قنبلة لا نعرف هل ستضيء العالم أم تحرقه؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك شيء مرعب في هذه القصة لا علاقة له بالروبوتات ولا بالخوارزميات ولا بتلك الكلمات الباردة التي يرددها خبراء التكنولوجيا كأنهم يقرؤون وصفة طبخ: الذكاء الاصطناعي، المخاطر، السلامة، التنظيم، التسارع. المرعب حقا أن الذين صنعوا القنبلة بدأوا هم أنفسهم يطلبون منا أن نبطئ قليلا. دائما يحدث ذلك متأخرا. حين اخترع الإنسان النار، لم يجلس أولا ليسألها إن كانت ستطبخ له الخبز أم ستحرق الغابة. أشعلها، ثم اكتشف بعد آلاف السنين أن النار لا تملك أخلاقا. هي تحرق بيت الفقير كما تحرق قصر الغني. لا تسأل صاحب اليد: ماذا تنوي؟ والذكاء الاصطناعي يشبه نارا دخلت الجامعة. هذه المرة لم نمنح النار عود ثقاب فقط؛ منحناها الكتب، والمختبرات، واللغات، والصور، والأرقام، وأجزاء هائلة من ذاكرتنا البشرية، ثم قلنا لها: فكري. وهنا تبدأ الحكاية الغريبة.

بعض كبار صانعي الذكاء الاصطناعي يقولون الآن: تمهلوا. افهموا المخاطر. ضعوا حواجز. لا تركضوا إلى المجهول وأنتم مغمضو العينين. وفي المقابل، تقف وراء السباق حسابات أخرى: الصين، الولايات المتحدة، التفوق العسكري، الاقتصاد، الشركات، النفوذ، ومن يسبق الآخر إلى المستقبل. لقد أصبح التباطؤ نفسه قضية جيوسياسية؛ لأن من يضغط على الفرامل يخشى أحيانا أن يكون خصمه قد ضغط على دواسة الوقود. وهذه ليست رواية خيال علمي، بل معضلة سياسية واقتصادية حقيقية. فتقول لك أمي خيرة، وهي تقشر البطاطا كأنها تفكك قنبلة نووية: «يا بنتي، اللي يجري وراء الريح ما يسألهاش وين غادي، حتى تدخل الريح من الشباك وتطير له السقف.» ثم تسكت قليلا وتضيف: «واللي يربي العقرب في جيبه، ما يلوموش إذا لسعه.» لكن الفيلسوفة، التي كانت جالسة قرب النافذة وتحدق في مصباح الشارع، اعترضت: «ليس العقرب هو المشكلة يا أمي خيرة. المشكلة أن الإنسان يريد أن يملك العقرب، ثم يريد منه أن يقرر متى يلسع.»

وهنا تصبح المسألة أكثر رعبا. نحن لا نخاف فقط من أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى منا. نخاف، في الحقيقة، من شيء أكثر تواضعا وأكثر واقعية: أن يصبح أقوى من قدرتنا على مراقبته. أن نمنحه قدرة على كتابة البرمجيات، وتحليل المعلومات، واكتشاف الثغرات، والمساعدة في العلوم، وتطوير الأسلحة، والتأثير في الناس، ثم نكتشف ذات صباح أن سرعة النظام أصبحت أكبر من سرعة المؤسسات التي يفترض أن تحكمه. وهذا ليس شبحا فلسفيا محضا. تقارير حديثة عن إساءة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي أظهرت بالفعل استخدامها في عمليات إلكترونية واحتيال ومراقبة وتطبيقات مرتبطة بالأسلحة والبيولوجيا. المشكلة ليست أن الآلة «شريرة»، بل أن قدرتها يمكن أن تضخم نية الإنسان، السيئة منها والحسنة، بسرعة لم نعتد عليها. وهنا تكمن المفارقة السوداء: نحن نخشى أن يصبح الذكاء الاصطناعي إنسانا. بينما ربما ينبغي أن نخشى أن يصبح الإنسان أكثر شبها بالآلة. لأن الآلة لا تكره أحدا. ولا تحقد. ولا تنتقم. ولا تغار من جارتها. لكن الإنسان يفعل.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد طبيبا على اكتشاف مرض، وأن يساعد عالما على البحث، وأن يوسع التعليم والمعرفة، وأن يفتح أبوابا كانت مغلقة أمام ملايين البشر. هذه ليست وعودا فارغة؛ حتى الشركات التي تحذر من مخاطر النماذج المتقدمة تتحدث في الوقت نفسه عن إمكاناتها الهائلة في العلوم والطب والتعليم والإبداع. إذن، هل هي قنبلة للدمار أم آلة للبناء؟ الجواب الأكثر إزعاجا هو: يمكن أن تكون الاثنين معا. فالسكين التي تقطع الخبز يمكن أن تقطع الرقبة. والكهرباء التي أضاءت المدن يمكن أن تشغل غرفة التعذيب. والطائرة التي حملت العاشق إلى حبيبته يمكن أن تحمل القنبلة إلى مدينة. لم تكن المشكلة يوما في الأداة وحدها. المشكلة في الإنسان حين يمنح الأداة قوة أكبر من حكمته. وهذا هو السؤال الذي يهرب منه العالم كله: إذا كانت البشرية لم تستطع حتى الآن الاتفاق على ما هو الصواب في أبسط القضايا الأخلاقية، فكيف ستتفق على قواعد تحكم شيئا قد يصبح قادرا على إعادة تشكيل الاقتصاد والحرب والسياسة والمعرفة؟ هل نحتاج إلى إيقاف الذكاء الاصطناعي؟

ربما لا. نحتاج إلى شيء أصعب: أن نتعلم كيف لا نتركه يركض أسرع من عقلنا السياسي والأخلاقي. فالفرامل ليست عداء للسيارة. والإشارة الحمراء ليست مؤامرة ضد السرعة. وأحيانا يكون أذكى قرار يمكن أن يتخذه الإنسان هو ألا يضغط على الزر. أمي خيرة كانت ستقولها بطريقة أبسط: «يا بنتي، اللي ما يعرفش الطريق، يمشي بشوية. الجري ما يردش الضال إلى داره.» أما الفيلسوفة فتذهب أبعد: «الحضارة ليست أن نصنع قوة أكبر من الإنسان. الحضارة أن نصنع إنسانا أكبر من القوة التي صنعها.» ربما لهذا السبب تبدو دعوات التباطؤ مخيفة بقدر ما تبدو ضرورية. لأن العالم لا يريد أن يتوقف. السوق لا يتوقف. الجيوش لا تتوقف. الدول لا تتوقف. والشركات لا تحب كلمة «انتظر». كل واحد يقول للآخر: إذا توقفت أنا، سيتقدم هو. وهكذا يصبح الجميع أسرى سباق لا يريد أحد أن يعترف بأنه سباق.

إنها واحدة من أكثر مفارقات عصرنا سخرية: قد يكون الجميع خائفا من المستقبل، ومع ذلك يركض الجميع نحوه بأقصى سرعة. كأن ركاب سفينة يرون الجبل أمامهم، فيتشاجرون حول من يملك الدفة، بينما لا أحد يسأل لماذا لا نخفف السرعة. وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال الحقيقي: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان؟ بل: هل سيصبح الإنسان أكثر حكمة قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قوة؟ تلك هي القنبلة. ليست الآلة. بل الفارق بين القوة والحكمة. لأن العالم قد ينجو من آلة فائقة الذكاء إذا كان البشر الذين يمسكون بمقبضها حكماء. أما إذا امتلكنا أعظم عقل اصطناعي في التاريخ، وبقيت في أيدينا غرائز القبيلة القديمة نفسها – الجشع، والخوف، والحرب، والهيمنة، والرغبة في أن أكون أولا ولو احترق الجميع – فإننا لن نكون قد اخترعنا مستقبلا جديدا. سنكون قد أعطينا الماضي محركا أسرع. وحين سألت أمي خيرة: «وهل تخافين من الذكاء الاصطناعي؟» ضحكت وقالت: «أنا نخاف من الإنسان اللي يخليه يخدم وحدو.» ثم عادت إلى تقشير البطاطا. كأنها لم تقل شيئا. لكنني نظرت إلى السكين في يدها، وإلى الهاتف على الطاولة، وإلى العالم خارج النافذة، وفكرت أن الحضارة كلها ربما معلقة بين هذين الشيئين: يد تعرف كيف تستخدم السكين، وعقل يعرف متى يضعها جانبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *