قصة بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير- باريس,2023
أما هو، فكان يراها وطنا يختزل المسافات بين المنافي؛ يراها الحرف حين يتيه المعنى، والبوصلة حين تضيع الاتجاهات. التقاها ذات يوم في مكتبة الجامعة، حين امتدّت يده إلى الكتاب ذاته الذي كانت تهم بتصفحه. تصادمت الأصابع، فابتسمت هي خجلا، وابتسم هو دهشة، وكأنّهما يكتشفان لغة لم تكتب بعد. في ساحات الجامعة، كانت الحروف تتراقص بينهما؛ ينسجان عبرها قصائد لم تدوّن، ورسائل لم ترسل، لكنّهما كانا يقرآنها في عيون بعضهما. كانت الغربة جرحا في قلب كلّ منهما، لكنّها كانت أيضا جسرا يربط روحيهما، ويبرّر ذلك الانجذاب الذي تجاوز المنطق، وكأنّ كلا منهما كان يبحث عن الآخر في زوايا الخرائط، فوجداه هنا، في مدينة تجهلهما، لكنّها جمعت روحيهما رغم كل شيء. غير أنّ الغربة ليست جسرا فقط، بل قد تكون سيفا يقطع الوصل في لحظة غدر. جاءه ذات مساء، في مقهى على ناصية الطريق، خبر رحيله القسري، كأنّ الوطن يسترده رغما عنه، وكأنّهما كانا يعيشان حلما ترفضه الحقيقة. نظر في عينيها طويلا، كأنّما يريد أن يحفر ملامحها في ذاكرته، وهي أدركت أن كل ما سيبقى منه هو الحرف والصورة والذكرى. هل الغربة هي التي أشعلت هذا الجموح بينهما؟ أم أنّها فقط أزاحت الحواجز التي صنعها الواقع، فكشفتهما لبعضهما بلا أقنعة؟ وهل كان يمكن أن يلتقيا لو كان الوطن لهما حضنا بديلا عن هذا التيه؟
كل ما يعرفانه هو أنّهما التقيا حيث لا وطن يجمعهما، وحين اقتربت روحيهما حدّ الاحتراق، كان لا بدّ أن يفرقهما قدر قاس، وكأنّ الغربة التي جمعتهما هي ذاتها التي اختارت أن تكتب لهما الفراق. كانت ظروفها تحول دون ميثاق الزواج الذي يجمعهما بآخرين، ما جعل روحيهما ترتبطان بعيدا عن الأوراق والأختام، بعيدا عن أعين المدن التي تحترف الوشاية، وعن القوانين التي لا تعترف بما يتجاوز الملموس. كانا يدركان أن ما بينهما ليس خطيئة، بل حياة لم تأت في وقتها الصحيح، كأن القدر قرر أن يختبرهما برحلة مستحيلة، حيث الحبّ محرّم، واللقاء مهدّد، والوداع مرسوم في الأفق مثل غروب لا رجعة فيه. كان هو الرجل الذي يستطيع أن يحبّ دون قيود، دون أن تلومه نفسه… ومعه حق، فمنذ متى كان الحب جرما؟! لكنّها كانت تؤمن بأنّ الجسد يلغي الروح ويطفئ الشوق. ورغم أنّها من شمس الجنوب، ورغم أن دمها حار كأغنية بدوية تنسل من شفاه الصحراء، فإن عقلها كان حصنا أقامته الأعراف، وسياجا من محرمات لم تكتبها، لكنها ورثتها كندبة خفية في أعماقها.
كان الحبّ، مرتين في عالمها، خطيئة؛ مرة لأنّه جاء متأخّرا، ومرة لأنّه تحدى قوانين القبيلة، وقوانين الولادة، وقوانين الوثيقة التي ربطتها بآخر لم يكن يوما نصفها الضائع. أمّا هو، فقد كان عاشقا من نوع آخر؛ رجلا لم يكن يعترف بالحدود، رجلا كانت المنافي وطنا له، والأوطان منفى آخر. كان يذوب في اللغة كما يذوب الحبر في الورق؛ يترك أثره في كلّ شيء، لكنّه لا يحتوى. كان يعرف أنّها تخاف الاقتراب كما تخاف الاحتراق، لكنّه كان يؤمن بأنّ بعض الحرائق خلاص، وأنّ بعض القيود لا تكسرها إلاّ يد العشق حين تمتد بقوة الإيمان. في لقائهما الأخير، كان الشوق بينهما طاغيا، متوحشا، لكنه مكسور الجناح. جلسا في مقهى يتنفس رائحة الزمن القديم، حيث الجدران تئنّ من ثقل الحكايات، والموسيقى تتسلل كحلم هش من مسجل صدئ في الزاوية. كان المطر خلف الزجاج يكتب تفاصيل لا تقرأ، وداخلها كانت هناك عاصفة لا تهدأ. قالت بصوت خفيض، كأنها تعترف بسر هائل: «لو التقينا قبل أن تخطّ الحياة علينا أقدارها، قبل أن تصبح أسماؤنا مكتوبة على أوراق غير التي نريد، هل كنت ستختارني؟» ابتسم ابتسامة تشبه الغروب؛ جميلة، لكنّها تحمل وداعا دفينا، ثم أجاب: «كنت سأخترعك إن لم أجدك، وكنت سأقاوم العمر حتى أكون معك.»
ارتجف جفنها، لكن دموعها لم تسقط. النساء الجنوبيات لا يبكين حين يخذلن، يبكين حين يخونهن الصبر. أما هو، فقد شعر أن الكلمات، مهما بلغت من بلاغة، ستظل أقلّ مما يحترق في صدره. في ذلك الركن من المقهى، حيث كان الضوء خافتا والصوت الوحيد هو همس روحيهما، كانت تمسك فنجان قهوتها وكأنّها تحاول أن تستمدّ منه دفئا لم يعد متاحا. كان هو يجلس أمامها، بينهما طاولة صغيرة، لكنّه كان يشعر أن المسافة بينهما أبعد من دروب المدن ومن شوارع المنافي التي تنتظره. «هل يمكن للحب أن يكون منفى آخر؟» سألته بصوت هش، وهي تحاول أن ترسم على شفتيها ابتسامة لم تكتمل. «بل هو الوطن الوحيد حين تغلق الأوطان أبوابها في وجوهنا»، أجاب، وهو يراقب ارتجافة أصابعها التي تتشبث بحافّة الفنجان، وكأنّها تتشبث بلحظة أخيرة، بلقاء ربّما لن يتكرر. كان في عينيه رجاء، كأنّه يريد أن يمد الزمن أكثر، أن يؤجّل الغد ولو لساعات، لكنّهما كانا يدركان أن الحياة لا تمنح تأجيلا عندما يكون الرحيل قدرا مكتوبا.
نهض ببطء، وكأنّ جسده يرفض الامتثال لأمر الواقع. مدّ يده يلامس أصابعها الباردة، فشعر أن الدم في عروقه صار أثقل، وأن هذه اللحظة ستبقى معه ما بقي حيا. «إن كنت تؤمنين بإعادة اللقاء، فانتظريني هناك، حيث لا حدود ولا قيود»، قالها كمن يترك مفتاحا في يدها، كمن يمنحها الأمل الأخير قبل أن يذوب في الغياب. أمسك يدها. لم تكن لمسة امتلاك، بل كانت وعدا غير منطوق؛ كان يقول لها دون أن يتكلم: «سأبقى حيث تركتني في قلبك. سأكون صوتك حين تصمتين، وسأكون ذكراك التي لن تخونك.» ثم نهض ومضى في الشارع الطويل، حيث تتكاثر الأضواء وينحسر دفء الحياة، تاركا خلفه رائحة عطره ممزوجة بدخان القهوة، وقصة لم تكتمل، وامرأة تحمل حبّا لا يعترف بالزمن، لكنّه يعترف بالمستحيل. خرج إلى المطر، وسار تحت الضوء الخافت، بينما بقيت جالسة تحدّق في باب المقهى الذي ابتلعه، كأنّها تنتظر أن يعود ليكذب الحقيقة، ليقول إنّ كل هذا مجرد حلم ثقيل، وليكسر قوانين الحياة كما كسر قوانين قلبها. لكنّ الباب لم يفتح من جديد. كل ما بقي منه كان صدى صوته، ينطفئ ببطء في أروقة روحها، مثل أغنية تبث في إذاعة بعيدة، ثم يبتلعها الصمت. علمت حينها أنّ بعض الحب لا يعاش، بل يترك ليظلّ خالدا، طاهرا، لا يلمسه الفناء.
يتبع…

عذوبة الكلمات و عالم الاستعارة فرضا الجلوس في قاعة الانتظار، الى أن تنكشف ملامح صورة ما لم يقل بعد.
Une nouvelle romantique et élégiaque, à lire pour la beauté de la langue et l’émotion qu’elle porte, plus que pour son suspense. Un beau texte sur l’amour empêché et sur ce qui, justement, ne meurt pas.