نحن لا نطرق باب الثقافة لندخل… نحن نسأل: من أغلق الباب؟

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

أنا لا أكتب هذا المقال لأنني امرأة تريد أن يُربّت أحد على كتفها. ولا لأنني أبحث عن شفقة، أو عن كرسي في الصف الأوّل، أو عن دعوة تصلني في ظرف أنيق فتقول لي: «نحن نتذكرك». أنا أكتب لأنّ هناك شيئا ما في علاقتنا بالثقافة في المهجر بدأ يشبه بابا ضخما من البرونز، يفتح أحيانا على أسماء بعينها، ويظل مغلقا في وجه أسماء أخرى، حتى لو كانت هذه الأسماء قد أمضت سنوات وهي تحفر بأظافرها في جدار الصمت كي تصنع لنفسها ولغيرها نافذة. أنا واحدة من أولئك الذين لم ينتظروا أن تأتي الثقافة إليهم. ذهبت إليها. وحين لم أجدها، حاولت أن أصنع لها بيتا. من دبلوم الدراسات العليا إلى الدكتوراه، ومن البحث إلى الكتابة، ومن الكتابة إلى العمل الجمعوي، ومن الجمعية إلى مشروع جريدة تحاول أن تمنح أقلام المهجر مكانا تتنفس فيه، لم تكن الرحلة نزهة على ضفة نهر. كانت أقرب إلى المشي في صحراء، وفي اليد بذرة. وكلّما سألني أحد: لماذا تفعلين كل هذا؟

كان الجواب بسيطا إلى درجة الألم: لأنني لا أريد للثقافة المغربية في المهجر أن تتحول إلى صورة قديمة معلقة على جدار. نحن لسنا صورا. نحن امتداد حي للوطن. نكتب. نبحث. نترجم. نؤلف. نناقش. نخلق الجمعيات. نؤسس المنابر. نفتح النوافذ. نحاول، وسط مدن لا تعرف أسماءنا أحيانا، أن نقول إن المغرب ليس جغرافيا تُغلق عند الحدود، بل ذاكرة ولغة وفكر ووجدان يمكن أن يعبر البحر دون جواز سفر. ولهذا تحديدا لا أفهم. لا أفهم لماذا يصبح المثقف المغربي في المهجر أحيانا مثل رسالة ضلت طريقها إلى عنوانها. أين تذهب الرسائل؟ من يقرأها؟ ومن يقرر أن بعضها يستحق الوصول، وبعضها الآخر لا؟

لقد طرقت أبوابا ثقافية كثيرة. لا أقول ذلك لأحصي على أحد فضله. بل لأطرح سؤالا بسيطا، ربما يبدو صغيرا، لكنّه بالنسبة إلى المثقف الذي يقف خارج الوطن يشبه سؤالا عن الهواء: كيف يمكن للمؤسسات التي تقول إنّها معنية بالثقافة المغربية في العالم أن تعرف المثقفين المغاربة في العالم، إذا كانت لا تفتح لهم باب اللقاء؟ ماذا تفعل اليونسكو بالمثقفين المغاربة المقيمين في الخارج؟ وماذا تفعل المؤسسات الثقافية المغربية الموجودة في باريس؟ وماذا يفعل القسم الثقافي في السفارة؟ وماذا تفعل المندوبيات والمراكز والمؤسسات التي يفترض أن تكون جسورا بين الوطن وأبنائه؟ وأين تذهب أسماء الذين يكتبون ويبحثون ويؤسسون وينظمون ويخلقون مشاريع ثقافية من لا شيء؟

أطرح هذه الأسئلة لأطلب حق المعرفة. حق المشاركة. حق أن تصل الدعوة إلى من يمكن أن يكون جزءا من المشهد الثقافي، لا أن يبقى المشهد مغلقا على دوائر لا نعرف كيف تُرسم حدودها. كنت أتمنى، مثل كثيرين، أن أغطي حدثا ثقافيا مهما، وأن أكون حاضرة في فضاء اليونسكو حين يزور البابا المكان. لا لأنني أبحث عن صورة إلى جانب شخصية عالمية. بل لأنني صحفية وكاتبة، ولأن الحدث الثقافي ليس ملكا للمقاعد الأمامية وحدها. طلبت. ثم طلبت مرة ثانية. ثم ثالثة. ومع كل طلب، كان داخلي يتساءل: هل أصبح حضور المثقف إلى فعالية ثقافية نوعا من المنّة؟ هل ينبغي على الكاتب أن يتحول إلى متسول بطاقة دخول كي يمارس عمله؟ وهنا تبدأ المفارقة التي تؤلم أكثر من الرفض نفسه. أنا لا أطلب أن يفرش لنا السجاد. أطلب فقط ألا يكون الباب مرئيا من بعيد ومغلقا حين نصل إليه.

لقد اتصلت بمؤسسات. انتظرت إجابات. طرقت أبوابا أخرى. تواصلت مع مجلس الجالية، ولم أتلق، بحسب تجربتي، جوابا. حاولت الوصول إلى مراكز ثقافية، ولم أر جوابا يبدد هذا الصمت. وأردت، مثل غيري من الفاعلين الثقافيين في المهجر، أن ننجز فعاليات في دار المغرب، وأن تكون لنا مساحة طبيعية داخل البيت الذي يفترض أن يكون بيتنا. لكنني وجدت نفسي أمام سؤال لا ينبغي أن يبقى فرديا: هل يحتاج المثقف المغربي في الخارج إلى معرفة الشخص الصحيح كي يصبح مرئيا؟ وإذا كان الجواب نعم، فهذه ليست مشكلة شخص. هذه مشكلة منظومة. وإذا كان الجواب لا، فأين هي الآليات الواضحة والمعلنة التي تضمن وصول الدعوات إلى الفاعلين الثقافيين الحقيقيين؟ لأنّ الثقافة لا يمكن أن تدار بمنطق الهمس. الثقافة تحتاج إلى الضوء. وإلى قواعد يعرفها الجميع. وإلى أبواب لا تحتاج إلى كلمة سر.

ثم جاءت حكاية أخرى. حاولت الحصول على بطاقة الصحافة من الجهة المغربية المختصة، رغم أنني كتبت في عدد من الجرائد المغربية، وواصلت الكتابة والعمل الثقافي، وأطلقت مشروع جريدة. وكانت الإجابة التي وصلتني، كما أتذكرها من تجربتي الشخصية، أن من لا يتقاضى أجرا لن يحصل على بطاقة الصحافة. قد يكون وراء هذا الكلام تفسير إداري أو قانوني أعرفه أو لا أعرفه. وقد تكون هناك شروط موضوعية ينبغي احترامها. لكنني أطرح السؤال من مكان آخر: هل يمكن أن تصبح الأجور معيارا وحيدا لرؤية الكفاءة الصحفية والثقافية؟ وماذا عن الكاتب المستقل؟ وماذا عن صاحب المشروع الثقافي؟ وماذا عن الصحفي الذي يكتب لأنه يؤمن بالكلمة؟ وماذا عن صاحب الجريدة التي لم تولد من رأس مال ضخم، بل من إرادة صغيرة وعنيدة تقول إن لأقلام المهجر حقا في الظهور؟ هل يصبح المثقف أقل استحقاقا لأنه لم يحصل بعد على راتب من مؤسسة إعلامية؟

وإذا كان النظام الإداري يشترط معايير محددة، فليكن ذلك واضحا ومعلنا للجميع. نحن لا نريد كسر القواعد. نريد فقط أن نعرف القواعد. فالعدالة الثقافية تبدأ أحيانا من شيء بسيط جدا: أن يعرف الناس كيف تُفتح الأبواب. وأنا لا أقول هذا لأطلب تصفيقا. بل لأن الصمت الطويل يصبح، بعد وقت، لغة. ولأن المثقف لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على تفسير حسن النية. هناك صمت يشبه الاحترام. وهناك صمت يشبه النسيان. والفرق بينهما تصنعه المؤسسات حين تتواصل. نحن لا نريد أن يصنع لنا مجدا. نريد فقط أن تقال لنا: نراكم. نعرف أنّكم هنا. نعرف أنكم تكتبون. نعرف أنكم تعملون. نعرف أن هناك في باريس، وبروكسل، ومونتريال، ومدريد، وبروما، وفي مدن كثيرة، مغاربة يصنعون الثقافة في ظروف لا يعرفها أحد. نريد أن تكون هناك خريطة حقيقية للثقافة المغربية في المهجر. قاعدة بيانات مفتوحة وشفافة. دعوات تصل إلى الفاعلين الحقيقيين. معايير واضحة للمشاركة. فضاءات تستوعب المشاريع المستقلة. تواصل مؤسساتي لا يعتمد على الصدفة أو العلاقات الشخصية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة ليس أن تختلف. بل أن تصبح غير مرئية. ونحن نرفض أن نكون غير مرئيين. لا لأنّنا نريد أن نكون في الضوء دائما. بل لأنّنا نعرف كم من قلم يعيش في الظلام رغم أنّه يستحق نافذة. لهذا كتبت. ولذلك أكتب. وربما سأظل أكتب.

فالكاتب في المهجر يحمل وطنه بطريقة مختلفة. لا يحمله في حقيبة. يحمله في اللغة. وفي الذاكرة. وفي الأسئلة. وفي القصائد. وفي المقالات. وفي الكتب. وفي كل مرة يكتب فيها عن بلده من بعيد، يكون قد مدّ خيطا بين ضفتين. وحين تقطع المؤسسات هذا الخيط بالصمت، فإنّها لا تعاقب شخصا واحدا. إنّها تخسر فرصة للتواصل مع جزء من صورتها الثقافية في العالم. نحن لسنا غرباء عن الوطن لأنّنا نعيش خارجه. نحن جزء من امتداده. والثقافة المغربية في المهجر ليست ملحقا صغيرا في آخر الصفحة. إنها واحدة من أكثر المساحات التي تستطيع فيها الثقافة المغربية أن تتنفس خارج الحدود، وأن تدخل في حوار مع ثقافات أخرى، وأن تقدم صورة متعددة للمغرب. فلماذا لا نستثمر فيها كما ينبغي؟ لماذا لا نعامل المثقف المغربي في الخارج بوصفه شريكا؟

لماذا لا توجد جسور مؤسساتية حقيقية بين السفارات والمراكز الثقافية والجامعات والجمعيات والصحافة والمبدعين؟ لماذا يظل بعضنا مضطرا إلى طرق الأبواب واحدا واحدا، وكأنّ الثقافة سر عائلي لا ينبغي أن يعرفه الغرباء؟ أنا لا أكتب هذا النص وأنا منكّسة الرأس. على العكس. أكتبه وظهري مستقيم. لأنّني أعرف ما فعلت. وأعرف كم مرة بدأت من الصفر. وأعرف أن إنشاء جمعية ثم إنشاء جريدة ليسا تفصيلين فقط في سيرة امرأة قررت أن تنتظر. وأعرف أنّ الثقافة لا تحتاج إلى البكاء. تحتاج إلى من يقول الحقيقة حين يصبح الصمت مريحا أكثر من اللازم. لذلك أقول للمسؤولين في بلدي، بكل احترام، وبكل المحبة التي يحملها المثقف لوطنه: نريد اعترافا بوجودنا. لا نريد أن تُفتح لنا الأبواب لأنّنا نطلبها. نريد نظاما يجعل الأبواب مفتوحة وفق معايير عادلة ومعروفة. لا نريد أن نكون ضيوفا دائمين على وطننا. نحن مواطنون يحملون وطنهم في اللغة والفكر والعمل. ولا نريد أن ننافس أحدا على كرسي. نريد أن يكون هناك عدد أكبر من الكراسي. فالثقافة ليست لعبة مقاعد. حين يجلس كاتب، لا يقوم كاتب آخر. حين تدعى باحثة، لا تطرد شاعرة.

وحين يُمنح صحفي فرصة، لا تنقص فرصة وطن. الثقافة ليست كعكة. الثقافة شجرة. كلما اتسعت أغصانها، صار ظلها أكبر. ولذلك أتمنى من الحكومة المقبلة، ومن المؤسسات الثقافية المغربية، أن تنظر إلى هذا الملف لا باعتباره شكوى فردية، بل باعتباره سؤالا استراتيجيا: ما موقع المثقف المغربي في المهجر داخل السياسة الثقافية الوطنية؟ من يمثله؟ من يتواصل معه؟ من يدعوه؟ من يستمع إليه؟ من يفتح له المجال؟ ومن يضمن ألا تتحول المسافة الجغرافية إلى مسافة مؤسساتية؟ لقد مرّت أربعة أشهر، في تجربتي، وأنا أنتظر جوابا أو تواصلا من جهة إعلامية مغربية بعد اتصال يتعلق ببطاقة الصحافة. أربعة أشهر. في عالم تتحرك فيه الأخبار خلال ثوان. أربعة أشهر من الصمت تستطيع أن تجعل الهاتف يبدو كقطعة أثرية. لكنني لا أريد أن أحول هذا الصمت إلى مرثية. أريده سؤالا. وأريد لهذا السؤال أن يصل. لأن المثقف الحقيقي ليس من يصفق حين تفتح الأبواب فقط. المثقف هو أيضا من يسأل، بأدب وشجاعة: من أغلقها؟ ولماذا؟ وبأي حق؟ ومتى ستُفتح؟ ولمن؟

وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث لهذه القصة أن تفتح لمن لا يعرف حتى كيف يطرقها. لذلك أنا لا أكتب عن نفسي فقط. أكتب عن الكاتب الذي يعيش في غرفة صغيرة في بروكسل ويكتب روايته ليلا. عن الباحثة التي تدرّس في باريس وتظل مجهولة في المشهد الثقافي المغربي. عن الشاعر الذي يحمل ديوانه في حقيبته ولا يعرف لمن يرسله. عن الصحفية التي تكتب دون مؤسسة خلفها. عن الجمعيات التي تعمل بلا ميزانيات كبيرة. عن المثقفين الذين يصنعون من الغربة مختبرا للغة. عن أولئك الذين لا يملكون «واسطة» ثقافية، لكنهم يملكون شيئا أكثر ندرة: العمل. نحن لا نطلب من الوطن أن يمنحنا نجوما. نطلب فقط ألا يطفئ المصباح حين نأتي ومعنا كتبنا. أنا امرأة اختارت أن تحارب التفاهة. واخترت أن أخلق، بدل أن أشتكي من غياب المنبر.

وحين خلقنا المنبر، لم أضع اسمي وحده على الصفحة. فتحت الصفحة لأقلام أخرى. لأنّني أؤمن أن الثقافة التي لا تتسع للآخرين ليست ثقافة؛ إنها مرآة نرجسية. لهذا سأستمر. لا لأن الطريق سهل. بل لأنّه صعب. ولا لأنّ الأبواب مفتوحة. بل لأنني تعلمت، منذ وقت طويل، أن بعض الأبواب لا تُفتح بالطرق عليها طويلا. تُفتح أحيانا بأن تبني نافذة. ثم نافذة أخرى. ثم جريدة. ثم جيلا كاملا من الأسئلة. ربما لا يكون السؤال الحقيقي: أين هي الثقافة المغربية في المهجر؟ ربما السؤال الأشد قسوة هو: هل تعرف مؤسساتنا أن الثقافة المغربية في المهجر موجودة أصلا؟ إذا كانت تعرف، فلتتواصل. وإذا كانت لا تعرف، فلتبحث. فنحن هنا. نكتب. ونعمل. وننتظر، لا شفقة، بل شراكة. ولا نطلب أن يقال لنا: «أحسنتم». نريد فقط أن يُقال: «رأيناكم. تعالوا، لنتحدث.» فقد يكون الوطن، أحيانا، أقل حاجة إلى من يصفق له من حاجته إلى من يوقظه.

One thought on “نحن لا نطرق باب الثقافة لندخل… نحن نسأل: من أغلق الباب؟”

  1. في الخارج او في الداخل، الهم واحد. وأكبر دليل هو ما وقع في قلب المؤسسة المسؤولة على هذا الشأن، لما لم تعرف إسما من أسماء حفرت صوتها في مجال الأدب، ويتساءل: من هو هذا الفلان؟ ماذا تبقى أن يقال؟ ما معنى أن تكتب في هذا الزمن الضنين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *