حين قرر المغرب أن يفتح أبواب المستقبل

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في نيويورك، حيث تجلس الدول حول الطاولات الصغيرة لتناقش قضايا أكبر من القارات، اتخذ المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة خطوة تحمل أكثر من معنى دبلوماسي عابر. فرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي المغربي الإسرائيلي إلى مستوى السفارات، والاستعداد لتعيين السفراء، والمضي نحو استكمال اتفاقيات حماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي، وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة، وفتح الباب أمام زيارات رفيعة المستوى، كلها مؤشرات على أن العلاقات بين الرباط وتل أبيب تدخل مرحلة أكثر وضوحا ومؤسساتية. السفارة ليست مجرد بناية ترفع فوقها راية. إنها اعتراف بأن العلاقة لم تعد تحتاج إلى أن تعيش في الممرات الخلفية للدبلوماسية، وأن المصالح التي تجمع الطرفين تستحق قنوات رسمية قادرة على العمل، والتفاوض، وحل الأزمات، وفتح مجالات جديدة للتعاون.

وهنا تكمن أهمية الخطوة المغربية. فالدول لا تبني سياستها الخارجية على العواطف وحدها، ولا تستطيع أن تدير مصالحها بمنطق الأبيض والأسود. المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه وشبكة علاقاته، يعرف أن القوة الدبلوماسية لا تأتي من إغلاق الأبواب، بل من امتلاك القدرة على فتحها وإدارتها في الوقت نفسه. العلاقة مع إسرائيل، في هذا السياق، يمكن أن تمنح المغرب مجالات إضافية للتعاون في الاستثمار والتكنولوجيا والمياه والزراعة والأمن والابتكار والطيران والسياحة، كما يمكن أن تفتح أمام رجال الأعمال مساحات جديدة للحركة والشراكة. لكن الأهم هو أن المغرب لا يدخل هذه العلاقة من موقع الباحث عن مكان، بل من موقع دولة تعرف موقعها. وهذه نقطة جوهرية. فالمغرب ليس دولة تبحث عن هوية دبلوماسية جديدة. لديه علاقاته العربية والإفريقية والأوروبية والأمريكية، وله امتداد تاريخي وثقافي يربطه بمساحات واسعة من العالم. ولذلك فإن الانفتاح على إسرائيل لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقالا من معسكر إلى معسكر، بل باعتباره إضافة ورقة جديدة إلى دفتر السياسة الخارجية المغربية.

وهنا يصبح مفهوم المصلحة أكثر وضوحا. اتفاقية لحماية الاستثمارات ليست استثمارا في حد ذاتها. واتفاقية لتجنب الازدواج الضريبي ليست مشروعا اقتصاديا مكتمل الأركان. والرحلات الجوية ليست مجرد طائرات تقلع وتهبط. كل هذه الأدوات تصبح ذات قيمة عندما تتحول إلى نتائج. وهذا هو الاختبار الحقيقي. إذا استطاع المغرب أن يحول الانفتاح الدبلوماسي إلى استثمارات، والشراكات إلى فرص عمل، والرحلات إلى حركة اقتصادية وسياحية، والتعاون التقني إلى معرفة ومشاريع، فإن الخطوة تكون قد تجاوزت حدود البروتوكول لتصبح جزءا من سياسة اقتصادية ودبلوماسية أوسع. ثم هناك بعد آخر لا يقل أهمية: الإنسان. الطائرة التي ستعبر بين المغرب وإسرائيل تحمل أكثر من مسافر. تحمل أسماء عائلات، وذكريات مدن، وحكايات مغاربة يهود عاشوا في الرباط وفاس ومراكش والصويرة وغيرها، ثم انتشر أبناؤهم وأحفادهم في أنحاء مختلفة من العالم. في السياسة، قد تبدو الذاكرة أحيانا مثل شيء ينتمي إلى الماضي. لكن الدول الذكية تعرف أن الماضي يمكن أن يتحول إلى جسر نحو المستقبل.

ومن هنا يمكن فهم أحد الأبعاد الخاصة في التجربة المغربية: العلاقة مع اليهود المغاربة ليست صفحة منفصلة عن التاريخ المغربي، بل جزء من تاريخ البلاد نفسها. ولذلك فإن توسيع حركة السفر والتواصل يمكن أن يحمل بعدا إنسانيا وثقافيا إلى جانب البعد الاقتصادي والسياسي. لكن لا يمكن أيضا تجاهل غزة. فالشرق الأوسط لا يسمح للدبلوماسية بأن تتحرك في فراغ. والحرب وما خلفته من مآس وتوترات جعلت أي علاقة بين دولة عربية وإسرائيل محاطة بأسئلة سياسية وأخلاقية وشعبية عميقة. وهنا تحديدا تظهر أهمية الدبلوماسية المغربية. فوجود علاقة رسمية لا يعني اختفاء الخلافات. وفتح السفارات لا يعني أن جميع الملفات أصبحت متطابقة. بل يمكن أن يعني، على العكس، أن قنوات الاتصال أصبحت أكثر قدرة على العمل عندما تكون الملفات صعبة. الدبلوماسية ليست فقط أن تتحدث مع من تتفق معه. أحيانا تكون قيمتها الحقيقية في أن تستطيع الحديث مع من تختلف معه. وهذا ما يجعل القرار المغربي قابلا للفهم داخل منطق الدولة التي تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من هامش الحركة.

أما الولايات المتحدة، فإن حضورها في هذا المشهد يضع الخطوة داخل سياق إقليمي أوسع، يرتبط أيضا بمسار اتفاقات أبراهام وإعادة تشكيل شبكة العلاقات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لكن المغرب لا يحتاج إلى أن يكون مجرد جزء من شبكة يصنعها الآخرون. إنه يسعى، في هذه المعادلة، إلى أن يكون طرفا له مصالحه وحساباته وأوراقه الخاصة. وهنا تعود قضية الصحراء المغربية إلى قلب المشهد. فالاعتراف الإسرائيلي بسيادة المغرب على الصحراء، كما أعلن في 2023، شكل تطورا مهما في هذا الملف، وأعطى للعلاقة الثنائية بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود التعاون الاقتصادي أو الدبلوماسي العادي. المغرب ينظر إلى علاقاته الدولية باعتبارها شبكة مترابطة. واشنطن لها مكانها. أوروبا لها مكانها. إفريقيا لها مكانها. العالم العربي له مكانه. وإسرائيل لها مكانها. ولا يعني ذلك أن كل هذه الدوائر متطابقة، بل إن قيمة السياسة الخارجية تكمن في قدرة الدولة على التحرك بينها من دون أن تفقد مركزها.

العالم يحب أحيانا أن يضع الدول داخل صناديق جاهزة. شرق أو غرب. عرب أو إسرائيليون. إفريقيا أو أوروبا. مبادئ أو مصالح. لكن الدول الحقيقية لا تعيش بهذه البساطة. الدول الكبرى تتحدث عن المبادئ صباحا، ثم تفتح دفاتر المصالح بعد الظهر. والدول الصغيرة التي تحاول تقليدها دون امتلاك أدواتها قد تجد نفسها في نهاية اليوم تدفع ثمن اللعبة. أما المغرب، بحكم موقعه، فلا يستطيع أن يعيش داخل صندوق واحد. إنه في ملتقى طرق. وهذا الموقع، الذي قد يبدو أحيانا عبئا جغرافيا، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أحسن المغرب استخدامه. الانفتاح على إسرائيل لا يعني التخلي عن العالم العربي. والتعاون مع الولايات المتحدة لا يعني إدارة الظهر لأوروبا. والحضور في إفريقيا لا يعني الابتعاد عن المتوسط. والحفاظ على علاقات تاريخية مع الجاليات اليهودية المغربية لا يعني تجاهل المواقف المغربية من القضايا الإقليمية.

المعادلة أكثر تعقيدا، لكنها أيضا أكثر واقعية. المغرب يريد أن يكون حاضرا حيث توجد المصالح، وأن يملك القدرة على الحديث مع الأطراف المختلفة، وأن يحول موقعه الجغرافي والتاريخي إلى رأسمال سياسي واقتصادي. وهذا، في جوهره، هو معنى خطوة السفارات. إنها ليست نهاية الطريق. إنها بداية مرحلة يمكن أن تصبح أكثر إنتاجا إذا تبعتها مشاريع حقيقية ونتائج ملموسة. فالبيانات جميلة في الصور. أما الاقتصاد فيحتاج إلى عقود. والاستثمارات تحتاج إلى ثقة. والرحلات تحتاج إلى مسافرين. والشراكات تحتاج إلى مؤسسات. والدبلوماسية تحتاج إلى صبر. لهذا تبدو الخطوة المغربية مهمة لأنها تنقل العلاقة من مساحة الرموز إلى مساحة الأدوات. ومن الدبلوماسية المؤقتة إلى الدبلوماسية المؤسسية. ومن انتظار الفرص إلى محاولة صناعتها. في نيويورك، قد تبدو الصورة بسيطة: أعلام، رجال، طاولة، وبيان. لكن خلف الصورة توجد حسابات أكبر بكثير. هناك الصحراء المغربية. وهناك غزة. وهناك واشنطن. وهناك أوروبا وإفريقيا والعالم العربي. وهناك الاقتصاد والاستثمار والطيران والتكنولوجيا. وهناك أيضا ذاكرة مغربية يهودية عمرها قرون. كل ذلك يمكن أن يلتقي في صورة واحدة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات.

لكن التاريخ لا يسكن في الصورة. يسكن فيما يحدث بعدها. إذا استطاع المغرب أن يجعل هذه الخطوة منصة لمصالحه، لا مجرد عنوان دبلوماسي، وأن يستفيد من التعاون من دون أن يتحول إلى تابع له، وأن يحافظ في الوقت نفسه على استقلال قراره وعلى علاقاته العربية والإفريقية والأوروبية، فإن الانفتاح يصبح أداة من أدوات القوة الناعمة والاقتصادية والدبلوماسية. السياسة لا تعطي ضمانات. إنها تعطي فرصا. والمغرب، في هذه اللحظة، يختار أن يضيف فرصة جديدة إلى خياراته. ففي عالم سريع التغير، قد يكون أخطر قرار تتخذه دولة هو أن تغلق على نفسها كل الأبواب. لكن فتح الأبواب كلها ليس سياسة أيضا. السياسة هي أن تعرف أي باب تفتح، ومتى تفتحه، وما الذي تريد أن تجده خلفه. المغرب فتح بابا جديدا. والأهم الآن ليس الباب نفسه، بل ما الذي سيضعه خلفه. أما الخرائط، التي ظلت طويلا تتعامل مع المغرب كطرف على الهامش، فقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة حساب المسافات. فالمغرب لا يبدو كمن يريد مغادرة بيته. بل كمن فتح نافذة واسعة، لكي يرى إلى أي جهة تتحرك الريح، ثم يقرر بنفسه كيف يستفيد منها. وهذه ربما هي السياسة حين تتخلص من الضجيج: لا أن تختار لك الخريطة طريقك. بل أن تجعل الخريطة نفسها مضطرة إلى إعادة رسم الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *