بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في فرنسا، بلد فولتير الذي كان يسخر من العالم كي ينقذ العقل من نفسه، ظهر رجل يريد أن يعيد عقارب التاريخ إلى الوراء، ثم سمّى ذلك، بوجه لا يرفّ له جفن: «الترحيل العكسي». إيريك زمور لا يتحدث هذه الأيام عن الهجرة كما يتحدث السياسي عن مشكلة؛ يتحدث عنها كما يتحدث حفّار قبور عن فائض الموتى. يرفع كلمة «remigration» من جيبه كمن يخرج مسدسا قديما من درج الجدّة، ينفض عنه الغبار، ثم يقول للأمة: وجدتها! هذه هي الإجابة. لكن الإجابة عن أي سؤال؟ هنا يبدأ العبث. الرجل الذي لم يعلن ترشحه رسميا بعد، والذي يقول محيطه إنه جمع نحو 350 تعهدا من أصل 500 المطلوبة للترشح، قرر أن يطلّ على الفرنسيين من نافذة الذكاء الاصطناعي. ثم فجأة، مثل غراب يخرج من قبعة ساحر: «الترحيل». كأن الروبوت، بعد أن يتعلم الحساب واللغة والشطرنج، سيستيقظ ذات صباح ويسأل صاحبه: «سيدي، أين نضع المهاجرين؟».
وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي، في هذه الحكاية الغريبة، ليس فقط ثورة صناعية، بل موظفا جديدا في وزارة الهجرة. يقول زمور إن فرنسا يجب ألا تكتفي بـ«صفر هجرة»، بل عليها أن تصل إلى «هجرة سلبية». عبارة تبدو، للوهلة الأولى، كأنها خرجت من مختبر رياضيات، لكنها في السياسة شيء آخر تماماً: تحويل البشر إلى أرقام قابلة للطرح، وكأن المجتمع معادلة حسابية، وكأن الإنسان رقم زائد في جدول إكسل، فإذا اختلّ التوازن، نضغط زر الحذف. وهنا تكمن خطورة الكلمة. فاللغة السياسية لا تقتل بيديها؛ إنها تهيّئ الطاولة فقط. «الترحيل العكسي» كلمة باردة، نظيفة، تكاد تكون إدارية. لا رائحة فيها، ولا حقائب، ولا أبواب تُغلق، ولا أمّ تفتش عن ابنها في محطة قطار. إنها كلمة تصلح لأن تُكتب على ملفّ في وزارة، بينما وراء الملف وجوه وبيوت وذاكرة وأطفال يتكلمون الفرنسية بلكنة آبائهم، أو بلكنة لا يعرفون من أين جاءت. وهذه هي براعة السياسة حين تتحول إلى مسرح أسود: أن تجعل الكارثة تبدو مثل إجراء إداري.
تقول أمي خيرة، لو سمعت الرجل يتحدث عن «الهجرة السلبية»: «يا وليدي، كي تحسب الناس بالحساب، تنسى أن لكل واحد منهم قلبا ماشي آلة حاسبة». ثم تضيف، وهي تقلب الكسرة في الحليب: «اللي يحفر حفرة للناس، لازم يسأل الريح وين ماشية». وقد لا تكون أمي خيرة فيلسوفة بالمعنى الأكاديمي، لكنها تعرف شيئا عجزت عنه كتب كثيرة: الإنسان لا يمكن إرجاعه إلى المكان الذي جاء منه بمجرد أن تأمره بذلك. فالزمن ليس سيارة أجرة. لا تستطيع أن تقول له: ارجع من حيث أتيت. والأكثر غرابة أن زمور نفسه يعرف، أكثر من غيره، أن الهوية ليست قلعة حجرية ذات باب واحد. فهو فرنسي، نعم، لكنه وُلد لعائلة يهودية من أصول جزائرية. وهذه الحقيقة لا تنقص شيئا من فرنسيته، ولا ينبغي أن تنقص شيئا. بالعكس، إنها تذكير صغير بأن فرنسا نفسها ليست تمثالا وُلد مكتمل الملامح في صباح غالي، ثم ظل واقفا بلا تاريخ.
فرنسا نهر، لا حجر. دخلتها شعوب، وخرجت منها شعوب، واختلطت فيها اللغات والدماء والأفكار والأطعمة والأغاني والجنود والعمال واللاجئون والتجار. وحتى كلمة «فرنسا» التي يرفعها بعضهم كأنها نزلت من السماء مكتوبة على لوح من الرخام، هي في نهاية المطاف قصة طويلة من التحولات. لهذا يبدو المشهد أحيانا كأنّه نكتة سوداء كتبها التاريخ بنفسه: رجل ينحدر من عائلة مهاجرة يريد أن يقنع بلدا تشكل عبر قرون من الحركة البشرية بأنّ الحل هو عكس الحركة. لكن المفارقة ليست في أصله. المفارقة في الفكرة. فالإنسان لا يصبح أقل فرنسية لأنّ جده جاء من الجزائر، أو السنغال، أو إيطاليا، أو بولندا، أو البرتغال. كما لا يصبح أكثر فرنسية لأن شجرة عائلته أقدم في التراب الفرنسي.
الوطن ليس مسابقة في أقدمية القبور. ومن هنا يمكن فهم محاولة زمور تغيير صورته السياسية في أفق 2027. بعد أن كان في 2022 يعتمد بقوة على الخطاب الهوياتي والهجرة، يبدو أنه يريد هذه المرة أن يتحدث أكثر عن الاقتصاد والمال والذكاء الاصطناعي، مستفيدا من حضور سارة كنافو وأفكارها حول المالية العامة. حوالي 4 في المئة في نوايا التصويت، وفق ما أورده التقرير، بعيد جدا عن مارين لوبان التي تتراوح في الاستطلاعات الأخيرة حول 30 إلى 35 في المائة. لذلك يبدو أن المعركة ليست فقط مع الرئيس القادم، بل مع صورته القديمة أيضا. زمور يريد أن يقول للناخب: لست الرجل الذي يتحدث فقط عن المهاجرين؛ أنا الرجل الذي سيتحدث عن المستقبل. لكن المستقبل، في يده، يدخل من باب الذكاء الاصطناعي ويخرج من باب «الترحيل». وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا. لأن السؤال الحقيقي ليس: هل فرنسا تحتاج إلى سياسة هجرة أكثر صرامة؟
هذا سؤال مشروع في أي ديمقراطية. السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث عندما تصبح الهجرة المفتاح الذي يفتح به السياسي كل الأبواب، حتى باب الاقتصاد، وباب الصناعة، وباب النووي، وباب الذكاء الاصطناعي، وباب الدين العام؟ عندها تصبح الهجرة مثل ذلك المفتاح العجيب في الحكايات الشعبية الذي يفتح كل شيء، حتى الأشياء التي لا أقفال لها. عجز الموازنة؟ المهاجرون. نقص العمالة؟ المهاجرون. أزمة الهوية؟ المهاجرون. الذكاء الاصطناعي؟ المهاجرون. وربما غدا، إذا احترقت شجرة في إحدى غابات فرنسا، سيأتي أحدهم ليقول إن جذورها وصلت عبر البحر المتوسط. هذا هو الخطر الفكري في اختزال السياسة في خصم واحد. حين يصبح لديك عدو يفسر كل شيء، فإنك لم تعد تملك تفسيرا لأي شيء. وقد يكون زمور، في الحقيقة، أقل اهتماما بالمهاجر نفسه من اهتمامه بالكلمة التي يصنعها المهاجر داخل مخيلة الناخب: «الخوف». الخوف مادة سياسية مذهلة. لا يحتاج إلى مصنع، ولا إلى كهرباء، ولا إلى مفاعل نووي. يكفي أن تضع له اسما. «Remigration». كلمة واحدة، وتصبح الحدود جدارا، والجار احتمالا، والطفل سؤالا، والذاكرة جريمة محتملة. لكن فرنسا التي يريد زمور إنقاذها من المستقبل قد تكون، من حيث لا يدري، هي نفسها فرنسا التي صنعها التاريخ. تلك فرنسا التي تقول للآخر: تعال، تعلم لغتنا، اعمل، اختلف معنا، ناقشنا، ثم تصبح جزءا من الحكاية.
ليست المسألة أن نفتح الأبواب بلا شروط، ولا أن ننكر مشاكل الهجرة، ولا أن نعامل الدولة كفندق بلا قوانين. الدولة تحتاج حدوداً وقوانين وسياسة اندماج ومسؤولية، وكل ذلك قابل للنقاش العقلاني. لكن السياسة العاقلة تميز بين إدارة الهجرة وإدارة البشر. الأولى قانون. والثانية قد تتحول إلى كابوس. لذلك، ربما ينبغي أن نسأل زمور سؤالا بسيطا, بسيطا إلى درجة أنه قد يزعج كل الخطابات الكبيرة: حين تقول «الترحيل العكسي»، إلى أين تريد أن يعود الإنسان الذي وُلد هنا؟ إلى أين يعود ابن المهاجر الذي لم يعرف بلدا آخر؟ إلى أين تعيد شخصا قضى ثلاثين عاما في فرنسا؟ إلى أي زمن؟ إلى أي عنوان؟ إلى أي نسخة من نفسه؟ ثم ماذا تفعل بالذكريات؟ هل تُرحّل أيضا؟ هل نضع طفولة الإنسان في شاحنة، ونكتب على الصندوق: «إلى بلد الأصل»؟ أم أن الذاكرة، تلك الحيوانة الصغيرة العنيدة، ستظل مختبئة تحت السرير الفرنسي، ترفض المغادرة؟ ربما لهذا السبب تحديدا تبدو «الترحيل» كلمة أكبر من أن تكون مجرد سياسة. إنها امتحان لفكرة الإنسان نفسها.
قد لا يكون السؤال: ماذا يريد إيريك زمور أن يثبت؟ بل: ماذا يريد منا نحن أن نصدّق؟ أن المستقبل يمكن أن يُبنى بالعودة إلى الوراء؟ أن الهوية يمكن تنظيفها مثل زجاج النافذة؟ أن التاريخ يمكن فرزه إلى «نحن» و«هم»؟ أم أن فرنسا، مثل كل البلدان التي عاشت طويلا، أكثر تعقيدا من أن تُختصر في شعار؟ أمي خيرة كانت ستغلق التلفاز وتقول: «يا ابني، البلاد اللي تخاف من الناس، تولّي تخاف من ظلّها.» ثم تنام. ويبقى السياسيون مستيقظين، يحصون المهاجرين. أما التاريخ، ذلك الوحش الأخرس، فيجلس في الزاوية ويضحك. لأنه يعرف شيئا لا تريد الحملات الانتخابية أن تعرفه: لا أحد يستطيع أن يعيد الإنسان إلى الوراء. يمكنه أن يطرده من الحدود، ربما. لكن لا أحد يستطيع أن يطرد ذاكرته من التاريخ.
