المغرب لا يستأذن متى يغلق بيته لأنّ مفتاحه في جيبه
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
المغرب لا يستأذن أحدا حين يتعلق الأمر ببيته. هذه ليست صرخة غضب، ولا نوبة حماس في مقهى، ولا جملة ولدت من ضجيج مواقع التواصل ثم ماتت قبل أن تصل إلى آخر الشارع. هذه جملة دولة تعرف حدودها، وتعرف معنى سيادتها، وتعرف أن للبيوت أبوابا، وللأبواب مفاتيح، وأن المفتاح حين يكون في يد صاحبه لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يدور في القفل. حين يقرر المغرب من يدخل إلى ترابه، فليس عليه أن يقف في ساحة العالم حاملا دفتر الاعتذار. الدولة ليست بيتا بلا جدران. وليست فندقا دوليا يفتح أبوابه لمن شاء، متى شاء، وبالشروط التي يشاء. الدولة تعرف من يدخل، ولماذا يدخل، ومتى يدخل، ومتى يكون من حقها أن تقول: ليس الآن. وهذه ليست قسوة. هذه هي السيادة حين تنزل من الكتب إلى أرض الواقع. بحسب ما أوردته تقارير إعلامية جزائرية في 16 شتنبر 2026، وجهت السلطات المغربية، وفق ما نسب إلى شرطة الحدود الجوية، تعليمات إلى شركات الطيران تقضي بعدم إركاب مواطنين جزائريين غير مقيمين في المغرب ما لم يكونوا حاملين لبطاقة إقامة مغربية.
قد يختلف الناس في قراءة القرار، وقد يبحث آخرون عن خلفياته ورسائله، لكن هناك حقيقة أولى لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة: المغرب دولة ذات سيادة. ومن حق الدولة ذات السيادة أن تنظم الدخول إلى أراضيها. وهنا، قبل أن يبدأ مهرجان التأويلات، ينبغي أن نترك للدولة حقها في أن تكون دولة. فالمغرب ليس مضطرا إلى الصراخ كي يسمع. ولا إلى التهديد كي يفهم. ولا إلى تحويل كل قرار إلى خطاب طويل. أحيانا يكفي قرار واحد. ورقة واحدة. تعليمة واحدة. ثم تمضي الدولة في طريقها. أمي خيرة، التي لم تقرأ كيسنجر ولا ماكيافيلي، كانت تختصر كل علوم السياسة الدولية في جملة وهي تقلب الكسكس في القصعة: «الدار اللي ما عندها باب، ماشي دار… راه ممر». ثم تضحك. ولم تكن تعرف أنها، وهي تنفخ على كانونها، تشرح واحدة من أعقد مسائل العلاقات الدولية. المغرب ليس ممرا. المغرب بيت سياسي وتاريخي وجغرافي له أبوابه. ومن يملك البيت يملك حق ترتيب الدخول إليه. هذه هي البساطة التي يخاف منها التعقيد.
فالحدود ليست خطا رفيعا على الخريطة. الحدود جهاز كامل من القانون والأمن والمراقبة والمعلومة والقرار. وراء ذلك الخط توجد دولة. وفي داخل الدولة يوجد شعب. ومن حق الشعب أن يعرف أن دولته قادرة على حماية المجال الذي يعيش فيه. لهذا، حين يتحول القرار السيادي إلى مجرد مادة للسخرية أو الغضب أو المزايدات، يضيع السؤال الحقيقي. السؤال ليس: لماذا أغلق المغرب الباب؟ السؤال هو: متى يكون فتح الباب قرارا؟ ومتى يكون إغلاقه قرارا؟ وهذا فرق لا يراه إلا من يفهم السياسة خارج منطق المدرجات. فالضعف ليس في أن تغلق دولة بابا. والقوة ليست في أن تفتحه دائما. القوة أن تعرف أن المفتاح في يدك. وأن تعرف أيضا متى تديره. وهنا يصبح القرار المغربي أشبه بحركة لاعب شطرنج لا يضرب الطاولة ولا يعلن للقاعة كلها ما يفكر فيه. يحرك قطعة. ثم يصمت. الآخرون يتكلمون. المحللون يكتبون. القنوات تفسر. الخبراء يبحثون عن المعنى. أما القطعة فقد تحركت وانتهى الأمر.
هذه هي السياسة حين تتخلى عن المسرح. وهذه هي الدولة حين تتوقف عن شرح نفسها في كل دقيقة. في عالم اعتاد على السياسة الصاخبة، يصبح الهدوء نفسه رسالة. والمغرب، في صورته الأكثر هدوءا، لا يبدو كمن يقف عند الباب ليصرخ في وجه العابرين. بل كصاحب بيت وضع المفتاح في جيبه. ثم جلس. وشرب أتايه. ونظر إلى الطريق. لا غضب. لا ارتجاف. لا ارتباك. فقط معرفة هادئة بأن البيت له صاحب. وهذه ربما أكثر صورة غرائبية يمكن أن ترسم للسياسة: رجل يجلس فوق كرسي صغير، بينما العالم كله يركض حوله بحثا عن تفسير. أمي خيرة تقول دائما: «اللي واثق من رجليه، ما يحتاجش يضرب الأرض باش يسمعوه الناس». كانت تقولها وهي تمشي حافية في فناء الدار. لكنها كانت تلخص بها مدرسة كاملة في فن إدارة القوة. الدولة الواثقة لا تحتاج إلى تحويل كل قرار إلى معركة. يمكنها أن تقول ببساطة: هذه حدودنا. هذه شروطنا. وهذا قرارنا. ثم تعود إلى عملها. لا تحتاج إلى إهانة أحد. ولا إلى صناعة عدو من كل عابر. ولا إلى تحويل المواطن الجزائري إلى صورة كاريكاتورية.
فالجزائري ليس عدوا لمجرد أنه جزائري. وهذه نقطة مهمة في الوطنية المغربية الناضجة. المغرب لا يحتاج إلى كراهية شعب آخر حتى يحب نفسه. ولا يحتاج إلى إهانة جاره حتى يثبت سيادته. السيادة أعلى من الشتيمة. والدولة أكبر من الانفعال. والقرار الذي يحتاج إلى الصراخ كي يبدو قويا، قد يكون أقل قوة من قرار هادئ لا يحتاج إلى شيء سوى التنفيذ. لهذا يجب الفصل بين أمرين. بين الدولة والشعب. وبين السياسة والإنسان. وبين الحدود والكراهية. يمكن للمغرب أن يشدد إجراءاته. ويمكنه أن يحمي حدوده. ويمكنه أن يفرض شروطه. وفي الوقت نفسه يمكن للمغربي أن يظل قادرا على النظر إلى الجزائري باعتباره إنسانا وجارا وشقيقا في تاريخ مغاربي طويل، حتى لو بقيت السياسة بين الدولتين محكومة بخلافات عميقة.
هذه ليست مثالية رومانسية. هذه قوة أخلاقية أيضا. لأن الدولة التي تعرف قيمة نفسها لا تحتاج إلى أن تصنع الكراهية كي ترفع رايتها. رايتها مرتفعة أصلا. ومن هنا فإن أي إجراء يتعلق بدخول الجزائريين إلى المغرب ينبغي ألا يتحول إلى حفلة شماتة. الشماتة لا تقوي الدولة. بل تصغرها. الدولة الكبيرة تترك القرارات لمؤسساتها، وتترك الانفعال لمنصات التواصل. والفرق بين الإثنين هو الفرق بين قصر الدولة وسوق الضجيج. المغرب ليس مطالبا بأن يجعل سياسته الخارجية امتدادا لتعليقات الناس. السياسة لها غرفها المغلقة. لها حساباتها. لها معلوماتها. لها توقيتها. ولها، في النهاية، مسؤوليتها. وقد لا يرى المواطن كل ما تراه الدولة. وهذا طبيعي. فلو كانت كل ملفات الأمن والدبلوماسية مكشوفة أمام الجميع، لما بقي في الدولة شيء اسمه قرار سيادي. هنا تحديدا يصبح الصمت أحيانا جزءا من السياسة. وليس كل ما لا يقال غموضا. بعض ما لا يقال هو عمل.
في المغرب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ والسياسة والأمن، لا يمكن النظر إلى الحدود باعتبارها مجرد نقطة عبور للسياح. الحدود ذاكرة أيضا. والحدود أمن. والحدود اقتصاد. والحدود سياسة. والحدود، قبل كل شيء، اعتراف عملي بأن الدولة تبدأ من هنا. ومن هنا يأتي معنى المفتاح. المفتاح ليس عداء. المفتاح مسؤولية. قد نفتح. وقد نغلق. وقد ننتظر. وقد نغير القفل كله. لكن في النهاية يجب أن يكون هناك من يملك القرار. والدولة التي لا تملك قرار بابها لا تملك الكثير من قرار بيتها. وهذه الفكرة ليست مغربية فقط. إنّها من أبسط قواعد الدولة الحديثة. لكنّها تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمغرب والجزائر. فالعلاقة بين البلدين ليست صفحة بيضاء. هناك تاريخ طويل. وهناك حدود مغلقة. وهناك خلافات سياسية. وهناك ملفات إقليمية. وهناك جرح قديم لا يزال يطل من تحت الرماد كلّما ظن الناس أنّه نام.
لذلك، فإن أي تشديد في حركة الأشخاص بين البلدين لا يمكن أن يكون مجرد تفصيل إداري في نظر المراقبين. إنه يأتي داخل سياق أوسع. لكن الذكاء المغربي، إذا أردنا أن نقرأ المشهد من زاوية الدولة، لا يكمن في تحويل كل خطوة إلى إعلان حرب. بل في ترك الإجراء يتحدث بلغته الخاصة. فالسياسة ليست دائما أن تقول للخصم: «أنا قوي». أحيانا تكفيك القدرة على اتخاذ القرار. القوة لا تعلن عن نفسها دائما. بعضها يمشي على أطراف أصابعه. وهذا هو المشهد الذي يبدو كأنه خرج من رواية غرائبية: في مطار بعيد، يقف مسافر بجوازه. في مكان آخر، موظف يفتح شاشة. وفي مكتب آخر، توجد ورقة. لا أحد يصرخ. لا دبابة تتحرك. لا طائرة حربية تظهر في السماء. ومع ذلك، تكون السياسة قد قالت كلمتها.
ما أعجب هذا العصر. كانت الإمبراطوريات القديمة تحتاج إلى الخيول حتى تصل رسالتها. أما الدولة الحديثة فقد تحتاج إلى رسالة إلكترونية فقط. حصان صغير من الضوء. لكنه يصل أسرع من الجيوش. وهنا تبتسم السياسة ابتسامتها السوداء. فالحدود التي كانت يوما خنادق، أصبحت اليوم أحيانا خوارزمية. والحارس الذي كان يحمل بندقية أصبح شاشة. والقرار الذي كان يكتب بالحبر صار رقما في نظام إلكتروني. لكن المعنى بقي نفسه: من يدخل؟ ومن يخرج؟ ومن يملك حق أن يقول نعم أو لا؟ المغرب، في هذه الصورة، لا يقف ضد العالم. بل يمارس شيئا تفعله الدول كل يوم: ينظم حدوده. يحمي مجاله. ويعيد ترتيب أدواته حين يرى أن الظروف تستدعي ذلك. وهذا لا يحتاج إلى أساطير. لكن المقال يحتاج إليها. لأن الحقيقة السياسية الجافة تشبه قطعة خبز يابسة. أما الأدب فيضع عليها العسل. ولذلك دعونا نقولها كما كانت ستقولها أمي خيرة: «الدار اللي عامرة، خاصها صاحب يسهر عليها». ثم تضيف: «واللي خلا بابو محلول للريح، ما يلوم غير الريح». يا لها من فلسفة مغربية صغيرة. لا تحتاج إلى مؤتمر. ولا إلى قاعة دولية. ولا إلى مترجم. فالدولة، في النهاية، هي صاحب البيت. والحدود هي الباب. والقانون هو المفتاح. والسياسة هي فن معرفة اللحظة التي يجب فيها أن يدور المفتاح في القفل.
أما الوطنية، فليست أن تكره من يقف خلف الباب. الوطنية أن تعرف لماذا تحمي الباب. وهذا هو الفرق بين وطنية ناضجة ووطنية تصرخ كثيرا. المغرب لا يحتاج إلى صراخ. المغرب يحتاج إلى هدوء يعرف ماذا يفعل. وإلى مؤسسات تعرف ماذا تريد. وإلى شعب يعرف أن الدولة ليست مسابقة في التعليقات. حين يتعلق الأمر بالسيادة، لا ينبغي أن تتحول السياسة إلى تصويت في مقهى. الدولة ترى ما لا يراه المقهى. وتملك معلومات لا يملكها الهاتف. وتتحمل مسؤولية لا يتحملها المعلّق الغاضب. لذلك، فإن احترام القرار السيادي لا يعني تعطيل العقل. بل يعني استعمال العقل قبل إطلاق الأحكام. نسأل. نحلل. نراقب. نفهم السياق. ثم نترك للمؤسسات مسؤوليتها. وهكذا فقط يصبح الوطن أكبر من الانفعال. أكبر من العناوين. أكبر من الشتائم. أكبر حتى من خصوماته.
فحين تهدأ المطارات، وتنطفئ شاشات الرحلات، وتعود المدن إلى نومها، يبقى ذلك المفتاح في جيب صاحبه. لا أحد يسمع صوته. لكن الجميع يعرف أنه موجود. وقد يفتح الباب غدا. وقد يبقى مغلقا. السياسة لا تعدنا دائما بما نريد. السياسة تسألنا فقط إن كنا نفهم الزمن. والمغرب، في هذه الحكاية، يبدو كمن تعلم منذ زمن بعيد أن الدولة لا تقاس بعدد الكلمات التي تقولها، بل بعدد القرارات التي تستطيع اتخاذها بهدوء. ثم تمضي. لا تلتفت. ولا تشرح كثيرا. فأمي خيرة، لو كانت جالسة هنا الآن، لرفعت رأسها من فوق قصعتها وقالت: «يا بنتي، اللي عندو دار، عندو باب. واللي عندو باب، خاصو يعرف شكون يدخل وشكون يخرج. ولكن إيلا بغيتي تبقى الدار عامرة، ما تحولش الباب إلى عداوة». ثم تعود إلى صمتها. ويظل المغرب واقفا عند بابه. لا يصرخ. لا يرتجف. لا يستأذن. فقط يضع المفتاح في جيبه. ويمضي.

لما تتحرك داخل أو خارج بيتك مستظلا بمفهوم السيادة، تلك هي الفلسفة في أقوى معانيها: تتحرك وتفتح مسارات جديدة للمزيد من الأكسجين، وفق رؤية محددة الغايات قبل الأهداف، أنت تخوض تجربتك الوجودية كفيلسوف لا كتقني محدود الآفاق.
“عبارة” شوشت على فلسفة المقال.