سبتة ومليلية: ازدواجية المعايير وحدود الخطاب الديمقراطي

بقلم الإعلامي حيمري البشير كوبنهاغن – الدنمارك

تكشف قضية سبتة ومليلية، بين الحين والآخر، عن مفارقة عميقة في الخطاب السياسي الإسباني والأوروبي: كيف يمكن لدولة أن تجعل من احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها مبدأ ثابتا في خطابها الخارجي، ثم تتعامل مع قضية إقليمية أخرى بمنطق مختلف حين يتعلق الأمر بمدينتي سبتة ومليلية والجزر المحتلة؟ لقد أظهرت ردود الفعل الإسبانية على أحداث سبتة حجم الحساسية التي ما تزال تحيط بالمدينتين، كما كشفت أن جزءا من النقاش السياسي والشعبي في إسبانيا لا يزال ينظر إلى القضية باعتبارها مسألة محسومة، لا باعتبارها ملفا تاريخيا وسياسيا يمكن أن يكون موضوعا للحوار بين بلدين جارين. وهنا تحديدا تكمن المفارقة. فإسبانيا، ولا سيما في عهد حكوماتها الاشتراكية، عبّرت مرارا عن دعمها لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، ونددت بالاحتلال وبسياسة الاستيطان، وهي مواقف تحظى بالتقدير من جانب قطاعات واسعة في العالم العربي. غير أن من المشروع، في المقابل، طرح سؤال بسيط: إذا كان الاحتلال مرفوضا عندما يتعلق الأمر بأرض وشعب آخرين، فلماذا يصبح مفهوم الاحتلال محل جدل عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية والجزر المجاورة للمغرب؟

السؤال هنا ليس موجّها ضد الشعب الإسباني، ولا يراد منه تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شعبية. فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح اقتصادية وإنسانية وأمنية وتاريخ طويل من التفاعل. لكن حسن الجوار الحقيقي لا يقوم على تجاهل الملفات الخلافية، وإنما على امتلاك الشجاعة السياسية لفتحها بالحوار الهادئ والمسؤول. إن المشكلة الأساسية تكمن في ازدواجية المعايير؛ حين يصبح مبدأ تقرير المصير مقدسًا في سياق، ثم يتم تجاهله أو تأجيله في سياق آخر. فالقيم الديمقراطية لا ينبغي أن تكون انتقائية، والقانون الدولي لا يمكن أن يكون صالحا عندما يخدم موقفا، وقابلا للتأويل عندما يتعارض معه. كما أن تحويل سبتة ومليلية إلى ورقة للمزايدات الحزبية أو الاقتصادية، أو تحميل المغاربة مسؤولية توترات ظرفية، لن يغير حقيقة أن الملف يحمل جذورا تاريخية وسياسية عميقة. بل إن استمرار تجاهله لا يؤدي إلا إلى إبقاء جرح مفتوح في العلاقات المغربية الإسبانية.

المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، يعتبر قضية سبتة ومليلية جزءا من ذاكرته الوطنية، واسترجاعهما هدفا مشروعا سيظل حاضرا في الوعي الوطني. وليس المطلوب أن يتحول هذا المطلب إلى صراع مفتوح، بل أن يجد طريقه ذات يوم إلى حل سياسي عادل، هادئ ومتوافق عليه، يحفظ كرامة البلدين ويؤسس لعلاقة جوار أكثر توازنا. إن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن مصالحها، وإنما أيضا بقدرتها على مراجعة مواقفها عندما تكشف الوقائع وجود تناقض بين المبادئ والممارسة. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا في مدريد ليس: لماذا يطالب المغرب بسبتة ومليلية؟، بل: كيف يمكن لإسبانيا أن تجعل من احترام سيادة الشعوب والقانون الدولي مبدأً عالميًا لا يتجزأ؟ ذلك هو جوهر القضية، وذلك أيضا هو الاختبار الحقيقي لمصداقية الخطاب الديمقراطي عندما يصطدم بالتاريخ والجغرافيا والمصالح السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *