتخر به، ونفتخر بما ينبغي أن نسأل عنه. والثوب الذي انتقل من طفلة إلى طفلة قد يكون أنظف أخلاقيا من فستان جديد وصل على متن طائرة كي يلبس مرة واحدة أمام الناس. لذلك، إذا كان لا بد من عار، فلنختر عارا آخر. لنخجل من الإسراف. لنخجل من رمي ما يمكن إصلاحه. لنخجل من شراء ما لا نحتاجه. لنخجل من تحويل الأرض إلى خزانة مهجورة. أما أن تلبس امرأة ثوبا سبق أن لبسته امرأة أخرى، فلا أرى في ذلك حشومة. أرى فيه شيئا أكثر ندرة: عقلا لم تستطع الموضة أن تشتريه.

لا عحب في هذا الزمن الرديء.
ليست المشكلة في أن نرتدي ثوبا مستعملًا، بل في أن نعيش أسرى لنظرة الآخرين.الوعي الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن شراء عيون الناس، ونسأل أنفسنا بصدق: هل نحتاج هذا الشيء فعلًا، أم نحتاج فقط أن يرانا الآخرون به؟ عندها يصبح وتصبح إعادة الاستعمال وعيا لا فقرا