حين تتراجع السيادة أمام الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي وإعادة توزيع القوّة بين الدولة والسوق

بقلم: د. عبد الرحمن مكاوي-باريس

لم يعد التحدّي الأكبر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على الدولة هو احتمال أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، بل أن تصبح الدولة نفسها أقل قدرة على التحكّم في القوّة التي تعيد تشكيل العالم من حولها. هنا تكمن المسألة الجيوسياسية الحقيقيّة. فالسيادة، في معناها الحديث، ليست مجرّد علم يرفرف فوق إقليم، ولا حقّاً قانونيّاً في إصدار القوانين. السيادة هي، قبل كل شيء، القدرة الفعليّة على فرض القرار. والدولة التي لا تملك الرقائق، ولا الحوسبة، ولا البيانات، ولا رأس المال اللازم لتطوير التكنولوجيا، تجد نفسها مضطرّة إلى تنظيم قوّة لا تملك أدوات إنتاجها. من هنا يبدأ تراجع السيادة. لقد كشفت الولايات المتحدة في 2026 عن أولويّة صريحة: حماية القيادة الأمريكيّة في الذكاء الاصطناعي من القيود التنظيميّة التي قد تضعف القدرة التنافسيّة. فالأمر التنفيذي 14365 الصادر في ديسمبر 2025 استهدف ما تعتبره الإدارة عوائق تنظيميّة على مستوى الولايات، وربط بعض أدوات التمويل الفيدرالي بموقف الولايات من هذه القوانين. والمغزى أوسع من الخلاف القانوني الداخلي: حين يصبح التفوّق في الذكاء الاصطناعي جزءاً من الأمن القومي، تصبح قدرة الدولة على تنظيم التكنولوجيا مشروطة أوّلاً بقدرتها على المنافسة فيها. وهكذا تنقلب العلاقة التقليديّة. كانت الدولة تضع القواعد، ثم تأتي الشركات لتلتزم بها. أمّا اليوم، فتجد الدولة نفسها مضطرّة إلى حساب ردّ فعل الشركات، وقدرتها على نقل الاستثمار، والوصول إلى الحوسبة، ومكانة البلاد في سباق التكنولوجيا. لم تعد السلطة السياسيّة تتحرّك في فراغ؛ إنّها تتحرّك داخل منظومة اقتصاديّة وتقنيّة يمكنها أن تعاقب القرار السياسي بالخروج أو التأخير أو تحويل الاستثمارات. وهذا شكل جديد من أشكال تآكل السيادة.

الصين: السيادة في صورة أخرى

الصين لا تقبل بهذا الترتيب. في خطاباته حول الذكاء الاصطناعي، يدفع شي جين بينغ نحو نموذج دولي أكثر انفتاحا، وتعاون أوسع مع دول الجنوب، ومؤسّسات عالميّة للحوكمة. وفي يوليو 2026 أُعلن في شنغهاي عن منظّمة تعاون عالميّة للذكاء الاصطناعي بمشاركة دول متعدّدة. لكن خلف الخطاب عن التعاون الدولي توجد معركة أعمق: من يملك حقّ وضع القواعد العالميّة؟ فبكين تدرك أنّ السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُحمى فقط بالسيطرة على الحدود، وإنّما أيضا بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا والمعايير والأسواق التي ستحدّد شكل النظام العالمي المقبل. لذلك فإن التنافس الأمريكي ـ الصيني ليس مجرّد سباق على نماذج أكثر ذكاء. إنّه سباق على السيادة التكنولوجيّة.

أوروبا: حين تصبح القاعدة بلا قوّة كافية

أمّا أوروبا، فقد اختارت في البداية سلاحا مختلفا: القانون. أرادت أن تجعل من نفسها القوّة التي تضبط الذكاء الاصطناعي حين يعجز الآخرون عن ذلك. لكن المشكلة ظهرت سريعا: التنظيم يحتاج إلى قوّة اقتصاديّة وتقنيّة تحميه. ومع دخول مراحل تطبيق قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيّز التنفيذ، جرى تمديد بعض المواعيد الخاصّة بالأنظمة عالية المخاطر إلى 2027 و2028. وفي الوقت نفسه تحاول بروكسل تعبئة مئات المليارات للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة. المعادلة الأوروبيّة شديدة الدلالة: لا تستطيع أن تكون سيّدا على التكنولوجيا التي لا تملك بنيتها التحتيّة. ولهذا أصبحت أوروبا أمام سؤال سيادي أكثر منه تنظيميّا: هل تستطيع أن تضع قواعد للذكاء الاصطناعي إذا كانت تعتمد في أجزاء أساسيّة من منظومتها على شركات وحوسبة ورقائق تقع خارج مجالها؟

الثروة الجديدة اسمها: الحوسبة

هنا نصل إلى قلب التحوّل. في الاقتصاد الصناعي كانت السيادة ترتبط بالأرض، والطاقة، والمصانع، والجيش. أمّا في الاقتصاد الخوارزمي، فتضاف إليها سلعة جديدة تكاد تكون شرطا لكل شيء: الحوسبة. الأرقام تكشف اختلالا هائلا في توزيع القوّة الاستثماريّة. ففي 2024 بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة 109.1 مليارات دولار، مقابل 9.3 مليارات في الصين و4.5 مليارات في بريطانيا، وفق مؤشّر ستانفورد للذكاء الاصطناعي. هذه ليست أرقاماً اقتصاديّة محضة. إنّها، في جوهرها، أرقام سياديّة. لأنّ من يملك رأس المال يملك القدرة على بناء مراكز البيانات؛ ومن يملك مراكز البيانات يملك الحوسبة؛ ومن يملك الحوسبة يملك القدرة على تدريب النماذج؛ ومن يملك النماذج يمتلك جزءا متزايدا من القوّة الاقتصاديّة والعلميّة والأمنيّة. وهكذا تنتقل السيادة، خطوة بعد أخرى، من القصر الحكومي إلى مركز البيانات.

الدولة لم تختف… لكنّها لم تعد وحدها

ليس معنى ذلك أنّ الدولة انهارت أو أصبحت عاجزة. الأمر أكثر تعقيدا. الدولة ما زالت تملك التشريع والضرائب والجيش والحدود والقضاء. لكنّها فقدت شيئا كان يبدو بديهيّا في القرن العشرين: احتكار البنية التي تصنع القوّة. فاليوم تستطيع شركة تكنولوجيّة ضخمة أن تمتلك من الحوسبة والبيانات والمواهب ورأس المال ما يجعلها لاعبا جيوسياسيّا بحكم الواقع، حتّى وإن لم تكن دولة. وهنا تتغيّر طبيعة السلطة. لم تعد الدولة وحدها تضع القواعد. الشركات تضع معايير تقنيّة. المختبرات تضع بروتوكولات للسلامة. الأسواق تحدّد اتّجاه الاستثمار. مراكز البيانات تحدّد القدرة على التدريب. والخوارزميّات تحدّد، بصورة متزايدة، كيفيّة إنتاج المعرفة وتوزيعها. إنّها ليست نهاية السيادة. إنّها إعادة توزيع للسيادة.

السؤال الذي لا تستطيع القوانين وحدها الإجابة عنه

ولهذا فإنّ المعركة القادمة لن تكون حول سؤال: هل ننظّم الذكاء الاصطناعي أم نتركه بلا قيود؟ السؤال الأعمق هو: هل تستطيع الدولة أن تضع قواعد ملزمة لقوّة تعتمد هي نفسها عليها؟ إذا كانت الحكومة تحتاج إلى شركات التكنولوجيا للدفاع، وإلى مراكز البيانات للاقتصاد، وإلى النماذج للبحث العلمي، وإلى الحوسبة للحفاظ على التنافسيّة، فإنّ قدرتها على فرض القيود تصبح مرتبطة بقدرتها على الاستغناء عن الطرف الذي تنظّمه. وهنا تتكشّف المفارقة الكبرى: كلّما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر أهميّة للدولة، أصبحت الدولة أكثر اعتمادا على الجهات التي تنتجه. وهذه هي النقطة التي يبدأ عندها تراجع السيادة. ليس لأنّ الخوارزميّة أصبحت دولة. بل لأنّ الدولة بدأت تحتاج إلى الخوارزميّة كي تبقى دولة قويّة. وفي عالم كهذا، لن يكون السؤال في نهاية المطاف: من يسيطر على الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يملك الوسائل التي تجعل السيطرة نفسها ممكنة؟ فقد تكون السيادة في القرن الحادي والعشرين أقلّ ارتباطا بالحدود التي تستطيع الدولة حمايتها، وأكثر ارتباطا بالحوسبة التي تستطيع امتلاكها. وحين يصبح مركز البيانات أهمّ من بعض مؤسّسات الدولة في صناعة القوّة، فإنّ الخريطة الجيوسياسيّة للعالم لا تعود تُرسم بالحدود وحدها. إنّها تُرسم أيضا بالخوادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *